الأخبار
منوعات
المصريون يلجأون إلى «لمبة الجاز» لمواجهة الظلام
المصريون يلجأون إلى «لمبة الجاز» لمواجهة الظلام
المصريون يلجأون إلى «لمبة الجاز» لمواجهة الظلام


05-12-2013 03:41 AM
بعد أن قبعت لسنوات كثيرة في ركن منسي، وتناثرت في الروايات والقصص والشعر والفن كقيمة تراثية عتيقة، عادت «لمبة الجاز» إلى شوارع القاهرة، لتفاجئ المصريين مجددا بحضورها ودخولها إلى لغة التفاوض اليومي سريعة الزوال بين بائع ومشتر على أرصفة الصخب. وتبوأت اللمبة مكانها الجديد في ركن ظاهر في البيوت، وكصديق قديم يمد يد المساعدة، بعد أن عجزت حكومات ما بعد الثورة في التغلب على مشكلة نقص الطاقة، وبات انقطاع الكهرباء طقسا عاديا، يقض مضاجع البيوت خاصة في أمسيات الصيف الثقيل.

لم تتحمل الزجاجة الرقيقة للمبة الجاز هدير ثورة 23 يوليو قبل 61 عاما، وتهشمت على وقع بناء السد العالي الذي أمد المصريين بالكهرباء، وأخذت تتراجع عن خريطة البلاد، حتى حاصرتها الحداثة عند أطراف القرى المنسية في صعيد البلاد.

وعاش المصريون سنوات صبر تهرأت خلالها البنية التحتية، فاستعانوا بالشموع خلال السنوات الأخيرة في مواجهة ظاهرة انقطاع الكهرباء، وحين انتفضوا على صبرهم وثاروا في مواجهة النظام السابق واجهتهم حقيقة تردي الأحوال الاقتصادية، وأطال ساعات الظلام عجز الحكومة عن توفير الطاقة لمحطات توليد الكهرباء، فعجزت الشموع، وولدت الحاجة إلى «لمبة الجاز».

يطلب حمادة الذي اتخذ من رصيف قريب من محطة مترو في منطقة شعبية بالقاهرة 15 جنيها ثمنا لـ«لمبة الجاز» الكبيرة، التي تصنعها والدته بنفسها أمام فرن للزجاج في مركز «أبو النمرس» على ضواحي محافظة الجيزة المتاخمة للعاصمة، وأما ثمن المتوسطة منها فهو 10 جنيهات، والصغيرة 5 جنيهات فقط.

لا يرحب حمادة بالحديث إلى الصحافة ويخشى التقاط الصور الفوتوغرافية، فشح الرزق وخشونة الشرطة في التعامل مع الباعة الجائلين يجعلان من الحذر واجبا، وطول مناهدة زبائن الطريق تورث ضيق الصدر.

ومع ذلك، فالزبائن أنواع منهم من يجد في لمبة الجاز الحل السحري لمواجهة ساعات الظلام، طالما استطاع أن يوفر لها «الجازولين» أو «الزيت» وهؤلاء أكثر إقبالا على شراء اللمبة الكبيرة المزودة بمشبك عاكس يشبه المرآة لمضاعفة تأثير الضوء الشحيح للمبة، وهم كذلك أكثر صلابة في التفاوض.

الزبائن الآخرون ممن يستجيبون لفضول أطفالهم الذين عاشوا أزمنة انقراض لمبة الجاز، أكثر إقبالا على الحجم المتوسط أو الصغير منها، وهم متساهلون نسبيا مع دفع الثمن الذي يحدده حمادة بعد أن يضيف له جنيهين أو ثلاثة في مقابل تعميرها بالجاز.

وقف الحاج أحمد خلف في انتظار أن يلف له حمادة زجاجة اللمبة في جريدة قديمة، قال: «الحاجة أم الاختراع.. فكرت أن أشتري اللمبة فقد نحتاجها.. كل يوم يبشرنا المسؤولون بقطع الكهربا».

يتابع: «الكشاف (المصابيح المزودة ببطاريات) مينفعش معانا.. ثمنه مرتفع ويستمر لساعتين أو ثلاثة والنور بيقطع عندنا بالساعات.. المشكلة إن الجماعة (زوجته) مش عاوزة اللمبة بتقول بتهبب السقف.. طيب بالذمة في هباب أكثر من كده».

ويشعر كثيرون من المصريين بالإحباط تجاه أوضاعهم الراهنة خاصة بعد أن تشبثوا بالأمل في أعقاب نجاح ثورة 25 يناير (كانون الثاني) قبل عامين في الإطاحة بنظام الرئيس السابق حسني مبارك، بينما تنذر درجات الحرارة بمقدم صيف ثقيل هذا العام.

جانب مضيء في عودة لمبات الجاز يلفت إليه بسخرية أيمن وهو شاب من حي بولاق الشعبي، اشترى أثناء مروره لمبة جاز متوسطة الحجم. يقول: أخيرا نستطيع أن نتصدى لتقريع آبائنا حين يذكروننا دائما بكفاحهم حينما كانوا يذاكرون دروسهم على ضوء لمبة الجاز.. «أهه محدش أحسن من حد».

لم يدر بخلد جيل الثورة المصرية الذي استعان بوسائط الاتصالات الحديثة في إنجاز ثورته أنه سيقارع أجداده في الكفاح على ضوء شحيح لمصباح، وبدا مدهشا أن يمسكوا بيد هواتفهم الذكية وفي اليد الأخرى لمبة الجاز العتيقة.

ووسط هذا الجو لم يجد المصريون غضاضة في الاستعانة بموتيف شعبي ظل حاضرا في الفن التشكيلي الذي حفظ فضل الانحناءات الحريرية لـ«لمبة الجاز» وشغل النحاس على قاعدتها الزجاجية السفلية، لكنها أصبحت مادة لتندر على المشروع السياسي والاجتماعي لجماعة الإخوان المسلمين التي تحكم البلاد حاليا، والذي حمل العنوان العريض «النهضة».

وتكافح الحكومة الحالية في تأمين واردات كافية من الطاقة لدعم محطات توليد الكهرباء، وتعد بالأفضل خلال المرحلة القبلة، وهو أمر يبقي الإنتاج الراهن للمبات الجاز في حدود الضيقة، من دون الاهتمام بجماليات تفرضها المخيلة الشعبية.

يبقى شيء واحد يقاوم إلحاحه حمادة بائع لمبات الجاز ووالدته التي تصنع تلك اللمبات المحلية، وهو أن تندفع الإمبراطورية الصينية الجبارة المهيمنة على سوق السلع المصرية الرخيصة إلى ساحة لمبات الجاز.

يخشى حمادة المنافسة الصينية، يقول: «بس ربنا يعمي الصين عنا»، لكن ثمة مخاوف أخرى من أن تنتهك الخصوصية التشكيلية المصرية في لمبات الجاز، كما سبق وحدث مع فوانيس رمضان الشهيرة التي تصدعت تحت قصف صيني عنيف وفرضت أنماطا جديدة عليها.

وبين ضراوة المنافسة الاقتصادية ومطالب الحفاظ على الهوية، يؤرق المصريين اليوم سؤال بشأن وضع باتوا مطالبين فيه أن يخوضوا معارك الظلام في زمن تقنيات النانو تكنولوجي.. لكن سعاد، وهي امرأة بسيطة تسكن في حي شعبي تقول وهي تمسك بيد طفلها ذي الستة أعوام: «هنعمل إيه.. مش المثل بيقول من فات قديمه تاه».

الشرق الاوسط


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1147


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية



الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة