الأخبار
أخبار سياسية
ليبيا من الثائر القذافي إلى ملايين الثوار: المجاهدون والتناحر القبلي
ليبيا من الثائر القذافي إلى ملايين الثوار: المجاهدون والتناحر القبلي



05-21-2013 05:49 AM


نشأ وتربى جل الشعب الليبي خاصة جيل عهد حكم القذافي ولعقود من الزمن، بعقلية وعقيدة "الشعب السيد الحر" وهي الصورة التي كان يرسمها له العقيد معمر القذافي طيلة فترة حكمه، من خلال خطاباته وعن طريق دساتيره أو ما كان يسمى بالكتاب الأخضر، حيث كان ينص ويشرح الكتاب الأخضر على كثير من الرؤى والأقوال وردت بالكتاب الأخضر في شكل نصوص دستورية، اقل ما يقال عنها أنها هلوسات مثيرة للجدل ليس إلا. نذكر منها بعض الفقرات "السلطة والثروة بيد الشعب" أي للمواطن الليبي الحرية في الحكم والحق في الثروة و"شركاء لا أجراء" أي لا يمكن أن يعمل الليبي أجير بل هو شريك في الثروة و"الأرض لمالكها" بمعنى إذا حليت وسكنت مكان ما من الأرض الليبية فأنت مالكها، وغيرها حتى وصلت تلك الأقوال إلى "السيارة لمن يقودها" و"الطفل تربيه أمه" لا بل "الرجل ذكر والمرأة أنثى". كما أنشأ معمر القذافي مع بداية فترة حكمه ما كان يسمى باللجان الشعبية واللجان الثورية ذات السلطة المطلقة في التشريع، ومن خلال كل ذلك استطاع العقيد معمر القذافي أن يمزج بين الثورة والثروة والسلطة والحرية، فكانت تلك هي العوامل المؤثرة في نفسية المواطن الليبي حيث غرست وحبست في داخله وصارت معتقدا لديه.

لم يخرج الشعب الليبي طيلة فترة حكم العقيد الثائر معمر القذافي عن تلك الدائرة التي جعلت منه موسوعة لأفكار العقيد معمر القذافي، حيث نهل منها المواطن الليبي وأدمنها عليها حتى التخمة إذ كانت مثل الأفيون فتربى عليها وكبرت فيه، وهو يوظفها اليوم ويعتمدها كل من شارك في الثورة التي أطاحت بالعقيد معمر القذافي.

كان العقيد الثائر معمر القذافي، كما كان يصور شعبه على انه الشعب السيد الحر المتحرر من خلال أفكاره، كان يصور نفسه وفي نفس الوقت على انه القائد والثائر الأسطوري الأوحد الذي غير الحياة في ليبيا من خلال الثورة التي قام بها ضد الحكم الملكي المستبد حسب زعمه، وبذلك هو صاحب الفضل في خلاص الشعب الليبي من القبضة الملكية التي كانت تحكم ليبيا، وانه بعد ثورة العقيد معمر القذافي وخلال فترة حكمه عاش ويعيش الشعب الليبي حرا، والشعب هو السيد على الثروة والسلطة بفضل الثورة بحسب ما نص عليه الكتاب الأخضر في فكر القائد الثوري. ومن الطبيعي جدا أن لصاحب الفضل معمر القذافي كل الحق أن يتصرف في شؤون البلاد مثلما أراد، انطلاقا من ذلك فقد أقدم القائد الثائر القيام بعدة تصرفات وأراء غريبة أخرى حسب أهوائه ادخلها في حياة الليبيين منها مثلا، إقدامه على إلغاء التقويم الهجري واحل محله التقويم بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أصر على فرض بعض الأعياد الشاذة على الليبيين، منها عيد "الفاتح" الأول من شهر سبتمبر تاريخ الانقلاب الذي قام به على الحكم الملكي، من جهة أخرى أنكر سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث ادعى أن القرآن وحده هو شريعة المجتمع بدون السنة المفسرة للقرآن، وتدخل كل هذه التصرفات طبعا في كون أن العقيد هو الأصح لأنه ثوري والقائد الأسطوري.

كانت هذه هي المبادئ والأفكار والقيم الأساسية والتربية الثورية والأسس التي انتشرت ونشرها العقيد معمر القذافي في أوساط المجتمع الليبي، وبنا عليها وعلى ضوئها المجتمع الليبي، لكن في المقابل لا ننفي ولا نقول أن كل الشعب الليبي وبجميع أطيافه ومكوناته قد نهل بمعتقد وتربية العقيد معمر القذافي فقد ظلت تلك المبادئ والأفكار معقدة ومرفوضة تماما لدى البعض الأخر من أبناء الشعب الليبي وان كان بنسبة قليلة، حيث انشغلت فئة أو نسبة أخرى من أبناء المجتمع الليبي الرافضة لأفكار العقيد معمر القذافي، بالاهتمام والنهل من أفكار ومبادئ أخرى متعلقة بدرجة أساس بالجانب الديني وحتى العرقي خلقتها الظروف المحيطة والتضييق الذي كان يفرضه نظام العقيد معمر القذافي، فتكونت في شكل حركات معارضة لم يتردد نظام العقيد معمر القذافي في محاربتها ومتابعتها حيثما وجدت، ولو أن أماكن تواجدها كانت تتركز دائما في المدن الشرقية من ليبيا، كما كانت هناك فئة أخرى وهي عرقية، وكانت طبعا تنتشر وتعيش بالجنوب الليبي تعاني التهميش والتمييز خاصة بلون البشرة السوداء حيث كان ينظر لها على أنها فئة من العبيد وهذه حقيقة نؤكدها، وشاءت الصدف أن تكون هذه الفئة قبلية ذات أعراق وعروق مغروسة في ليبيا.

ليبيا في عهد القذافي كانت مقسمة إلى ثلاثة أقسام من الشعب والجهات.

• القسم الأول هو الجهة الغربية وتبدأ من مدينة سرت مسقط راس العقيد القذافي إلى رأس جدير على الحدود التونسية.

• القسم الثاني الجهة الشرقية يبدأ من ما بعد مدينة سرت والى أقصى الشرق الليبي مدينة مسعد على الحدود مع جمهورية مصر.

•القسم الثالث هو الجهة الجنوبية وتبدأ من مدينة بني وليد إلى مدينة مرزق وسبها والكفرة، وهي طبعا جهة عبارة عن فئات قبلية حديثهم وميزتهم وأفكارهم قبلية محضة، ومن حيث المكان والمكانة والاهتمام.

كانت الجهة الغربية في عهد نظام العقيد الثائر هي المتميزة عن باقي المناطق الأخرى، حيث كانت ترى في نفسها الجهة الأقرب من النظام والأحق في كل شيء، بحكم أنها قريبة من منافذ القرار والسلطة والعاصمة طرابلس، ولذلك كانت تتغنى بالثورة وزعيمها الثائر معمر القذافي، وهي الأجواء التي كانت سببا في تشحين العلاقات بين أفراد المجتمع الليبي وميزت بين أفراده، حتى صنعت نوعا من العداوة الخفية داخل المجتمع الليبي وسادت الجهوية والتمييز بين الجنوب والشرق والغرب، ونظرا لتلك العوامل وتعامل النظام وقتها ومعاملته التي يمكن أن نقول كانت غير عادلة، كانت السبب في إفراز بعض الأفكار والسلوكيات في أوساط المجتمع وكانت السبب في تقسيمه وتشتيت فكاره.

الآن وبناء على ذلك ولتلك الأسباب، نجد أن ليبيا بين مفترق ثلاث طرق خاصة بعد ثورة 17 فبراير. طريق يبحث أصحابه على تجسيد أفكار ومبادئ ثورتهم وهي العيش الرغيد وتحويل ليبيا جنة على الأرض، كما يبحثون العيش بوصفهم ثوار وأبطال حرروا ليبيا، كما عاش العقيد الثائر معمر القذافي وهم طبعا بالملايين، الكل يريد فرض رأيه الخاص وله الحق وكل الحق لأنه ثوري وله أفكاره الثورية وأحقية الثائر في أن يعيش حرا وسيدا على العرش الذي حرره، على غرار ما كان يقوم به العقيد معمر القذافي تماما.

لا نندهش وليس غريبا إذا ما قامت أي مجموعة مسلحة من الثوار باقتحام أو محاصرة المباني الحكومية، أو السفارات المعتمدة في ليبيا في أي وقت من الأوقات، ولا نندهش أيضا قامت أي جهة أو مجموعة ما بإصدار بعض القرارات في أي وقت أخر، بل وحتى إصدار قرارات قد تكون شخصية "واردة عن شخص واحد شارك في الثورة "، وهو نفس التصرف الذي كان يقوم به العقيد معمر القذافي، لذلك وبهذا التصرف الهجين والغريب ستظل ليبيا تعاني مشكل الثوار، والمؤسف ليس لنفس الفترة التي حكمها القذافي، بل لأكثر من ذلك بعقود وربما لقرون، والمؤسف والغريب الأخر الذي لا يجب أن نندهش له هو إذا ما سمعنا أن شخصا واحدا من المتشدقين بالثورة قد يقتحم مبنى حكومي لإصدار قرار أو وثيقة ما والحجة انه ثوري.

قد تنتشر وتوجد هذه الفئة التي تؤمن بهذا المبدأ والفكر وبصفة أكثر على الناحية الغربية، خاصة وسط وضواحي العاصمة طرابلس، لأنها خليط من أطياف الشعب الليبي وهي جهة لا قبلية على غرار الجهة الجنوبية ولا ترغب أن تجعل من الدين دستورا لها على غرار الجهة الشرقية، حتى تعيش كما كانت تأمل على غرار الدول الأخرى المنفتحة والمتقدمة حسبها لأنها ترى في الدين قيدا، وهذا كان يحدث حتى في عهد القذافي إذ ترى الجهة الغربية في نفسها أنها أكثر انفتاح وتقدم على الجهات الأخرى.

و العكس ما تراه الجهة الشرقية المتشبعة ذات الأفكار الدينية المختلفة منها الفكر السلفي المتشدد والفكر الاخواني، لذلك نجدها أكثر الجهات التي تعيش الكثير من الحراك السياسي ذا الطابع الديني والحوادث المختلفة زادها طبعا دورها وسبقها في تفجير ثورة 17 فبراير، بحكم أنها الجهة التي كان ينتشر بها الفكر السلفي الجهادي وأكثر الجهات تصديرا واستيرادا للمجاهدين الذين قاتلوا في صفوف الأفغان وفي العراق وغيرها من الدول التي كانت مرتعا للإرهاب، كما أنها الجهة الأقرب إلى مصر التي صدرت الكثير من الفكر الاخواني بحكم الجوار والعلاقات الأسرية التي تربط الشرق الليبي بجمهورية مصر. لذلك ستعمل وتجتهد وتجاهد هذه الجهة على أن تلبس حلتها الحقيقية المتمثلة في العقيدة الدينية ولن تخرج عليها لتمزجها بطابعها الثوري أي تماما مثلما فعل العقيد معمر القذافي وهي تسعى تجسيدها بطريقة سلسة حتى لا تتهم أمام العالم بأنها فئة راديكالية متشددة تريد فرض أفكارها بالقوة.

أما الجهة الجنوبية ذات الغالبية القبلية فهي لا تزال تبحث عن نفسها وتسعى إلى رسم طريق لها تبرئ نفسها من تهمة تبعيتها لدول الجوار الإفريقية بحجة لون بشرتها، وهذا ما يحدث مع قبائل الزوي وقبائل التبو المتناحرة فيما بينها، والسبب تبادل هذا النوع من التهم، لذلك نجدها تسعى إلى توثيق التاريخ من خلال التأكيد على دورها ومشاركتها القوية في الثورة وتحرير ليبيا، وذلك طبعا لتعزيز مكانتها ووجودها داخل التراب الليبي. فكثيرا ما تناحرت بعض المجموعات المسلحة القبلية ولا تزال على الجهات الجنوبية من التراب الليبي مبرزة دورها البطولي.

هذا ما قد سيظل قائما بليبيا وأفيون الاضطرابات المؤدية إلى الخراب الذي لا نتمناه للشقيقة ليبيا.



خليفة فهيم

صحفي جزائري
ميدل ايست أونلاين


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 802

التعليقات
#672153 [ابراهيم كاوسا]
0.00/5 (0 صوت)

05-21-2013 05:36 PM
كما هو معرف الليبين والجهل .
اصبح ليبيا الان ساحة حرب دامية وسيظل الي عمد بعيد لان القبيلية ماذال يسطر علي عقول كافة الشعب .



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة