الأخبار
أخبار إقليمية
التنمية بحد السيف (3): “الأرض… والعِرض”
التنمية بحد السيف (3): “الأرض… والعِرض”
التنمية بحد السيف (3): “الأرض… والعِرض”


05-19-2013 08:14 AM
الناس يدركون جيدا مصالحهم واحتياجاتهم، ويعرفون ماذا يريدون. وأي قوة، مهما تسلحت بالقدرة على ذبح الإنسان بدم بارد، لا تستطيع خنق صوت احتجاجاتهم على سلب حقوقهم

د.الشفيع خضر سعيد

جوهر ما تناولناه في الجزئين السابقين من هذا المقال، يتلخص في أن هدف وغاية التنمية هو تلبية الحاجات الأساسية للمواطنين، وأن هذا الهدف هو المقدمة الضرورية، والشرط الذي لا بد منه، لتحقيق التنمية المستدامة في البلاد ككل، وهو البوصلة الهادية لتنفيذ كل المشاريع والبرامج التنموية في كل أنحاء الوطن، من طرق وكباري وسدود ومشاريع زراعية وصناعية وخدمية…الخ، وتوفير كل ذلك من شأنه أن يؤدي إلى إدارة عقلانية للموارد الاقتصادية والبشرية، وصولا لتحقيق مبدأ التوزيع العادل للموارد والثروة، والذي، هو ومبدأ المشاركة العادلة في السلطة، يمثلان المدخل الوحيد لحل الأزمات والتوترات وتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي في البلد. وما دام هدف التنمية هو تلبية حاجات المواطن، فمن المفترض، بداهة، أن يتم مشاورة الناس أصحاب المصلحة في تحديد هذه الأولويات، وتوسيع المشاركة الشعبية في عملية صنع القرار الخاص بالمشاريع التنموية، وأن تخضع السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لمزيد من الدرس والتمحيص من خلال الحوار العام المفتوح، وأن يتم ضمان سهولة الحصول على المعلومات، وتوفر الشفافية في الصفقات الاقتصادية، وأن يتم تمكين الرقابة الشعبية في كل مراحل العملية التنموية، وإلى الكشف عن التجاوزات والممارسات المنحرفة ومحاربة الفساد.

الناس في السودان، يدركون جيدا مصالحهم واحتياجاتهم، ويعرفون ماذا يريدون. وأي قوة، مهما تسلحت بالقدرة على ذبح الإنسان بدم بارد، لا تستطيع خنق صوت احتجاجاتهم على سلب حقوقهم. وإذا كانت حكومة المؤتمر الوطني تريد أن تحقق مشاريع تنموية لتطوير حياة الناس، كما تدعي، فلا بد أن يكون هؤلاء الناس طرفا أساسيا ومشاركا فاعلا في اتخاذ القرارات التي تتعلق بمستقبل حياتهم على كوكب الأرض. ونقطة البداية هي طرح فكرة المشروع عليهم، والدخول معهم في حوار علني شفاف حول أهمية المشروع بالنسبة للتنمية في البلاد، وحول المقابل الذي ستجنيه المنطقة، وتوضيح كل جوانب المشروع لهم، بما في ذلك آثاره الجانبية السالبة وكيفية درئها أو التعويض المناسب عنها، برضاهم وقناعتهم، ثم الاستماع إلى اعتراضاتهم واحتجاجاتهم والاستعداد لمناقشتها، وصولا إلى تطوير آليات الاستفتاء الشعبي والمشاركة الفاعلة للجان المواطنين في المنطقة لمراقبة سير تنفيذ المشروع وتنفيذ اتفاق السلطات معهم. أما طريقة التعامل مع الشعب ككيان قاصر لا يعرف مصلحته، ولا بد من تأديبه حتى يفهم، هي طريقة معروفة ظلت تمارسها الديكتاتوريات على مر العصور، ونتيجتها دائما كارثية على التنمية، وهي في أغلب الأحيان تخفي أهدافا أخرى لا علاقة لها بتلبية حاجات الناس. وكما ذكرنا في المقال السابق، أصلا، لا يمكن أن تكون التنمية بالقوة وبحد السيف. وفي الحقيقة، كلما يتحدث قادة المؤتمر الوطني عن إنجازاتهم في تنفيذ مشاريع تنموية ضخمة في البلاد، منذ 30 يونيو 1989، وعن عزمهم تنفيذ مشاريع أخرى، كلما يتبادر إلى الذهن عدد من الأسئلة الهامة والمنطقية، منها:

- خلال ما يقرب من ربع قرن من سيطرة الإنقاذ على مقاليد البلاد، ظلت مؤشرات النمو في تراجع مستمر إلى درجات متدنية جداً وفي بعض الأحيان إلى درجة نموٍ سلبي. ومع تناقص الدخل من عائدات النفط، بعد انفصال الجنوب واستمرار توتر العلاقات مع دولته الوليدة، أصبحت البلاد على حافة انهيار اقتصادي شامل. وفي أساس الخراب الذي يعاني منه الاقتصاد الوطني، السياسات المنهجية للمتنفذين في السلطة وأتباعهم، التي عملت على اقتسام مصادر الثروة ونهبها، وتسخير مؤسسات الدولة الاقتصادية لخدمة مصالحها الأنانية والمباشرة. الأمر الذي آل إلى تمايز طبقي خطير، وإلى تدهور غير مسبوق في أوضاع الطبقات الشعبية والوسطى في المدينة وفي الريف، في العقدين الأخيرين بشكل كبير، وانزياح القسم الأكبر منهم إلى حالة الفقر والحاجة واللهاث وراء تأمين الحاجات الأساسية، لدرجة التسول، هاجراً الحياة السياسية والاهتمامات الثقافية والروحية. وأصبحت نسبة السودانيين الذين يعيشون تحت خط الفقر عالية جداً إذا قيست بالمعايير العالمية، ومقارنة بالحال قبل 30 يونيو 1989. كيف يمكن أن يفسر لنا قادة المؤتمر الوطني هذا الحال في ظل جعجعتهم المتواصلة حول إعجاز الإنقاذ التنموي؟

- كيف يمكن إقناعنا بأن الإنقاذ حريصة على نقل السودان إلى مستوى تنموي حضاري، ونحن نشهد كيف أنها أهملت، وعن عمد، مشاريع تنموية ضخمة في البلاد، حتى انهارت، مثل سكك حديد السودان، والخطوط الجوية السودانية، وصناعة النسيج، ومشروع الجزيرة، أكبر مشروع زراعي تحت إدارة واحدة في العالم؟

- تمسكت حكومة المؤتمر الوطني بتنفيذ استراتيجيتها لبناء السدود في السودان، رغم ما أنتجته هذه الاستراتيجية من صدامات دامية بين الحكومة والأهالي، أودت بحياة عدد من أبناء الوطن. ماذا تعني هذه الاستراتيجية، أو بالتحديد ماذا يعني حصاد المياه الذي تطرحه وحدة بناء السدود؟ هل هي توليد الكهرباء، محاربة الجفاف، التوسع في الزراعة..، أم هناك أشياء أخرى خفية؟ ما هي طبيعة التعاقدات مع الشركات التي ستقوم بتشييد السدود؟ كم ستزيد ديون البلاد ومتى سينتهي السداد؟ أيهما أكبر مساحة، الأراضي المستفيدة من بناء السد أو الأراضي المغمورة؟ كيف سيتم تسوية الخلاف حول التعويضات؟ أيهما يأتي أولا: إعادة التوطين أم بناء السد؟ هل الحكومة تعطي أي إعتبار لمسألة القلق الوجودي لسكان المنطقة المتأثرة ببناء السدود وخوفهم من زوال حضارتهم ومكان عيشهم وتراثهم؟ وإذا كانت الاجابة نعم، كيف سيتم التعامل مع هذا الجانب الحساس جدا، بالضرب والبطش وفرض الأمر بالقوة؟ هل تستمع الحكومة إلى الأصوات المعارضة من أبناء مناطق السدود والتي تقول: “سدود نهر النيل لا تعطينا كهرباء تساوي حجم التضحية”، و”إنهم يريدون طردنا.. ونشك بأنهم يريدون تحويل أراضينا لآخرين”، و” أن الغرض من سدود دال وكجبار والشريك ومروي، هو توفير حماية للسد العالي في مصر من الإطماء بجانب توطين بعض سكان مصر جنوبا، و”إن السدود على نهر النيل أحادية الفائدة، تنتج كهرباء بلا زراعة، لذلك يرفض السكان، وهم من المزارعين، هذه السدود، ويرون أنها تهجرهم، وفي الوقت نفسه لا توفر لهم الزراعة” و”أن بعض السدود لا يزيد الرقعة الزراعية بل يغمر ما هو موجود، وهو الأخصب والأجود” و”أن التعويضات ظالمة، من وافق على التهجير يعيش حياة صعبة وقاسية، ومن رفض التهجير ابتلعته المياه، هو وأراضيه”…. كل هذه التساؤلات والاعتراضات، وغيرها، تستوجب الإبانة والتوضيح بكل شفافية، إذا كانت الحكومة حريصة فعلا على التنمية ولصالح مواطنيها.

- منذ يومها الأول، والإنقاذ تملأ الدنيا ضجيجا حول الذود حتى الموت دفاعا عن الأرض والعِرض. ونحن هنا نتحدث عن الأرض، والتي ظلت قاسما مشتركا أعظما في كل الأزمات والتوترات والحروب التي تعيشها البلاد. فلماذا يستكثر المؤتمر الوطني على المواطنين، أهالي أم دوم نموذجا، دفاعهم عن أرضهم، واستعدادهم للذود عنها حتى الموت، ويعتبرهم مجرد مناهضين سياسيين، أو سذجا يندس وسطهم المعارضون؟ أعتقد أن سكان أي منطقة في السودان لن يعترضوا على اقتطاع جزء من أرضيهم لصالح المشروع العام لتنمية البلاد، إذا ما توفرت لديهم القناعة التامة بأن الحكومة فعلا تبحث عن المصلحة العامة وليس مصلحة هذه المجموعة أو تلك، أو مصلحة المستثمر الأجنبي على حساب المواطن ومقدرات البلاد. وأعتقد أن هذه القناعة يمكن توفرها عبر تحقيق جملة من العوامل، تشمل، وبصورة مجتمعة:

- الحكم الرشيد، وحرص السلطات القائمة على بسط مناخ الديمقراطية والحريات وإعلاء لغة الحوار والتشاور.

- الشفافية الكاملة، ومحاربة كل أوجه الفساد وشبهة المنفعة الخاصة.

- نشر الجدوى من قيام المشروع المعين، ومن ثم إعطاء الأولوية لأهالي المنطقة في الاستفادة من المشروع، وتعويضهم في حال تأثرهم بفقدان أراضيهم، تعويضا مناسبا ومرضيا لهم، برضاهم، وإيجاد البديل المناسب، وذلك حسب القوانين المعمول بها دوليا. بالنسبة للمناطق المتأثرة بالسود، دائما يتم التعويض على أطراف البحيرة أو مناطق أخرى متفق عليها شرط أن توجد بها مقومات حياة مناسبة قبل الشروع في بناء السد.

- الأخذ في الاعتبار، والتعامل العقلاني الديمقراطي مع، قضايا الهوية والانتماء والتشبث بأرض الأجداد، وما تثيره هذه القضايا من تأثيرات وتفاعلات خطيرة. لقد تحدثت تقارير صحفية كثيرة ومتنوعة عن أن كل من أتيحت له الفرصة لزيارة مواقع السدود، يلحظ علامات الرفض في شكل كتابات على جدران المنازل، ومنها رسم على حائط بندقية من طراز كلاشينكوف كتبت تحتها عبارة (دارفور 2)، في إشارة توحي بأن التوترات التي تحدث بين السكان والحكومة في الشمال بشأن إنشاء السدود على نهر النيل قد تفجر الأوضاع هناك على شاكلة الأوضاع في دارفور المضطربة منذ عام 2003. وتنسب هذه التقارير لعدد من قيادات الأهالي في المناطق المتأثرة بالسدود قولهم: “إننا على أتم استعداد لتقديم أرواحنا دفاعا عن حقنا المشروع في البقاء على أرضنا للحفاظ على إرثنا وتاريخنا وهويتنا ومعالمنا الأثرية والحضارية الفريدة”…. و (نواصل).

الميدان


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1971

التعليقات
#669895 [كاكا]
0.00/5 (0 صوت)

05-19-2013 08:44 PM
والله لن نستطيع محاربة الفساد فضح والمفسدين الا بوجود اعلام مرئ لان من يقرأ الراكوبة انا وانت وكلنا نعلم الفساد وليس من المنظق ان تقول لشخص اسمك فلا ن وهو اعلم منك باسمه لان وبكل بساطة ان يظهر هذا المسمي بناجي في أي اعلام مرئ ويقول هؤلاء المعارضة المرجفون يكيلون الاتهامات جزافا هؤلاء الخونة الطابور الخامس للاجندة الخارجية وطبعا اهلنا الخلابة سيكيلون لكم السب والدعاء من الله ان يخسف بكم الارض



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة