الأخبار
أخبار إقليمية
أهمية الديموقراطية في إرساء الوحدة الوطنية
أهمية الديموقراطية في إرساء الوحدة الوطنية
أهمية الديموقراطية في إرساء الوحدة الوطنية


05-18-2013 01:12 AM
د. عمر بادي

الديموقراطية كنظام للحكم هي صنعة إغريقية ظهرت في أثينا القديمة في القرن الخامس قبل الميلاد على يد فلاسفة الإغريق و هي تعني حكم الشعب للشعب , ثم أصابتها يد العزلة لقرون عدة بعد تغول التسلط والتجبر و الإنفراد بالرأي في شؤون الحكم و الرعية حتى صارت الغلبة للقوة لا للمنطق , ثم ظهرت ثانية بمسماها القديم بعد إندلاع الثورة الفرنسية في عام 1789 . لم تكن قرون عزلة الديموقراطية كلها مظلمة , بل كانت تتخللها فترات إستنارة تطبق فيها العدالة الإجتماعية بواسطة المصلحين و لا أرى إصلاحا كان أكثر من رسالة نبينا الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم الذي أتانا بالشورى , و لكن الإنسان كعادته كان دائما يعود إلى غيه و يسدر فيه ضاربا بالقيم و المثل عرض الحائط أو آخذ منها ما يروق له و يترك ما عداها .

إذا عدنا إلى تاريخ السودان قبل العهد التركي أي قبل عام 1821 نجد هنالك مجموعة من الممالك و السلطنات تتناثر جنوب الصحراء على ما كان يعرف بالسودان النيلي و الذي يحده من الشرق البحر الأحمر و من الغرب بحيرة تشاد و من الجنوب المستنقعات و السدود على النيل الأبيض . أما غرب بحيرة تشاد و إلى المحيط الأطلنطي فقد كان يعرف بالسودان الغربي , و في عهد الإستعمار صار يطلق على هذين القسمين من السودان كل من السودان الإنجليزي المصري و السودان الفرنسي . إن الممالك و السلطنات التي كانت في السودان النيلي في ذلك الوقت كانت تتمثل في مملكة الشايقية و مملكة العبدلاب و السلطنة الزرقاء و مملكة تقلي و مملكة المسبعات و سلطنة الفور و كان الولاء للقبيلة طاغيا مع إنعدام الشعور القومي , و أرى انه بعد مرور مائتين عام قد عاد الولاء للقبيلة أكثر قوة و إنعدم الشعور القومي عند الكثيرين من أهل الهامش , و هذا أس إنفصال الجنوب و البقية تأتي .. و أخشى أن يعود بنا الحال و بالسودان إلى ما قبل عام 1821 و نعيش في تفتت و تشرذم و تحارب كما كنا !

الحكم التركي للسودان , كما علمونا في المدارس , كان من أجل المال ( الذهب ) و الرجال ( المحاربين ) , و لذلك كانت إدارته كلها تركية و مصرية مع بعض الأوربيين , و كان الأتراك تحت حكم محمد علي في مصر متسلطين , و لذلك لم يكن هنالك إحتمال لتطبيق أي نوع من الديموقراطية أو الشورى مع المحكومين و إنما كانت القوة هي المهيمنة على إخضاع الممالك و السلطنات و المشايخ حتى يتم تكوين وطن منها إسمه السودان , و إشتهرت في ذلك الوقت (الفرمانات ) أو الأوامر التي كان يصدرها الحاكم التركي . هنا لا أنكر للأتراك إختيارهم للخرطوم كعاصمة للسودان و قيام عثمان بيك و الذين بعده بتعميرها على نسق البناء الإسلامي خاصة المساجد . في فترة المهدية إستمر حكم القوة في محاربة الأعداء في الداخل و الخارج و في نزع الولاءات و الطاعة و النفرة للقتال . أما في فترة الحكم الإنجليزي المصري أو بالأحرى الإستعمار الإنجليزي فقد دخل السودان في العصر الحديث و لا أقول هذا جزافا , ففي عام 1901كان إنشاء كلية غردون التذكارية أي بعد عامين من إنتهاء فترة المهدية و قد تحولت هذه الكلية إلى جامعة الخرطوم بمبانيها التي لا زالت قائمة , و أعقبت ذلك الطفرة التنموية في كل مناحي الحياة و منها إنشاء ميناء بورتسودان في عام 1907 , و مد خطوط السكة الحديدية حتى الأبيض في عام 1912 و إنشاء شركة النور و إنارة العاصمة بالكهرباء منذ عشرينات القرن الماضي , ثم كان ربط العاصمة بالجسور على النيلين و إنشاء الطرق المسفلتة و إنشاء خزان سنار في عام 1925 , ثم الشروع في مشروع الجزيرة منذ عام 1911 و تكملته في عام 1925 حيث كان يعد أكبر مشروع مروي في العالم ذي إدارة واحدة .

حتما كانت للإستعمار مرامي و أهداف وراء تنميته للسودان و تمثل ذلك في مشروع الجزيرة الذي أسس من أجل إرسال منتوجه من القطن طويل التيلة إلى مصانع النسيج الإنجليزية في لانكشير و يوركشير , بجانب المنتوجات الزراعية الأخرى , لكن من ناحية أخرى كانت هذه المشاريع إرثا للسودان ستعود خيراتها عليه بعد أن ينال إستقلاله . لقد حكم الإنجليز السودان بعقلية المستعمر المترفع حتى عن النزول إلى الأهالي و الإختلاط بهم , و كانت الإدارة من البريطانيين بمساعدة المصريين و كان الحاكم العام يصدر قراراته دون مشورة الجانب السوداني , حتى إزداد الوعي المستنير في خريجي المدارس ومن ثم دعوا إلى مؤتمر الخريجين الذي قام في عام 1937 , و أدى ذلك الوعي إلى تكوين المجلس الإستشاري في عام 1944 الذي كان بالتعيين و كانت صلاحيته محدودة في المشورة , ثم أعقبته الجمعية التشريعية في عام 1948 و التي تم إختيار معظم أعضائها بالتعيين و لذلك قاطعها الإتحاديون كونها صنيعة بريطانية بينما إنضم إليها الإستقلاليون , و بذلك فقد كانت سببا في تعميق الصراع السياسي بين السودانيين .

في عام 1953 أجريت أول إنتخابات برلمانية للأحزاب السودانية , و في يناير 1954 تكونت أول حكومة سودانية برئاسة إسماعيل الأزهري , و في يوم 19/12/1955 تم إعلان إستقلال السودان من داخل البرلمان و ليس عن طريق الإستفتاء الشعبي كما كان الإتفاق مع دولتي الحكم , و في 1/1/1956 كان إحتفال الإستقلال بإنزال العلم البريطاني و رفع العلم السوداني !

هل حقا كان الوقت مبكرا لإعلان إستقلال السودان ؟ الإستقلال يعني عدم الإعتماد على الغير في إتخاذ القرار و يعني القدرة على شق الطريق إلى المستقبل بالتسلح بالوعي و أهم شيء الوعي بالتطبيق العملي للديموقراطية و الذي كان في مرحلته الطفولية لكل السودانيين . النتيجة أن كانت أحداث مارس 1954 حين حضر اللواء محمد نجيب إلى السودان ليشارك في إفتتاح البرلمان , و كان تخوف الرئيس الأزهري من فتنة الحرب الأهلية بين دعاة الإتحاد مع مصر و بين دعاة إستقلال السودان , و بعد جولة للأزهري في مدن السودان ترسخت له هذه الحقيقة و لذلك فضّل التريث في إعلان الوحدة مع مصر حتى تتهيأ الظروف لذلك و ينتفي إحتمال نشوب الحرب الأهلية . إن نتيجة عدم الوعي بالتطبيق العملي للديموقراطية كان أيضا في مجانبة الحكومة الوطنية للصواب في سودنة الوظائف و كان ذلك الدافع الأول لشعور الجنوبيين و ساكني الأطراف بالغبن . ثم كانت النتيجة في إنعدام التنمية المتوازنة بين الوسط و الأطراف , و أيضا كانت النتيجة في صراع المصالح الحزبية و الشخصية في عهود الديموقراطية مع جهل معظم النواب , مما حدا بالسيد عبد الخالق محجوب أن يطلق مقولته أن السودان يحكم من مناطق الجهل و التخلف ! و أيضا كانت النتيجة في صراع البقاء و التفرد بالسلطة و الثروة في عهود الدكتاتورية العسكرية . كل ذلك يؤكد أن فاقد الشيء لا يعطيه !

إن نتيجة عدم الوعي بالتطبيق العملي للديموقراطية أراه يحدث الآن في الساحة السودانية في حروب قد طالت كل الجبهات المطلبية و أن لغة القوة هي اللغة التي لا زالت سائدة لحكم البلاد , و أن التفاوض لا يكون إلا لوضع الخصم داخل عباءة الحكومة , و هل بذلك يكون السلام مستداما ؟ لقد بذلت دولة قطر جهدا مقدرا لحل مشكلة دارفور و لكنها تبعت سياسة الحكومة السودانية التي تخلق إنقسامات في الحركات حاملة السلاح ثم تتفاوض مع أطراف ضد أطراف أخرى , و النتيجة إستحالة الإستقرار الكامل للإقليم و ها هي الإغتيالات تطال رئيس الموقعين على الإتفاقية و نائبه . لماذا لا تكون المساعي لعودة النظام الديموقراطي و الذي بعودته سوف تحل كل مشاكل السودان , بما فيها حروب الجبهة الثورية الدائرة في منطقتي جنوب كردفان و النيل الأزرق ؟ الآن الجيش السوداني منتشر في كل الجبهات و قد أصابه الإعياء من كثرة الحروب الداخلية التي يخوضها منذ العام 1955 حيث أنه طيلة هذه السنين لم يشترك في حرب خارجية مع عدو خارجي , و لن تجدي زيادة رواتب ضباطه و جنوده مع شعوره أنه يحمي نظاما و لا يحمي مواطنيه , و أرى هذه الأيام إستنفار الحزب الحاكم لعضويته للإنضمام إلى المليشيات التي ستدافع عن بقاء النظام و حزبه , و هذا يدل على أن النظام قد قرر البقاء بلا إصلاحات جذرية , و إن وجدت فسوف تكون نوعا من الشكليات أي ( مدغمسة ) , و لم يترك النظام حلا سوى مواجهته !

الديموقراطية تتطلب إستمرارية ممارستها و الصبر عليها حتى نكتسب خبرةً فيها و نتناسى خبرات التسلط المتراكمة في عقولنا الباطنة , مع رفع مصلحة السودان فوق كل مصلحة ! إن إدارة التنوع في السودان تتطلب الإعتراف بالمواطنة حتى ننتقل إلى الشعور بالأمة السودانية .

أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم و هو التعايش السلمي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك افريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني . إن العودة إلى المكون السوداني القديم تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !

badayomar@yahoo.com


تعليقات 15 | إهداء 0 | زيارات 2540

التعليقات
#669014 [المحتار]
0.00/5 (0 صوت)

05-19-2013 04:36 AM
شوفو الدجل ده


#668873 [carona]
0.00/5 (0 صوت)

05-18-2013 10:52 PM
Dr Bady is a true SUDANESE who knows alot about the history and all diffrent peopls of the the Sudan. Thank you very much.


#668847 [عصمتووف]
0.00/5 (0 صوت)

05-18-2013 10:14 PM
هل حقا كان الوقت مبكرا لإعلان إستقلال السودان
نعم كان مبكرا جدا علي الاقل كنا في هذه اللحظة نكون مثل جنوب افريقيا بعد تم تعميرها بواسطة البيض واتمني ان يواصلوا المشوار وتلك هي اخطاء الرعيل الاول واليوم نجني ثمار ونتعايش مع الاستعمار الوطني والغريبة رحل عننا ولم يقل بانه فعل وفعل من مشاريع وتعليم وصحة وادارة انظروا للحاصل اليوم ما ارحم استعمار الرجل الابيض من الاسود ليتك تعود


#668838 [عصمتووف]
0.00/5 (0 صوت)

05-18-2013 09:58 PM
الشيخ يقرا في سره يا ايها الكافرون


#668797 [المتحسر]
0.00/5 (0 صوت)

05-18-2013 08:38 PM
دحين الصوره دى ماناقصه المرغنى?


#668720 [mansour]
0.00/5 (0 صوت)

05-18-2013 06:29 PM
لو عرفنا اليوم البتجمعوا فيو ديل الفي الصوره الواحد كان تدرع ليه حزام ناسف وفجر نفسه وسط هولاء وهم سبب بلاء هذا الشعب


#668652 [JOHN]
0.00/5 (0 صوت)

05-18-2013 05:10 PM
اللـه ينصر دينك يا دكتور بادي.....

باللـه دا دكتور وأبو العفين دكتور؟؟؟؟؟؟؟

باللـه دا دكتور ورئيس البرلمان المنافق دكتور؟؟؟؟؟؟؟

باللـه دا دكتور ووالي الخرطوم المحوص دكتور؟؟؟؟؟؟؟

اللهم لا تؤاخذنا بما فعل هؤلاء السفهاء.......

اللهم مكّنا منهم، يا قوي ياعزيز......


#668600 [مقرسم]
0.00/5 (0 صوت)

05-18-2013 04:26 PM
حقو كل الفى الصوره يكبو فيهم بنزين ويولعوا فيهم


#668233 [أبو الكدس]
0.00/5 (0 صوت)

05-18-2013 10:54 AM
لا داعي لإضاعة الوقت السودان بشكله القديم سيؤول الوضع فيه لنفس الكوارث التي نعيشها اليوم لا بد من سودان جديد


#668185 [ابونازك البطحاني المغترب جبر]
0.00/5 (0 صوت)

05-18-2013 10:18 AM
صورة تجمع اباطرة وعباقرة واساطين الشر فيك يابلادي الحبيبة ، واحلى حاجة قاعدين بدعو الشيطان يسهل ليهم الظلم والفساد بإسم الدين ، حليلك ياسودان وحليل ناسك لقد اضاعوك وافسدوك ودمروك وقسموك ولازالوا يطمعوا في المزيد .
اللهم ندعوك ان تزيل هذه العصابة من بلدي الغبشه وتنصر الجبهة الثورية لاقتلاعهم ، وان شاء الله سيأتي اليوم الذي سوف يحاكمكم فيه الشعب وياله من يوم، وقريب ان شاء الله قولوا آمين .


#668151 [ابو هبة]
3.00/5 (2 صوت)

05-18-2013 09:42 AM
الفاتحة على روح السودان......انا للة وانا اليه راجعون....


#668143 [lawlawa]
0.00/5 (0 صوت)

05-18-2013 09:36 AM
احد بني تراب يصرح بان الجيش السوداني من اقوى الجيوش في العالم ..؟؟..دون ان يسأل نفسه: اين قاتل هذا الجيش..؟؟


#668126 [اورباب]
0.00/5 (0 صوت)

05-18-2013 09:18 AM
الاهى بركرة الله الفاتحة التتشال قيكن ياولاد الكلب


#668108 [osama dai elnaiem]
0.00/5 (0 صوت)

05-18-2013 08:50 AM
لك التحية د. عمر بادي واسمح لي ان اضيف ان الديمقراطية صناعة مثل الراديو والتلفزيون والسيارة والموبايل كل البشر ( تلقف ) استعمالها بما فيهم الحاكم السوداني الا ان الة الديمقراطية تنزع منه السلطان بعد اجل فلذا يهاجمها او يحورها او يحاول ايجاد بديل لها في مسخه المعدل لفهم الشوري والاخيرة اصلا نبتة صغيرة للديمقراطية الغربية كما نفهمها اليوم الا ان عهود الامويون والعباسيون ووراثة الابناء جعلت من الشوري اليوم فهما ينحصر فيما يريده الحاكم وتوقف نموها عن بلوغ مرحلتها الطبيعية وهي الديمقرطية كما نشاهدها اليوم--- اذا حصرنا انفسنا في السودان نجد ان الديمقراطية لا تتاتي الا بمزيد منها كما قال المحجوب والتعثر في نمو الديمقراطية جاء نتيجة استقواء الاحزاب - الامة- الشيوعيون والاشتراكيون-- الاخوان المسلمون-- جميعهم بنخب عسكرية رات ان الحكم جاءها كما ( ليلة القدر) فلا تفريط فيه وسعت بكل الوسائل لايقاف درس الديمقراطية عند صفحة الشوري( الدرس الاول) كما فهمهم فقط اي ان تلد ذات الرجل مرات ومرات!


#667975 [سوداني]
0.00/5 (0 صوت)

05-18-2013 01:50 AM
د. بادي ... والله العظيم انك بهذا المقال ... لو كان حكام السودان قرأوه جيدا ... لما ترددوا في ارجاع السلطة للشعب ... هذا اذا كان لديهم صوت عقل حقيقي ... ربع قرن من الزمان أثبت بأن البندقية لاتحل مشكل ... شكراً د. بادي ...



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة