الأخبار
أخبار إقليمية
التنمية بحد السيف
التنمية بحد السيف
التنمية بحد السيف


05-10-2013 05:25 AM
قراءة في المشهد السياسي:

** غياب الديموقراطية من شأنه أن يحول دون تسوية الاختلافات عن طريق الحوار البنّاء، وأن يكبت التوترات الاجتماعية، وأن ينقل الصراعات من الإطار العلني إلى العمل السري الذي ينطوي على احتمالات العنف والتطرف

التنمية بحد السيف (2) “الإنسان هو أس وأساس التنمية

د. الشفيع خضر سعيد

في المقال السابق، ضمن هذه السلسلة من المقالات حول التنمية، بينا كيف أن الإعلان العالمي عن “الحق في التنمية” الصادر عن الأمم المتحدة في العام 1986، جعل من التنمية حقا من حقوق الإنسان وليس مجرد “مطالبة” يطالب بها الأفراد، وللحكومات أن تستجيب أو ترفض. وأوضحنا كيف أنه بموجب هذا الحق، وفي ظل مناخ ينعم بالديمقراطية والحريات، يمكن أن تتم إقالة الحكومة ومحاكمتها بالتفريط والتقصير، إن هي لم تراعي هذا الحق من حقوق الإنسان وتنفذه على الوجه المطلوب. وبينا كذلك، كيف أن برنامج العمل الذي أقره المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان المنعقد في فينا 1993، ربط بين حقوق الانسان والتنمية، كما ربط بينهما وبين الديمقراطية. نواصل في مقال اليوم، فنشير إلى التقرير الأول للتنمية الانسانية العربية للعام 2002، والذي أحدث نقلة أساسية في النظر للتنمية، بإعتبار أن أساسها هو الانسان، عندما أكد على أن التنمية هي “تنمية الناس ومن قبل الناس ومن أجل الناس”. وقد إنطلق هذا التقرير من حيثيات دراسية تؤكد إن رأس المال البشري والاجتماعي يسهم بما لا يقل عن 64% من أداء النمو، بينما يسهم رأس المال المادي والبنى التحتية بما مقداره 16%، أما الموارد الطبيعية فتسهم بمقدار 20%. وفي هذا الإطار، تحدث الكثيرون عن ضرورة الوعي بأهمية العنصر البشري في عملية التنمية، من حيث مساهمته في تحديد أولويات العملية التنموية، وتفعيل دوره في عملية التنمية، وكذلك من حيث دور العملية التنموية في الرقي بحياة العنصر البشري وتطوير قدراته. فالإنسان، بقدر ما تتاح له الفرص للإرتقاء بمعارفه ومهاراته وتطوير القدرات الكامنة فيه، واختيار العمل الذي يجد فيه ذاته ويحقق له دخلا يكفل له حياة كريمة، وينمّي لديه الإحساس بالمسؤولية تجاهه، وبقدر ما تتوفر له الحوافز لتوظيف هذه الطاقات في الأوجه الصحيحة المنتجة بقدر ما يتمكن من استخدام الموارد المتاحة لتحقيق تنمية حقيقية وذات أبعاد إنسانية، وبقدر يعزز اقتناعه بضرورة الاعتماد على الحوار والتواصل في التعامل مع القضايا العامة، الأمر الذي يخلق مناخا ملائما لمعالجة المشاكل الاجتماعية والسياسية بالطرق السلمية. ومن هنا تأتي أهمية الديموقراطية، فهي بإفساحها المجال أمام المواطنين للمشاركة في صنع القرار الخاص بتحديد أولويات العملية التنموية، تمكّن من وضع الحاجات الإنسانية في مقدمة هذه الأولويات. ولعله من البديهي القول بأنّ تلبية هذه الحاجات من شأنها أن تعمل على تطوير قدرات المواطن وتوسيع الخيارات أمامه على نحو يساعده على تحقيق ذاته، وإطلاق طاقات الخلق والإبداع الكامنة فيه. إنّ إدراك المواطن بأنّ فرص التقدم مفتوحة أمامه، وأنّ تقدمه مرهون بعمله وكفاءته دون أي اعتبار آخر، وثقته بأنّ ثمار عمله ستعود عليه، سوف يدفعه إلى السعي الجدي لاكتساب المزيد من المعارف والمهارات وبذل المزيد من الجهد في العمل.

صحيح أن الحروب الأهلية تمثل معوقا ومعرقلا أساسيا للتنمية، سواء بإستحالة تنفيذ مشاريع التنمية في المناطق المتأثرة بالحرب والإقتتال، أو بإعادة توجيه خط سير الموارد المخصصة للعملية التنموية لتصب في صالح المجهود الحربي، إضافة إلى أن الحروب الأهلية عادة ما تستخدمها النخب الحاكمة كذريعة لفرض أجواء التوتر والإرهاب في البلد، ومن ثم تمرير خططها المرفوضة جماهيريا، وفرضها على المواطنين فرضا. وعادة ما يصل الأمر، مثلا، حد إتهام المواطنين الذين يقطنون أقصى بقعة في جنوب الوطن والمحتجين على إنتزاع أراضيهم مثلا، إتهامهم بأنهم طابور خامس ويعاونون معارضي الحكومة الذين يحاربونها في أقصى بقعة في شمال الوطن. وأيضا تستخدم أجواء الحروب الأهلية لعزل المناطق عن بعضها البعض، وفرض مزيد من التعتيم على القضايا المتعلقة بمصير الوطن والمواطن، وإشاعة الأمر الذي يكرس لأن تصبح التنمية مهمة تقوم بها المجموعة الحاكمة حسب تصوراتها، وتفرض على أغلبية الشعب بالقوة. ومن هنا، فإنّ الاستقرار السياسي والاجتماعي هو أمر لا غنى عنه للتنمية، إذ بدونه يتعذر تحقيق تنمية حقيقية ومستدامة. ونكرر، ليس كالديموقراطية نظام يستطيع أن يوفر الآليات السليمة للتعامل مع تناقض المصالح الاقتصادية والاجتماعية والنزاعات السياسية، في حين أنّ غياب الديموقراطية من شأنه أن يحول دون تسوية الاختلافات عن طريق الحوار البنّاء، وأن يكبت التوترات الاجتماعية، وأن ينقل الصراعات من الإطار العلني إلى العمل السري الذي ينطوي على احتمالات العنف والتطرف، ويعطل دور القوى المحركة في عملية التنمية. وكما أنّ الاستقرار السياسي والاجتماعي يساعد على تسريع عملية التنمية ودفعها في المسار الصحيح، كذلك فإنّ تقدم مسيرة التنمية من شأنه أن يؤدي إلى توطيد الاستقرار السياسي والاجتماعي وترسيخ التجربة الديموقراطية.

من زاوية أخرى، وهي الزاوية الأخيرة في هذه المقدمة العامة والمختصرة عن التنمية، لا بد من الإقرار بأن التطورالإقتصادي لهذا البلد أو ذاك لايمكن أن يتم بمعزل عن الإقتصاد العالمي. وفي الحقيقة، وفي إطار العولمة الجارفة والمتسارعة وتائرها في عصرنا الراهن، فإن أي محاولة لبناء الأسس الإقتصادية لتحقيق المشروع التنموي في البلد المعين، تتطلب تطوير قدرات البلاد وربطها بقوة العصر وتوسيع التعاون الاقتصادي العلمي والتقني مع البلدان الأخرى، بما في ذلك الإقدام الجريء على جذب روس الأموال ومصادر التمويل الأجنبي ومنجزات البلدان الأخرى، في مجالات التكنولوجيا والتحديث وغيرها. لكن، في نفس الوقت من الضروري إستيعاب العملية التنموية كمسألة داخلية ووطنية، كونه أنه لا يمكن ان يقوم بها إلا ابناء البلد انفسهم، لأنهم أكثر قدرة على معرفة احتياجات البلد، وأكثر قدرة على إدراك الخصائص النفسية والاجتماعية والثقافية لبني وطنهم. وهذا يتطلب، وفي إطار مناهضة سياسات العولمة الرأسمالية المتوحشة، توفير الظروف السياسية والإجتماعية التي تستطيع في ظلها البلدان النامية من أن تعلى الأولويات الوطنية، وأن تكون سيدة مواردها، وأن تستخدم هذه الموارد لصالح شعوبها لا لصالح الآخرين، وأن تبذل جهودا كبيرة وقدرة لمواجهة الإحتكارات والشركات العالمية الضخمة، من خلال رسم استراتيجية وطنية للتنمية الاقتصادية ووضع برامج حكومية متكاملة للضبط غير المباشر للاقتصاد عن طريق تامين رقابة اجتماعية وحكومية على التقيد بالقوانين وضبط علاقات السوق، وأيضا عن طريق طلبات الدولة، وإشباع السوق، وسياسات الأسعار، والتعويضات، والضرائب، وفوائد القروض، والجمارك، …الخ. وكذلك مواجهة شروط المؤسسات المالية العالمية، البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بما يحقق التوازن الدقيق بين الإمكانات الإقتصادية والمكتسبات الإجتماعية، بما في ذلك إلتزام الدولة الحازم صوب حماية الحقوق المكتسبة للمواطنين خاصة في مجالات العلاج، السكن، التعليم، الثقافة، الترفيه، وكل الخدمات الضرورية الأخرى المتعلقة بتحسين وتسهيل حياة الإنسان…الخ.

وهكذا، أن تكون حاجات المواطنين الأساسية في مقدمة أولويات التنمية، وأن يتم توسيع المشاركة

الشعبية في تحديد هذه الأولويات وفي عملية صنع القرار الخاص بالتنمية، وأن تخضع السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لمزيد من الدرس والتمحيص من خلال الحوار العام المفتوح، وأن يتم ضمان سهولة الحصول على المعلومات، وتوفر الشفافية في الصفقات الاقتصادية، وأن يتم تمكين الرقابة الشعبية في كل مراحل العملية التنموية..، كل ذلك من شأنه أن يؤدي إلى إدارة عقلانية للموارد الاقتصادية والبشرية، وإلى إفساح المجال لتسليط الضوء على جوانب القصور وعدم الكفاءة في الأجهزة الحكومية، وإلى الكشف عن التجاوزات والممارسات المنحرفة ومحاربة الفساد، وصولا إلى تحقيق تنمية حقيقية ومستدامة.

أخيرا، كل هذا الحديث العام عن التنمية، والذي تناولناه في هذا المقال والمقال السابق، ربما يكون معروفا لدى الكثير من القراء، بل وربما جاء متطابقا مع الكثير من الكتابات حول الموضوع. ولكنا، قصدنا تلخيصه وتركيزه هنا ليكون بمثابة مقدمة أو مدخل لما سنناقشه في المقالات القادمة حول قصة الإنقاذ والتنمية بالقوة والعنف، حد القتل وسفك الدماء، كما شهدنا في مناطق السدود، وسنار، وحلفا والقضارف، ومؤخرا في أم دوم. وأصلا، هل يمكن أن تكون هنالك تنمية بالقوة وبحد السيف؟؟

الميدان


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 2587

التعليقات
#661687 [قاسم]
0.00/5 (0 صوت)

05-10-2013 09:03 PM
ارجو من الاستاذ ان يحدثنا عن (النمو وليس التنمية). فهو الاطروحة التي سادت ادبيات السياسة والاقتصاد حول العالم منذ اوائل الثمانينات بعد ان أشبع ساسة (إقرأ النميري) الحركات الوطنية في افريقيا وسواها (التنمية) موتا ودفنوها إبان فترة انفجار الديون في اواخر السبعينات. نحن في انتظار أن تحدثنا عن الاقتصاد السياسي للنمو وليس التنمية :- السدود او ام دوم او غيرها نموذجا. وأرجو الإكثار من الارقام الإحصائية ( ملح التحليل) حتي نتمكن من الحكم لك او عليك، وشكرا.


#661591 [المجامل]
0.00/5 (0 صوت)

05-10-2013 05:34 PM
يادوب انا فهمت القصة كل اسبوع جريمة اغتصاب طفل.


#661340 [مواطن]
4.00/5 (3 صوت)

05-10-2013 10:21 AM
الا تعبر هذا الصوره عن حال السودان والسودانيين - شوارع قذرة وبائسة وشعب عاطل يقرء في جرائد كاذبة مضللة ويظن نفسوا احسن شعب - وانا متاكد انهم حاليا بيتكلموا عن جامعة الخرطوم ثاني جامعة في العالم وان الشعب السوداني ارجل شعب في العالم والحلب والعبيد الخ الخ


ردود على مواطن
United States [kordofani] 05-11-2013 02:37 AM
count me in I totally agree those hobos .should take the street of joint the rebels
sitting down like harems and dreaming is not for men .perhaps they are security .especially the bald head.
sorry guys .hope you keep moving

United States [الجـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن] 05-10-2013 08:35 PM
كلامك حقيقه يا مواطن وبدون مجامله نسبة العواليق كبيره ومخيفة والاغرب انهم جامعيين
شوف الجرايد على الارض وشوف طريقة الجلسه وشوف الممحن داك وشوف بتاع السفنجه وشوف الحفيان
والعجب العجيب لو جات مجموعة من الجنس اللطيف ماشه .. دراويش لاقو مداح .. شباب وهم وعايش
على الوهم مافى نقد للذات نهائى ... تعرف عندى قريبى اتصلت عليه من باب القرابه وصلة الرحم
وبعد السلام والحال . سالنى من الاوضاع كيف ؟؟ قلت ليه لسع النقل صعب والكفيل اصعب والمده
باقى فيها شهرين وربنا افرج . الاوضاع فى السودان وسخه والكيزان دمروا البلد والحال المعيشيه
صعبه شديد .. تعرف صدمنى بالرد واول مره اعرف ان عوير واهبل وغبى والرد شبيه بالصوره دى

[خمجان] 05-10-2013 03:07 PM
والله اول مرة في الراكوبة القى لي شخص يملك نفس الرؤية التي احملها عن السودانيين ؟؟؟؟الانقاد قللت مروتهم والله السودانيين الان اجبن خلق الله ؟؟؟؟؟تشوف الناس في غنى الحماسة تقول الناس ديل ارجل منهم ما في؟؟؟؟؟وقصة انحنا احسن شعب دي لانه نحن بنعاني من نقص شديد وخصوصا حكاية العروبة دي علشان كدى داقين الطار وعاملن انحنا احسن ناس........الغريبة السودانيين بيعانو من بلادة عريببةوالكلام دة عن تجربة لكن منو البيسمع .......


#661309 [حليم - براغ]
0.00/5 (0 صوت)

05-10-2013 08:45 AM
صورة مفروض تفوز بجائزة عالمية!!



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة