الأخبار
أخبار إقليمية
الصحوة الإسلامية في هذا العصر
الصحوة الإسلامية في هذا العصر



05-17-2013 07:38 AM
بقلم الإمام الصادق المهدي

بسم الله الرحمن الرحيم
الصحوة الإسلامية في هذا العصر
الإمام الصادق المهدي

محتويات
مدخل
أولاً: من الغفوة للصحوة:
ثانيا: دلائل الصحوة الحديثة:
الصحوة في تركيا:
الصحوة في إيران:
الصحوة في العالم العربي:
الصحوة في السودان
ثالثاً: الصحوة والربيع العربي:
رابعاً: أفق الحل:
خامساً: الموقف الأمريكي:
سادساً: السلفية الظاهرية ليست صحوة:
سابعاً: التوفيق بين ثلاثي السنة والشيعة والصوفية:
ختاماً:

مدخل
الصحوة الإسلامية هي أن يؤصل المسلمون حياتهم بصورة تلتزم بقطعيات حقائق الوحي، بما يكفل حقوقهم في الكرامة، والحرية، والعدالة، والمساواة، والسلام، والأمن والمعيشة الكريمة، وتحقق استصحاباً للنافع من حضارة العصر.
العولمة هي التواصل الذي حققته ثورة الاتصالات والمواصلات والتكنولوجيا، ما جعل العالم أشبه بحاضرة واحدة. ولكن التفاوت بين بقاع العالم في الثروة، والقوة الإستراتيجية، والإعلامية، والثقافية، جعل بعض الدول تبسط عبر العولمة هيمنتها على الآخرين. لذلك نقول إن العولمة كحلقة متقدمة من تطور الحضارة الإنسانية حميدة. بينما العولمة كآلية للهيمنة خبيثة. والتحدي الحقيقي الذي تواجهه الصحوة الإسلامية الآن هو كيفية تحقيق مقاصدها التأصيلية بصورة تستصحب إنجازات العولمة الحميدة، وتحمي الأمة من مفاسد العولمة الخبيثة.
فيما يلي أقدم رؤية اجتهادية، فإن الفقيه الحقيقي هو من يدرك مطالب الواجب اجتهاداً، ويحيط بالواقع المعاصر ويزاوج بينهما. أقول:
أولاً: من الغفوة للصحوة:
العالم الإسلامي، وبعد مرحلة تاريخية عظيمة من النبوغ والمجد تحكم فيه الاستبداد سياسياً واقتصادياً، وجثم عليه الجمود فكرياً، وهي حالة تدهور مكنت الاحتلال الأجنبي الأوربي من احتلال أراضي المسلمين احتلالاً مباشراً أو غير مباشر.
الحضارة الأوربية المحتلة في عصورها الوسطى كانت تعاني حالة ظلامية أنقذها منها ما أشع فيها من إشراقات الحضارة الإسلامية. ولكن الحركة التاريخية التي حدثت هي أنهم بالرافع الحضاري الإسلامي طوروا قدراتهم الفكرية والتكنولوجية والإستراتيجية فصارت قدراتهم الاقتصادية والعسكرية لا تجارى، بينما تراجعت قدراتنا فصارت بلداننا ضحايا للغزاة المحتلين.
أهداف الصحوة: كل مظاهر الصحوة الإسلامية، منذ تحكم الاحتلال المباشر لبلداننا ثم الاحتلال غير المباشر، تتطلع لصحوة تقضي على الجمود الفكري وتطلق عقال الاجتهاد؛ وتقضي على الاستبداد وتحقق الحرية والعدالة، وتقضي على الاحتلال المباشر وغير المباشر لتحرير الإرادة من تحكمه، وتحقق السلسلة الفاضلة التي تنجز التأصيل والتحديث بصورة تجسد هوية الأمة وتستصحب إنجازات الحضارة الإنسانية.
ثانيا: دلائل الصحوة الحديثة:
الخلافة العثمانية كانت ترفع الشعار الإسلامي بشكل تقليدي بدون أي اجتهاد أو تجديد وفي نفس الوقت كانت تقدم تنازلات عن الفقه التقليدي في أوجه كثيرة أهمها فيما يتعلق بالتعامل مع القوى الدولية، هذه الخلافة بعد فترة من الصعود تآكلت ما جعلها هدفاً للتحكم الأجنبي والإطاحة الداخلية، فألغيت الخلافة في عام 1924م، وحل محلها نظام استنسخ الحضارة الأوربية حذوك النعل بالنعل. في وجه هذا العدوان على هوية الأمة قامت حركات صحوة إسلامية في كثير من البلدان الإسلامية – مثلاً- حركة الأخوان المسلمون.
وحتى لا نغوص في التاريخ أركز على دلائل الصحوة في القرن العشرين، متعرضاً لحالة الصحوة الإسلامية في تركيا، وإيران، والعالم العربي، والسودان.
الصحوة في تركيا:
في تركيا بلد الخلافة العثمانية نفسها كان النظام العلماني الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك وزملاؤه معادياً للدين بصورة صارمة، ومع ذلك قامت حركات تأصيلية إسلامية بعضها صوفي، كالذي عبرت عنه النقشبندية، وبعضها فكري اجتماعي كالتي قادها بديع الزمان النورسي، وبعضها سياسي، مثلا الحزب الإسلامي الذي أسسه نجم الدين أربكان عام 1970م باسم النظام الوطني، ولكن حله الجيش بعد انقلاب مارس 1970م. وتتالت حركة إعادة تأسيس حزب إسلامي، وإعادة حله في الأعوام التالية: تأسس حزب السلامة الوطني في 1972م ثم حُل، ثم حزب الرفاه في1983م وحل، ثم حزب الفضيلة في 1998م وحُل.
هذه الأحزاب الإسلامية كانت عندما تخوض الانتخابات تنال شعبية واسعة ما يدل على أن الشعب في تركيا متمسك بالإسلام. ولكن الجيش التركي اعتبر نفسه حارساً لعلمانية معادية للدين، فما برح يدبر انقلابات ويأمر بحل الحزب الإسلامي. ولكن في بداية القرن الميلادي الجديد فكرت جماعة أصحاب نجم الدين أربكان أن تقوم بمراجعة هيكلية لنهجهم، فكونوا في عام 2001م حزب العدالة والتنمية الذي خاض الانتخابات في عام 2002م واكتسحها، ومنذئذٍ صار هو القوة السياسية الأكبر في تركيا.
حزب العدالة والتنمية لا يصف نفسه بأنه حزب إسلامي، ولكن إنجازه الحقيقي في سجل الصحوة الإسلامية هو:
- أولاً إعادة تعريف العلمانية بصورة صديقة لا معادية للدين.
- تحجيم الدور السياسي للقوات المسلحة، وبالتالي للأيديولوجية الكمالية.
- الاستنصار بمنظومة حقوق الإنسان العالمية لتمكين المسلمين من التعبير عن تطلعاتهم.
- إشباع سياسة خارجية تركية أكثر استقلالاً من مطالب الهيمنة الدولية.
الصحوة في إيران:
كان نظام الشاه في إيران الوكيل الأقوى للهيمنة الدولية في العالم الإسلامي، وهو أشبه ما يكون بنسخة إيرانية للكمالية التركية. ولكن في إيران فإن المؤسسة الشيعية التي كان لها باستمرار دور اجتهادي ديني واجتماعي وسياسي تصدت عبر مراحل لنظام الشاه الاستلابي.
القوى التي ناهضت نظام الشاه كانت عريضة قادت الثورة الإسلامية بأساليب عبقرية سلمية فحققت ثورة إسلامية بمعنى القضاء على نظام الشاه، وإقامة نظام إسلامي. هذا الانتصار على أقوى معبر عن سلخ الهوية الإسلامية بعد مصطفى كمال، وبأساليب مدنية شعبية، والتصدي بنجاح لكل أساليب الهيمنة الدولية المضادة ألهب حماسة المسلمين في كل مكان، وأكد حقيقتين صار لهما أثر مهم في مضمار صحوة الشعوب، هما:
- أن الاستبداد الداخلي مهما كان محصناً ضعيفٌ أمام الإرادة الشعبية.
- أن الهيمنة الدولية عاجزة عن حماية حلفائها.
الصحوة في العالم العربي:
في البلدان العربية كان للحركة الصحوية التي قادها الشيخ جمال الدين الأفغاني وتلميذه الشيخ محمد عبده أثراً فكرياً مهماً في أن:
- السلفية أو العودة للأصول لا تعني العودة للجمود، بل لمصادر الوحي في الكتاب والسنة، وهي مصادر تحث على الاجتهاد وتطالب بالجهاد المدني.
- الحداثة لا تعني الامتثال للعلمانية بل استصحاب النافع من إنجازات الحضارة الإنسانية.
- التحرر من قبضة الهيمنة الدولية واجب على الأمة.
- ضعف الأمة في فرقتها وقوتها في وحدتها.
هذه المفاهيم عبرت عنها مجلة العروة الوثقى، وعبر عنها الشيخ رشيد رضا في تفسير المنار. هذه الرؤى ساهمت في تغذية اجتهادات الشيخ حسن البنا في مصر، فبلورها في برنامج تربوي وسياسي وأعطاها هيكلاً تنظيمياً شعبياً وتفعيلاً حركياً.
بهذه المفاهيم والقدرات استطاعت حركة الإخوان المسلمين بناء كيان سياسي مركزه في مصر، ولكنه بصورة مباشرة أو غير مباشرة ذو فروع إخوانية في أكثر من خمسين قطراً. الحركة الإخوانية وأفرعها، والحركات المتأثرة بها، وإن اتخذت أسماء مختلفة، يمثلون رافداً قوياً للصحوة الإسلامية.
هنالك منظمات إسلامية، سواء كان مؤسسوها أصلاً من الأخوان، وضاق بهم التنظيم، أو ذوات اجتهادات مستقلة من الأخوانية، كونوا منابر إسلامية، بعضها قطري وبعضها عابر للأقطار، مثلاً، منتدى الوسطية العالمي. هؤلاء جميعاً روافد في حركة الصحوة الإسلامية.
الصحوة في السودان
السودان فيه حركة صحوة إسلامية بعضها صوفي المرجعية، وبعضها سوداني الاجتهاد أخواني المرجعية كالحركة التي استولت على السلطة في عام 1989م. حركة الصحوة الإسلامية الأكبر في السودان هي حركة أنصار الله، ومرجعيتها الدعوة المهدية، وهي دعوة صاحبها لم يقل بمقولة الإثني عشرية عن المهدي، ولا مقولة بعض مذاهب أهل السنة عن مهدي آخر الزمان، بل أقام دعوته على أن العالم الإسلامي في حالة ركود وفساد وتبعية، ومحتاج للخلاص، وأن خلاصه في إحياء الكتاب والسنة المقبورين حتى يستقيما، وأنه خوطب بالمهدية، وفحواها وظيفة إحياء الدين على أساس شخص هداه الله وهدى به. وقال إن وظيفة إحياء الدين تكليف رباني مفرداته:
- (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ)[1].
- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)[2].
- (فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ)[3].
- وسمى مؤيدي دعوته الأنصار استجابة لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ)[4].
- وقال إن العبادات والشعائر ثابتة، ولكن المعاملات متحركة على أساس: لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال.
- وقال إن الكتاب والسنة ملزمين مع مراعاة الاجتهاد في فهم النصوص، وقال بأن لأحكام الإسلام جذوراً روحية تجب مراعاتها.
- وقال إن القيادة أو الإمامة في أمر الدين واجبة وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
هذه الدعوة انتصرت وأقامت دولة، ولكن الهيمنة الدولية، لا سيما في ظروف الهبة الإمبريالية في القرن التاسع عشر الميلادي، قمعتها إلى أن أحياها الإمام عبد الرحمن المهدي في القرن العشرين، بعد مراجعة هيكلية من منطلق "لكل وقت ومقال حال ولكل زمان وأوان رجال" واتخذ نهجاً توفيقياً بين التأصيل واستصحاب التحديث.
حركة أنصار الله في السودان صارت لها شعبية كبيرة، وفي ثمانينات القرن الماضي تحالفت مع الحركة الإسلامية ذات المرجعية الإخوانية في منبر جماعة الفكر والثقافة الإسلامية بهدف تحقيق قاعدة فكرية وتنظيمية وشعبية قوية للصحوة الإسلامية. وفي 1983م أعلن النظام المايوي ما أسماه بالثورة التشريعية حيث أقحم قوانين جنائية مرجعيتها إسلامية صيغت بصورة ملفقة شائهة بغرض تأديب خصومه وبإهدار كامل لمقاصد الشريعة الإسلامية. أنصار الله تصدوا لهذه التجربة باعتبارها تشويهاً للدين، وشاركوا في الثورة الشعبية التي أطاحت بالنظام المايوي في أبريل 1985م، وفي ظل الديمقراطية حازوا على الحجم الانتخابي الأول في البلاد وشرعوا في التأصيل الإسلامي بصورة ديمقراطية، ولكن الجماعة الإسلامية ذات المرجعية الأخوانية اشتركت في تشويه الخط الإسلامي مع الطاغية جعفر نميري، ثم شوهت الخط الإسلامي بالاستيلاء على السلطة باسمه بالانقلاب العسكري، وإقامة نظام استبدادي ربط بين الشعار الإسلامي والاستبداد والانفراد بالسلطة.
ورغم هذا التشويه فإن التطلع الإسلامي في السودان يحظى برأس المال الاجتماعي الأكبر، وفرصه المستقبلية الصحوية كبيرة إذا استطاع استصحاب منظومة حقوق الإنسان، واستيعاب استحقاقات التعددية الثقافية. هذا هو التحدي الذي يواجه الصحوة الإسلامية في السودان.
مع كل ما أصاب التوجه الإسلامي في السودان فإنه لا زال حائزاً على القسط الأكبر من الرأسمال الاجتماعي/ السياسي إذا استطاع أن يستفيد من الأخطاء وينخرط مع الآخرين في نظام جديد، لا سيما والبدائل المطروحة غير مجدية، فالبدائل هي اللبرالية الخالية من مشروع نهضوي، أو القومية التي في ظروف السودان استقطابية، أو الأفريقانية وهي كذلك استقطابية، أو الاشتراكية المادية وهي كرت محروق.
ثالثاً: الصحوة والربيع العربي:
النظم العلمانية التي سيطرت على دول الشرق الأوسط استطاعت إقامة دول قهرية أقامت نظماً أمنجية سخرت من أجلها الموارد الوطنية وأقامت حوائط أمنية قوية، وتواصلت مع الهيمنة الدولية على نوع من التحالف. واستطاعت أن تضع كل القوى المعارضة لطغيانها تحت المجهر وأن تعزلها من المشهد السياسي. كان قمعها لأنشطة المعارضة الوضعية: اللبرالية والاشتراكية والقومية فعالاً. أما المعارضة ذات المرجعية الإسلامية فقد نجحت في تحجيمها ووضعها تحت المراقبة واستخدام بعض مظاهر وجودها كفزاعة للغرب. ومع انزواء الحركات الإسلامية من المشهد السياسي المقنن فإنها استطاعت أن تتخندق في الأنشطة الدينية والمساجد، والأنشطة الاجتماعية.
النظم الأمنجية هذه استعانت بخبرات أمنية أجنبية، ووظفت إمكانات حديثة لبسط سيطرتها، واطمأنت أن عناصر التحرك السياسي الحزبية والنقابية قد دجنت، واطمأنت لاستقرار الأوضاع الداخلية على استمرارها بمباركة الهيمنة الدولية.
وبعد استقرارها لم تعد تحكم باسم القوات المسلحة، بل باسم حزب حاكم، وأجهزة أمن متحكمة، وطبقة رأسمالية منتفعة، لذلك عندما جاءت ساعة المواجهة تخلت عنها القوات المسلحة كما حدث في تونس ومصر.
الذي جاء بساعة المواجهة أحداث مفاجئة بدأت باستقتال محمد بو عزيزي احتجاجاً على ظلم وقع عليه، وتفاعل مع المأساة جماهير الشعب التونسي بصورة تلقائية مثلما حدث في مصر من انفعال باغتيال الشرطة لخالد سعيد.
وفي الحالتين كان رواد التعبئة الشعبية شباب استخدموا تكنلوجيا التواصل الاجتماعي الحديثة وحركوا الشارع نحو الاعتصامات والمواكب المليونية من أجل العيش والكرامة والحرية والعدالة.
الشباب الثائر الذي حرك الجماهير لم يكن طليعة حزبية، وحركوا الجماهير مما أدى لإسقاط نظم الاستبداد دون أن يكملوا مشوار الثورة، وهي أن تطيح بالنظام الفاسد، وأن تضع بديلك في مكانه. أطاحوا بالنظام الفاسد، وملأ الفراغ الكادر الحكومي الموجود بدعم من المؤسسة العسكرية. هؤلاء لم يكونوا ثوريين بأي معنى للعبارة؛ في تونس وفي مصر وقفت الثورة في المحطة الأولى. أما ولاة الأمر الجدد فلم يكن لديهم تصور غير إدارة شئون البلاد واعتماد الدستور القائم بتعديلات محدودة وأجروا انتخابات في ظله. كانت هذه التطورات مفاجئة لكل القوى السياسية، ولكن لأسباب كثيرة أهمها:
- احتراق الشعارات العلمانية شعبياً: الليبرالية واليسارية.
- تدمير الأجهزة الأمنية والوسائل الإعلامية لقوى المعارضة.
- تخندق القوى الإسلامية في أنشطة دينية واجتماعية وابقاؤها على صلات تنظيمية سرية.
- حصول القوى الإسلامية على دعم إعلامي ومالي خليجي.
استطاعت القوى الإسلامية أن تحصل على نصيب الأسد من أصوات الناخبين، فصارت لها ولاية الأمر السياسي انتخابياً.
هذه التطورات تحسب جزءاً مهماً من تيار الصحوة الإسلامية. ولكن بما أن هذه التطورات لم تكن تعبيراً عن ثورة فإنها وجدت نفسها تتطلع لمفاهيم ثورية في مجتمعات تحول دون أية إجراءات ثورية، لا سيما إسلامية، فيها:
- مؤسسات الدولة الموروثة النظامية والقضائية: الدولة المتجذرة.
- المنظومة المجتمعية الإعلامية، والفنية، والاجتماعية: المجتمع المتمكن.
- المنظومة الدولية: النظام الدولي المتحكم.
وكأن هذه المعوقات لا تكفي! فإن الولاية الإسلامية الجديدة لم تأت ببرامج محددة لحل المشكلات لأنها فوجئت بالتطورات لذلك وجدت نفسها مع غيبة البرامج تتخبط.
ويزيد الضغط عليها أن شعوب المنطقة مكونة من غالبية شبابية، تزيد على 60% من البالغين، وهم شباب غاضب، وفي الغالب عاطل، ويتطلب حلولاً سريعة لمشاكله وهو غير مستعد أن ينتظر.
هذا مع مستوى الجرأة الشعبية التي غرستها الثورة والحرية المتاحة التي حققتها الثورة يعني أن حكومات الأغلبية الإسلامية وجدت نفسها محاصرة حصاراً محكماً لا سيما وكل القوى غير الإسلامية أفزعها الشعار الإسلامي، وتكتلت هذه في صف واحد مهما كان بينها من تباين. وهي تستعد لمنازلة القوى الإسلامية انتخابياً أو لتحريض القوات المسلحة لتقوم بدور القوات التركية في الاستيلاء على السلطة وتحجيم الحركات الإسلامية.
ولكن إذا نجحت هذه القوى في الإطاحة بالحركات الإسلامية انتخابياً أو انقلابياً فإنها ستجد نفسها أمام معارضة إسلامية عريضة، ومعلوم أن القوى الإسلامية أكثر كفاءة في المعارضة منها في إدارة الحكم. فما العمل؟
رابعاً: أفق الحل:
قوى الولاية الإسلامية المنتخبة مأزومة، ولكن البدائل المطروحة لها ستكون أكثر تأزماً، والحل في أن تعمل قوى الصحوة الإسلامية الانتخابية على البرهان على كفاءتها الإدارية والاقتصادية مثلما فعل حزب العدالة والتنمية في تركيا، وأن تنجح في إدارة التنوع بإتاحة مشاركة مقنعة للآخرين، وأن تنجح في مواجهة التحدي الاقتصادي بما يوفر الأمن والمعيشة، ويضع حداً للعطالة. مواجهة هذه التحديات وحدها هي التي تمكن قوى الولاية الإسلامية الانتخابية من الحفاظ على السلطة وعلى الديمقراطية معاً.
ولكن موارد الأقطار المعنية الذاتية لا تكفي لمواجهة هذه التحديات.
إن للثورة التي حدثت في بلدان الربيع العربي آثاراً عميقة في نفوس الشعوب، وآثاراً أفقية على شعوب المنطقة الأخرى. لذلك نشطت المطالب بالإصلاح السياسي في أقطار عربية مختلفة.
البلدان العربية النفطية وحدها هي التي تملك الآن الموارد المالية الكافية، ويمكن أن توظفها توظيفاً رجعياً كما يلي:
- محاولة إلهاء شعوبها بالمنافع المالية عن المطالب الإصلاحية.
- محاولة اختراق المشهد السياسي في البلدان الثورية سواء بمحاولة استمالة أحزاب حاكمة أو بدعم قوى النظام المباد لتصعيد معارضة، وبالتالي إسقاط الإسلاميين.
ولكن هذه البلدان يمكن أن توظف قدراتها توظيفاً مستنيراً، كالآتي:
• القيام بإصلاحيات سياسية تحقق التصالح مع شعوبها على أسس الحكم.
• تكوين صندوق تنموي بموارد هائلة لتمويل حاجة البلدان المعنية ذات الكثافة السكانية.
• الانحياز للتحول الديمقراطي والتوجه الإسلامي الصحوي.
خامساً: الموقف الأمريكي:
إن أحداث المنطقة سوف تتأثر بمواقف الدول الكبرى لا سيما الولايات المتحدة.
مصالح أمريكا في المنطقة مرتبطة بأربعة مطالب هي: انسياب البترول إلى السوق العالمي، وأمن إسرائيل، ومحاربة الارهاب، والملف النووي. انسياب البترول مضمون مهما كانت نظم الحكم في المنطقة لأن مصلحة المنتج مرتبطة بالمستهلك. أمن إسرائيل على أساس استمرار اغتصاب حق الشعوب العربية مستحيل ولا بديل للسلام العادل. إن نشاط القاعدة الذي انطلقت منه الأنشطة المسماة إرهاب بدأ بتحالف مع أمريكا ضد الاتحاد السوفيتي، وهو في حقيقته الآن اتباع لأساليب خاطئة للدفاع عن مطالب مشروعة والقضاء عليه أمنياً مستحيل بل منذ بدايته استمر في توسيع قدراته وانتشار أماكنه.
أما الملف النووي فإذا ركزت الولايات المتحدة على مبدأين مهمين يمكن التوصل لحل عادل فيه وهما: مخاطبة دول المنطقة بما يحقق أمنها لا ما يستفزها. والأمر الثاني: التخلي عن ازدواجية المعايير. أما إذا أصرت أمريكا على السيطرة من جانب واحد على مواقع إنتاج وترحيل البترول، وعلى حماية الغطرسة الإسرائيلية بما في ذلك فتوحاتها، وعلى محاربة مظاهر الإرهاب دون التصدي لأسبابه، وعلى التعامل مع الملف النويي بازدواجية المعايير وباستفزاز دول المنطقة في مطالبها الأمنية؛ فإن أمريكا ستجد نفسها أمام تحديات من قوى المنطقة الحريصة على حقوقها، وتحديات من منافسين دوليين آخرين في مناخ التعددية الدولية الراهن. وأمام حروب خاسرة مثلما شهدت في أفغانستان والعراق والصومال حروب أفلستها وشوهت سمعتها.
الإرهاب ليس حتمياً، بل هو أسلوب احتجاج خاطيء ضد سياسات يمكن بل يجب العدول عنها. وهو ليس مرتبطاً بالإسلام، وإن رفع شعاراته، فقد لجأ إليه كأسلوب احتجاج شعوب كثيرة ذات أديان مختلفة كنمور التاميل في سيريلانكا، والخمير الحمر في كمبوديا، وإيتا في أسبانيا والشين فين في أيرلندا، وغيرهم ممن أحصاهم روبرت بيب في كتابه بعنوان (يموتون من أجل الفوز)!
سادساً: السلفية الظاهرية ليست صحوة:
هنالك حركة أخرى يخلطها بعض الناس بالصحوة الإسلامية هي الحركة السلفية. السلفية الحقيقية تعني العودة للمصادر الأصلية ويقبلها الكافة، ولكن هؤلاء إنما يريدون العودة لمفاهيم ظاهرية للإسلام، مع أن الفهم المتدبر للإسلام واجب ديني: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا؟)[5]؛ ويتخذون نهجاً في الولاء والبراء يلزم المسلمين بقتال طلب مع أن القتال في الإسلام للمعتدين. ويكفرون من يخالفهم من أهل القبلة، وهذا هو ما يريده أعداء الأمة لكي تشغل نفسها بفتن داخلية، على نحو ما قال الرئيس الأمريكي نكسون في كتابه بعنوان "نصر بلا حرب"، إذ قال مشيراً للحرب الإيرانية العراقية: إذا كانت هنالك حرب يتمنى المرء حدوثها فهي هذه الحرب، وإذا كانت هناك حرب يتمنى المرء ألا ينتصر فيها أحد فهي هذه الحرب! أي غاية المنى أن ينشغل المسلمون بفتنة دائمة.
سابعاً: التوفيق بين ثلاثي السنة والشيعة والصوفية:
إن على الصحوة الإسلامية أن تقدم اجتهادا ينقذ المسلمين من التباين الثلاثي: سنة- شيعة- صوفية. كل المسلمين سنة بمعنى اتباع قدوة محمد صلى الله عليه وسلم. وكل المسلمين شيعة بمعنى القول بمكانة خاصة لآل البيت والجميع يرددون ذلك في التشهد في صلواتهم. وكل المسلمين صوفية بمعنى التسليم بأن لأحكام الإسلام جذوراً روحية.
صحيح طرأ على هذه المعتقدات مرارات تاريخية، ومفاهيم مذهبية. ينبغي التخلي عن تلك المرارات باعتبار أن تلك أمة قد خلت، واعتبار المفاهيم المذهبية المختلفة ملزمة لأصحابها وحدهم.
وفيما يتعلق بالمهدية، فلكل أن يعتقد ما يشاء، ولكن الجميع ينبغي عليه التطلع لإحياء الإسلام على أساس الالتزام بالقطعيات واستصحاب المستجدات بما يوفق بين العقل والنقل.
ختاماً:
الصحوة الإسلامية هي مستقبل أمتنا، ولكن نقوم، نحن هذا الجيل من المسلمين، بواجبنا، فإن علينا الآتي:
1) التسليم بأن للصحوة الإسلامية مراكز عديدة ووحدة الصف فيها ليست مهمة بل المهم وحدة الهدف.
2) الصحوة تتطلب فهماً اجتهادياً للواجب، وإحاطة بالواقع، والتزاوج بينهما.
3) الصحوة تتطلب أن يتفق المسلمون على الالتزام بالقطعيات والتعايش مع الاختلافات الاجتهادية.
4) الصحوة تتطلب أن يوفر نظام الحكم للمسلمين الكرامة، والحرية، والعدالة، والمساواة، والسلام، والأمن، والمعيشة. فإذا وفرها فلا غبار على أي شكل يتخذ.
5) الصحوة تتطلب أن يتحد المسلمون اتحاداً فضفاضاً يراعي مصالح الشعوب القطرية، والقومية، والإقليمية، وينظم الوحدة بينهم فيما دون ذلك.
6) الصحوة تتطلب الاتفاق على موقف إستراتيجي واحد من الملل الأخرى والدول الأخرى يقوم على أساس (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)[6] و(لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ[7].) وعلى أساس (لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِم [8]).
7) ينبغي أن نصوغ هذه المبادئ في ميثاق واحد لأهل القبلة، ونعتقد أننا إذا فعلنا ذلك وصدق الفعل القول فإن ذلك سوف يجذب إليه الشعوب الإسلامية الأخرى، وسوف تتجاوب معه الجاليات المسلمة في البلدان غير الإسلامية، بل سوف يفتح الطريق لنظام ديني فاضل، ونظام دولي عادل في العالم.
هذا هو الطريق الأمثل، والبديل له هو الاستقطاب الطائفي، والملي، والدولي، وهي استقطابات في ظروف إمكانات التدمير الحالية، وإمكانات التواصل الحالية، ووسائل المواصلات الحالية؛ سوف تدفع العالم نحو الدمار، وتحقق نبوءات ظلامية، مع أن ديننا يبشر بعالم أفضل (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)[9].




[1] سورة لقمان الآية 15
[2] سورة المائدة الآية (54)
[3] سورة الأنعام الآية (89)
[4] سورة الصف الآية (14)
[5] سورة محمد الآية (24)
[6] سورة النحل الآية (125)
[7] سورة البقرة، الآية 256.
[8] سورة الممتحنة الآية 8.
[9] سورة الأنبياء الآية (105)


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1241

التعليقات
#667648 [على طه على]
0.00/5 (0 صوت)

05-17-2013 03:20 PM
صحوة أوغفوة فكل الأديان قد فقدت مصداقيتها ويعتبرها كل المستنيرين خرافات وأساطير - العلم الرصين فسر كل الظواهر الكونية وصار متخلف من ما زال يصدق أن آدم نزل مع زوجة من السماء ليعمر الأرض - ثبت بالحفريات أن الإنسان من قبيلة الحيوان بعقل تطور لا أكثر!!



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية



الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة