.::||[ آخر المشاركات ]||::.
ونسة مواطن [ الكاتب : عبد الباقى حمد محمد - آخر الردود : Dunya - عدد الردود : 3 - عدد المشاهدات : 4 ]       »     في عاصمتنا بص : 200 بص والجاز من محطة واحدة بس [ الكاتب : تجـــاني - آخر الردود : ذواليد سليمان مصطفى - عدد الردود : 4 - عدد المشاهدات : 265 ]       »     السبحة الإكترونية [ الكاتب : شذى الآهات - آخر الردود : جدو الحاج - عدد الردود : 1 - عدد المشاهدات : 19 ]       »     قصيده احلى من العصيده [ الكاتب : بدور بركات - آخر الردود : معروف محجوب - عدد الردود : 20 - عدد المشاهدات : 110 ]       »     مطارحة شعرية [ الكاتب : الصديق ابراهيم - آخر الردود : جدو الحاج - عدد الردود : 53 - عدد المشاهدات : 1492 ]       »     الراجل تامي راجل يطلع الشارع [ الكاتب : رادونا - آخر الردود : بنت الثورة - عدد الردود : 5 - عدد المشاهدات : 94 ]       »     أحقر الرجال علي وجه الأرض!!! [ الكاتب : مهيرة - آخر الردود : جدو الحاج - عدد الردود : 17 - عدد المشاهدات : 218 ]       »     العنقريباب سلام كبير ( اسرتي والكيبورد ) [ الكاتب : boadina - آخر الردود : جدو الحاج - عدد الردود : 10 - عدد المشاهدات : 86 ]       »     بصات الوالي مابين تعريفة الطلاب والمواطنين توجد وصورة وفيديو [ الكاتب : ذواليد سليمان مصطفى - آخر الردود : ذواليد سليمان مصطفى - عدد الردود : 7 - عدد المشاهدات : 85 ]       »     (مهزلة) أفتتاح سوبر ماركت انجاز جديد لدولة المؤتمر،،،،،، [ الكاتب : علي دفع الله - آخر الردود : بنت الثورة - عدد الردود : 21 - عدد المشاهدات : 139 ]       »    


إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 01-30-2012, 12:24 PM   #1 (permalink)
:: كـاتب نشـط ::
 
الصورة الرمزية محمد عبد الملك
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
رقم العضوية: 14
المشاركات: 102
افتراضي أحلام .. قمرٌ، بقرٌ، كلبٌ وغائط


7- فوق الأحمر .. تحت البنفسج

الله يقطع اللوبا العَفِن !
قلتُ في نفسي متأفِفاً ومحرجاً من أحلام الصغيرة التى ما انفكت ، كلما حزَب أمرٌ ، أيقظتنى ، سآءلتني وزرزرتني ثمّ أنطلقت جاريةً خارج غرفة نومنا ، غرفة الجالوص الوحيدة في بيتنا ، لتعود وتقف منشحطةً أمامي كالديدبان وقبضةُ يمناها مبسوطة في وجهي ممتلئةً بالتراب مغروز فيه ثلاث قشات ، أعرف ضمناً أنّ واحدة منها مبتلٌ أسفلها المدفون في ذلك التراب ، وكنتُ دائماً ، لسوء حظي ، ما أختار القشة اللينة فأوخذ بالجرم المشهود وقد كانت تلك هي طريقتها الحاسمة لوقف بيانات الإنكار والحلائف المغلظة منّا نحن ساكنى هذا البيت الجديب ، فبواحدة من تلك القشات تقصمُ ظهر المُنكِر، فلا يجد بداً من الاستسلام لتهمة أنه ، ولا أحدٌ سواهُ ، من عكّر صفو الأجواء الحالمة في أبهاء ذلك القبو المسمى غرفة . برطمتُ ، وكفُّ أحلام الصغيرة مبسوطة أمام عيني بالتحدي أن أسحب قشة ورفٌّ من الذباب يحطُ على مخاطٍ سائلٍ من أنفها ، سحبتُه بلسانها ، منتشيةً ، وقالت : الما بشيل قشّة . من الأرِض ينقشَّه .. برطمتُ : الله يقطع اللوبا العَفِن .
أذكر أنني حين دخلتُ البيت ، بعد ظهر هذا اليوم ، مرهقاً بعد واحدة من أخيَب طلعات البحث عن عمل ،وجدتُ أحلاماً ، زوجتي ، تضربُ بالمفراكة على راحة يدها اليمنى لتتذوّق طعم المُلاح الفائر، صحتُ ممتعضاً حين شممتُ الرائحة : لوبا ! تاني .. كل يوم لوبا ! لم تُجهد ، أحلام ، نفسها في الرد علىِّ .. سحبت حمالة فستانها اليسرى لأعلى ولمّت أطراف ثوبها بين فخذيها شبه العاريين ، وانخرطت تفرك بكلتا يديها وفقاقيع اللوبيا تتطاير وتنفجرُ في الهواء ، ثمّ رفعت رأسها نحوي و قالت ببرود : لوبا ! وإنتَ بتقدر تجيب شنو غير اللوبا .. أحمد ربّك . غاص صوتها عميقاً في كبدي كنصل . هكذا دأبها مُذ تحنظل طعم زواجنا غِبَّ اصطدام مكوك رومانسيتنا بمجرّة الواقع الخرشاء ، ثمّ ما كان من أمر فصلي عن العمل لصالح الدولة العام ، والصغيرة أحلام ، بعدُ ، في الرضاع ، وما نتج عن ذلك من بطالةٍ استطالت ولم أجد لها حلاً سوى أن أبيع قوة عملي باليومية فأصيبُ يوماً وأخيبُ أيام كما خبتُ هذا اليوم . أحمِد ربّك .. قالت . غمغمتُ وسكتُّ ثمَّ طعِمتُ بربور تلك اللوبيا في وقتٍ لا هو فطور ولا هو غداء ، طعِمتُ ونمتُ مخنوقاًً . نمتُ في كتمة ما بعد الواحدة ظهراًً ،والنوم ، كما تقول جدّتي نور الشام ، يجيب اللوم ، فماذا لو كان نوماً في أعقاب وجبة لوبيا عفِن ورحلة بحثٍ خائبة عن عمل ! نمتُ حتى أيقظتني الصغيرة أحلام باسطة ، إليَّ ، كفها بحفنة التراب والقشّات فيه منتصباتٍ كرؤوس صواريخ توشك أن تنقضَّ عليَّ فرفضتُ أن أسحب أية قشة من تلك القشات خشية أن يثبت عليَّ الجرم . انقلبتُ على يميني مولياً إياهنَّ ظهري ثمّ رحتُ ، متوتّراً ومستبطناً ، أرقبُ قناتي الهضمية من أعلاها إلي أدناها أترصَّدُ حركة الهواء في مصراني الغليظ ، كبير أخوانه ، تنسابُ بزوبعةٍ مزلزلةٍ فأتحفّز وأوشك أن أدخل يدي في جوفي لأوقف ذلك العبث المغيظ.. تتوثّب خلايا جسدي كلها فيجري الهواءُ محدثاً فرقعاتٍ مكتوماتٍ ما بين طرف المصران الأعور وأبظرّاط . خالتي ستنا بت حقَّ الله حين تضحك بعد وجبة لوبا عِفن تقول متشكيةً: أحَّيْ يا أبظرّاطي . أما أنا فأُغمغِمُ ، و لا أفتأ ، متظاهراً بالنوم : الله يقطع اللوبا العِفن . أغمغِمُ وألعنُ ، حيث لا مَلعَن، كل ما يخطر بالبال وأظنه متسبباً في هذه البانوراما التعيسة : لعنتُ حالي ومآلي ، لعنتُ شهادة الجامعة واليوم الذي دخلتها فيه.. لعنتُ الدولة ، ثمّ لعنتُ الحرَّ ، بالذات ، سيما وأنّ ظل راكوبة بيتنا صار من فرط سلت القشات وذاريات الريح ضحضاحاً لا يستظلّ به في هجير السافنا القائظ ، لعنتُ لعنتُ وبقيت على حالتي تلك أتقلّب وأدافع هُوج الرياح في قناتي الهضمية : أقبض أدناها فتندفع لأعلاها حتى أُزمُّ فينطبق حجابي الحاجز ورئتاي بحلقي فأعود لأقبضُ أعلاها فتنسابُ الرياح مهتاجةً لأدناها حتى أنني استطعتُ بصعوبة من استرداد أنفاسي الضائعة جراء ذلك اللهاث وتمكّنتُ أيضاً خلل تنهيدةٍ مكروبةٍ من دس فرمالتي : الله يقطع اللوبا العَفِن !
حين لم يكن بُدٌ من المدافعة نهضتُ وحملتُ الإبريق خارجاً للخلاء ، وذلك تفادياً للإختناق ، فالمرحاضُ لا تُطاقُ رائحته في كتمة ما بعد الواحدة ظهراً حيث تخرجُ أبخرة الأمونيا وروائحٌ ككبريتيد الهيدروجين تتصاعدُ حتى تضيق الأرضُ بجنادب أم قُرمبع فتخرج مهتاجةً تتسلّقك بينما أنت على قرفصاءٍ قلقةٍ جالسٌ بين ريحين يكاد ضغطهما يهصرك … لا ، لا ، قلتُ لنفسي ، لا بد من الخلاء فهو خيرٌ من الرفيق الفَسِل . الحرُّ شديد ، أي نعم ، وجدي جُبارة كثيراً ما كان يردد : خرية في ضُل ولا أكلة في حر.أي نعم . لكن المرحاض لا يُطاق . خرجتُ تتبعني الصغيرة أحلام باسطة راحة كفها مترنّمة بذلك اللحن المغيظ : الما بشيل قشة .. من الأرِضْ ينقشه . الما بشيل قشّة .. من الأرِضْ إنقّشَه . أسرعتُ الخطىَ مبتعداً أمشي متحفّزاً لكأنني الصاروخ يوشك أن ينقذف في الفضاء .. أمشي وصوتها يأتيني متقطّعاً : الما بشيل قشّه .. من الأرِضْ إنقْشّة .. الما بشيــ .. مشيتُ حتى أتيتُ الخلاء مما يلي بيوتنا : أدغالٌ متناثرة لا تستر من حر: شي كِتر ، شي سِدر ، شي طندُب وشي لعوت ، قصدتُ إحداها وهممتُ بالجلوس فسمعتُ خشخشةً .. انقبض قلبي ، نهضتُ مرعوباً ، قلتُ في نفسى : هنا تكثر سحالي الملجة الملساء الصغيرة يهيِّجها الحرُّ فتلج الدُّبر خلسة. عبد العاطي جارنا بقيت الملجة في بطنه عشرين عاماً تمخر مصرانه وهو يتلوى . ما خرجت ، مقطوعة الطاري ، ورهطها المتكاثر ، إلا بعد أن شرب سطل كيروسين حامٍ . هه .. ملجة ! جابت ليها ملجة كمان! واللهِ يا هو الفضَل ..هِي ناقصة!! غمغمتُ . نهضتُ ومشيتُ . ظللتُ أمشي ، أمشي والأرضُ تترى والبلدان وكذا الإنسان : شي زرقان ، شي بُيضان ، شي سودان ، ثمّ أفغان وتركمانستان وحمران ، أمشي وأدافع هواء بطنى فيدفعنى إلي مسيرٍ أغذُّ فيه الخطىَ وأمشي كأنني أطفو .. لو رآني أرخميدس لوجد ضالته بلا عنت ، فها أنا أمشي كمن يطفو ، كلما امتلأت بطني بفقاقيع اللوبيا خفّ وزني فأسير كمن يطير . الشجر يجري عكسي وكذا الأرض والسماء حتى انبسط أمامي ، فجأةً ، بساطٌ أحمر مهيب مشيتُ فيه بخطوٍ ليس خطوي وانتبهتُ إلي جُندٍ يصطفون على جانبيه يحملون آلات نفخٍ وسيوف وعلي صدورهم أوسمة ونياشين وعلي كتوفهم الدبابير والنجومُ تلمع.. سآءلتُ نفسي مستغرباً : الله ! دا شنو دا؟ فعُزف سلام ٌ جمهوريٌ ما . جاء أحدهم . ضربَ الأرضَ أمامي وحياني تحيةً عسكريةً ثمّ حمل عنى الإبريق بكل لطف . تبدّلت مشيتى غير مشيتي فمشيتُ مشيتُ حتى إنتهيتُ إلي منبرٍ أحمرٍ بمخمل وقطيفٍ وحريرصعدته فجاءت حاشيةُ تتوسّطها حسناءُ في بنفسجٍ غايةٍ في الجمال ، صاح آمر الجُند : قرقول سلام . فالتتقدّم صاحبة الجلالة ، الملكة أحلام . ضرب الجندُ على الأرض بإيقاع . تأبطوا أسلحتهم بأيامنهم وخطوا .. أياسرُ أيديهم تناظر أيامن أرجلهم في خطوٍ مموسقٍ تتقدمه الملكة . سلمّت عليَّ بترفّعٍ ملوكي وأخذتني لتفتيش قرقول الشرف . همستُ إليها : أحلام ! دا شنو دا .. أما كنتي تفركين اللوبيا هذا الظهر ؟ أحلام ؟ كأنها لم تفهم . ابتسمتْ . ثمّ أخذتني ومشينا، حذو القّذّةِ بالقُذّة ، مشينا على وقع خُطىَ الجُند وموسيقاهم : رَبْ رَبْ رَبْ رَبْ ، مشينا حتى انتهينا إلى مجلسٍ عامرٍ بالبنفسج وغاصِّ بالعبير : شي نمارق ، شي طنافس ، شي أرائك وبُسطٍ كعبقريٍ حِسان و..ألف ألف شمعدان . قلتُ محتاراً : أحلام .. دا شنو دا ؟ لم تجبني. وسعّت طيف إبتسامتها الغامضة وواجهتني بوجهٍ كالقمر يطلُّ فجأةً في ليلٍ ماحق. كان على أنفها الحاد زُمام وعلى شفتيها لمىً. أحلام دا شنو دا؟ عمّقت طيف الإبتسامة الغامضة ، وضعت يمناها على كتفي ويسراها على خصري فأنبعثت في الحال ، من وسط ذلك البنفسج البهيج ، موسيقى حالمة كأحدى مقدمات وردي . جذبتها لأسألها ، وأنا بين الأحمر والبنفسج أترنّح ويكادُ عقلي يذهب ، لمستني بصدرها فزادتني إرباكاً علي إرباك . النهدُ الذي ضغط على صدري كان صلباً وثاباً غير ذاك الذي ترهّل والخصرُ أضيق ، يميني ترتاحُ فوق رابية كفلها العالية وعطرها يُدوّخ يُدوِّخ يُدوِّخ : شي صندلية ، شي سُرّتيه ،شئ دِلكة ، شي فلوردامور ، شي خُمرة . غابت رائحة اللوبيا وغابت القشَّات وحتى البنفسجُ غاب ، أخذتها في حضني أكثر وأنفاسنا تتمازج ، حاولتُ أن أقولَ شيئاً فخرجتْ منى لغلغةٌ لا تبين ، رفعتُ ، برفقٍ ، وجهها بإبهامي واستلمتُ القمر، كل القمر، الشفه السفلى تهيأتْ ونداءُها يخلع وكذا العينان الفاترتان. كأنّ كلابٌ فيَّ أخذت تنبح . حين أوشكت الشفاهُ تلتقي هاج مصراني الأعور ، فجأةً ، وماج أبظراطه. فقفزتُ منها بعيداً كالمنخوس ِصحتُ في الجُند المصطفّين : الإبريق ! عايز أقطع الجمار . الإبريق وين ؟ وغمغمتُ : الله يقطع اللوبا العَفِن!
خرجتُ متحفّزاً ، أدافع هُوج الرياح في قناتي الهضمية ، أشدُّ أدناها فتندفعُ لأعلاها ، يتمايل الهواء في بطنى كأنه زئبق ، تركتُ الملكة أحلام حائرةً ومشيتُ متحفّزاً صوب أجمَةٍ في دُهمةٍ ظننتها الخلاء ، كنتُ كلما خطوتُ خطوةً هاج البنفسجُ فوقي والجندُ حولي وإمتد البساطُ الأحمر أمامي ، لكأنّ في قدميَّ رهطٌ من دود القزِّ دائبٌ ينتج الحرير فمشيتُ ومشيتُ حتى انقطع ذلك البساط فجأةً فوقفتُ في عماء لا يُرى فيه شئ ، ساءلتُ نفسي : هل هذه حافة الأرض ؟ سمعتُ خشخشةً فتذكّرتُ سحالي الملجة الملساء فجفلتُ ، ثمّ صوتاً: صوتَ أحلام ، ترفعُ في وجهي مفراكتها وتقول : لوبا ! وإنتَ بتقدر تجيب شنو غير اللوبا .. أحمد ربّك . هززتُ الإبريق الذي بيسراي للتوازن ومسحتُ وجهي بيمناي وأنا أترنّح . غابت المفراكة وأحلام زوجتي في لبِّ الظلام فأطلّ القمرُ في البنفسج المهتاج بطيف الإبتسامة الغامضة –ذاتها- فخيّل إليّ أنني سأسقط على قفاي ، باعدتُ بين رجليَّ كي أثبت ، كان البساط الاحمر ، خلفي ، ما زال ممتداً والإبريق في يدي والقمر الباسم يستدير فيخرج من استدارته كائنٌ صغيركنجمةٍ بعيدة بدأت معالمها تتضحُ رويداً رويداً حتى انبسط منها كفُّ بحفنةٍ من ترابٍ وقشَّاتٍ منتصبات . فسقطتُ من على حافة الأرض في ذاك العماء ، كان صوتها يأتيني متقطّعاً وأنا أتشبّثُ بحافة الأرض والأرضُ تدور..تدور، أتشبث فأخربش سطح الأرض ثم أهوي أهوي أهوي بعيييداً : أرحتُ مصراني ، فيما أنا أهوي ، بدويِّ هائل . المابشيل قشّة .. من الأرِض ينقشّه . هويتُ في ذلك الخواء وتمكّنتُ في الهاوية من أن أطفو ، لست أدري كم مرّ عليَّ من الوقت حتى رأيتُ ضوءاً على يساري فالتفتُ ، وأنا طافٍ ، فرايتُ القمرَ في سُحب البنفسج ، ذاتها ، وقد تسوّرته كلابٌ ضخمة كالحواشي ،صحتُ فيها غضباناً : جّر..جَر، فكشّرت في وجهي وزمجرت فتغاضيت ، عنها ، بُرهةً ، ثم التفتُ خلسةً ، نحوها ، فهالني أن رأيتُ الكلاب-ذات الكلاب الحواشي- تأكل القمر، أفزعنى صوتُ أنيابها وهي تنهشه : كُرج كُرج كُرج ، فسبحتُ مبتعداً . كانت الأرضُ تبدو لي من بعيد كتلة إظلام غاصّةٍ بالروائح النتنة تتصاعدُ الأبخرة الفاسدة : شي أمونياك ، شي كبريتيد هيدروجين وشي جثث آدميين ، ولا جهةً أشيحُ إليها بوجهي . الوضع يبدو كمطرٍ معكوس : أصواتُ الأنين تأتيني كالصواعق ثم زعيقُ أبواقٍ وخطبٍ حماسيةٍ وحلائف مغلظة وهتاف ورشاشٌ من الدم يدسرُ وينبثق من سطح الأرض نوافير .. مطر معكوس ، وخلل ذلك أرواحٌ تصعدُ وجوغات من دعوات المظلومين صارخةً تضج بالعويل كبيت بكاء ، كدتُ أتبيّن فيها أصواتاً أعرفها ، ما شغلني عن ذلك سوى خريرٌ سمعته عن يميني فالتفّتُ فرأيتُ نهراً من اللبن دفّاقاً تتلاطمُ أمواجه ، قلت في نفسي فرحاً : هذا درب اللبانة .. هذه مجرّتنا ، وقفتُ أتأملها : على ضفتي نهر اللبن يصطفُ جنود –ذات الجنود – بخوذاتٍ وعصيً وكلاشنكوف ، يسدون الطريق على أطفالٍ رُضّع كالعناقيد يحبون صوب النهر وما هُم ببالغيه ، مددت بصري أعلى النهر فرأيتُ قطيعَ أبقارٍ تمشي بتوءدةٍ من ثقل أثداءها والحليبُ ينسكبُ فوّاراً في مجرّة اللبن تلك ، كأن قوىً جبّارةً لامرئية تحلبه ، ثمّ أنني نظرتُ أسفل نهر المجرّة ، فرأيتُ الكلاب – ذات الكلاب الحواشي – وقد تركت القمر هيكلاً نصفه مقضوم وتحوّلت منتشيةً تلغُّ وتشفط اللبن بصوتٍ غليظٍ مغيظ . نظرتُ إلى الجنود يشهرون الأسلحة وإلي الأطفال يحبون صوب اللبن ، إقتربتُ من آمر الجند ، وفي يدي الإبريق ، لمعتْ على صدره النياشين وعلى كتفيه الدبابير، إقتربتُ أطلبْ أن يفسح الجندُ للأطفال الطريق وقبل أن أنطق أشهر سلاحه في وجهي و صاح : قِف . إنتباااااه ... فهبّت لصوته ريحٌ نتنة كأنّ ملايين الجثث الميتة تسكنُ فاه ، قف .. إنتبااااااه .. قفلتُ أنفي وغمغمتُ : الله يقطع الصوت العفِن !
تفاديته .. مشيت بحذاء النهر . حاذى الأطفالُ الضفتين حبواً . ثار غبارٌ أحمر من تحتنا ومن فوقنا هطل البنفسجُ غماماً غمام . صار الأحمرُ والبنفسجُ يتمددان ويقتربان من بعضهما رويداً رويداً رويداً حتى تطابقا : قوسَ قزحٍ ثبت على الأرض .






التعديل الأخير تم بواسطة محمد عبد الملك ; 02-04-2012 الساعة 02:32 PM.
محمد عبد الملك غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-30-2012, 01:11 PM   #2 (permalink)
:: المشــرف العــام ::
 
الصورة الرمزية Nabil :: nabsho
 
تاريخ التسجيل: May 2010
رقم العضوية: 8
الدولة: Nederland
المشاركات: 2,500
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد عبد الملك مشاهدة المشاركة



قالت ببرود : لوبا ! وإنتَ بتقدر تجيب شنو غير اللوبا .. أحمد ربّك
زكرتني نكتة المسطول مع دجاجته عندما رفعها وخاطبها كل يوم بيض بيض
جبنه جبنه مافي
بس انت يامحمد بتشرقنا بكتاباتك الدسمة وتجعلنا نعيد القراءة دون ملل ولازلت عندي رأي لو كنت امتلك ناصية الكلمة مثلك ما توقفت ابد
لك تحياتي وحبي وتقديري
Nabil :: nabsho متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-30-2012, 04:17 PM   #3 (permalink)
:: كاتب مشارك ::
 
الصورة الرمزية Mansour
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
رقم العضوية: 4035
الدولة: Saudi Arabia
المشاركات: 96
Ah11

يا إلهي !!!
الآن أختلف مع أبو سامر كثيراً ..
الآن صار يعنيني الذي قد ضاع من عمري هباء وأنا أتسكع بعيداً عن مرايا وجنتيك ..
صار يعنيني أن قد فكرت برفع القلم وأسرق من لغتك حرفاً ..
أستاذي محمد بدأت أشك بأنك تقول للحرف (قم) فتركض ملايين الحروف لا تلوي في صفحتك على شيءٍ سوى أن تنصاع جذلى ترتع من بنات أفكارك وأولادها (تخلقُ) منها ملايين التركيبات الجديدة في لغة هي أم الموسيقى والإندهاش .
لا أكذبك القول ولا اخفي عليك حالة التوهان التي تعتريني في أزقة حواري متنك .. ما هذي قرية مرت بها أصابع (التخطيط) وتركتها تعثو بملتفات الأزقة تتوه الغريب عن الكلمة وتتآلف معها قاطني مدن الحروف ..

Mansour غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2012, 11:25 AM   #4 (permalink)
:: كـاتب نشـط ::
 
الصورة الرمزية محمد عبد الملك
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
رقم العضوية: 14
المشاركات: 102
افتراضي

تحياتي يا نبيل
أمس قرأتُ مداخلتك الرشيقة .. اضحكتنى جداً .. ضحكتُ وأنا راجع للبيت بعد يوم العمل . كنتُ في عجالة من أمري لأحكيها لزوجتي هند ، فهذه هي الطريقة الوحيدة التى تجعل من الضحك بصوت عالٍ أمراً معقولاً في هذا البلد المتحفّظ ، ومما زاد الأمر ضغثاً على إبالة أننى تذكرتُ ، وأنا في الطريق ، قصة أخرى ، والأشياء كما تعلم تستدعي بعضها ، القصة تقول أنّ مزارعاً عاد بعد يوم عمل شاق فجاءوه بالغداء: كسرة بي موية؛ لا تغلّت عليك ولا توسِّخ إيديك . جلس علي الأرض ومدّ يده للطعام قائلاً : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم . فظهر له الشيطانُ فجأةً . الشيطان شخصياً قال له : يا خوي هوي أكل أكلك . أنا عيني لي البيتزا والكافيار والفاهيتا ، البجيبنى لي الكسرة بالموية شنو !
ويا صديقي ... أنا ، دائماً ، شاكر تقريظك لما أكتب .. وأعتقد أنّ المودّة التى بيننا يمكن أن تخدش حس النقد . تفهمني .. اليس كذلك؟
لك مودتى وتقديري يا نبيل
محمد عبد الملك غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2012, 11:56 AM   #5 (permalink)
:: كـاتب نشـط ::
 
الصورة الرمزية محمد عبد الملك
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
رقم العضوية: 14
المشاركات: 102
افتراضي

عزيزي منصور
وعدتك ( قبل كدة مرّات ) بالعودة لنصك الجميل : الشرق ميلاد ورحيل . واخلفتك . لكننى ذهبتُ كثيراً هناك قرأتُ ولم يكن في الإمكان كتابة التعليق الذي أود .. سأعود .
وبعد ..
وضعتُ تعليقاً حول كتاباتك ومداخلاتك في بوست للأخ حسين : أصبع بدر ، سأضيفُ عليه هنا أنك تختزل الكتابة كثيراً ، ليس أقتصاداً في الحروف ، وإنما إبتساراً، إذا جاز التعبير، للفكرة أحياناً ، رغم أنّ الفكرة - فكرتك - تظلُّ تطلُّ من ثنايا الحروف مقموعةً .. ربما كان ذلك بدافعٍ من ضيق الوقت الذي يدهسنا جميعاً .. وهو هو ذات الدافع القابع وراء إخلافي وعدي إيّاك بالعودة لنص : الشرق ميلاد ورحيل . أقول هذا القول لإحساسي بأنّ في الإمكان ، إمكانك ، أفضل مما كان ويكون . تفهمني؟
يعني يا عزيزي منصور(بالمناسبة؛ ما في داعي ،أبداً،لكلمة "أستاذي" التي ذكرتها في مداخلتك أعلاه ) ما يتكشّف خلال كتاباتك يرفع سقف التوقّعات عالياً . وهو سقفٌ حقيقيُّ أنت تملكه تنبئ عنه أرائك النقدية المبثوثة هنا وكتاباتك الجمالية أيضاً . فلا تضن بما هو في مقدورك ( ما الحكمة في كونك بخيل و" حروفك " أرابيب النّدى ! كما غنى المغني) وأنا عزيزي منصور ونصوصي ، على تواضعها ، تنتظرُ قراءة من هم أمثالك ، بل ويشرّفني أن يعيدوا كتابتها بالطريقة المثلى بأفضل مما كتبته أنا . شايف كيف ؟
بعدين يا منصور ؛ لماذا أنت فقط " Mansour" ؟ عايزين ( الضمير راجع للقراء !) نعرفك كاملاً ونباهي بك .
شكراً يا منصور فهذا المنتدى يتشرّف بمن هم أمثالك .
شكراً
محمد عبد الملك غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2012, 12:39 PM   #6 (permalink)
كـاتب جديد
 
الصورة الرمزية الريح ادريس
 
تاريخ التسجيل: Jun 2011
رقم العضوية: 8349
المشاركات: 10
افتراضي

شكـــــرا" مطـــــــرا" يا استاذ عبد الملك علي هذه التصاوير القوس قزحية ....
بقول ليك بلغة الفيس بوك (لآيك) شديد

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلةنقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة


التعديل الأخير تم بواسطة الريح ادريس ; 01-31-2012 الساعة 05:41 PM.
الريح ادريس غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2012, 05:35 PM   #7 (permalink)
:: كاتب مشارك ::
 
الصورة الرمزية Mansour
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
رقم العضوية: 4035
الدولة: Saudi Arabia
المشاركات: 96
افتراضي

ومع كامل الإصـــــــرار (أُستاذي) محمد:
دعني أقف إحتراماً لوقفتك مع كلماتي وأفكاري
وأجيب عليك من الأخير أولاً:
لماذا أنا فقط Mansour ؟
هذا السؤال أجبت عليه في موضوعي (وللوفاء خيار الخيانة) ... أتمنى مرورك به ... وهنا أستعير منه هذين السطرين:

- الإسم لا يعنيني كثيراً، فهو لا يغير بخارطة الفرد شيئاً، ولا بكيمياء تفكيرنا نحــــوه ..
- والشـــخص؟ ألا يكفيك ما تكتشفينه منه أثناء التجول في غاباته مستعينة بالأسئلة – كبوصلة – والملاحظة كذلك؟

إنتهى ...

وثانياً لا أضنُ بشيءٍ ولا أبخل بقدر ما أهبك - كمتلقي - محفزاً لإستكمال خبايا الكلمات ورمزيات العطاء ..
صدقني عزيزي لا أحب الإسراف الوصفي بقدر ما اعشق تحميل الكلمة الواحدة فوق طاقتها لتنوء .. تجبرك للعودة ملايين المرات وكل مرة تكتشف باباً جديداً للكهف ..
كنت أقف طويلاً عند التشبيه الإستثنائي لعاطف خيري في قوله :
يا فرس ..
كل القبيلة تلجموا
يكسر قناعاتو ويفر ..
يسكن مع البدو في الخلاء ..
وما يرضى غير الريح تجادلو وتقنعوا ..!!

أتعرف؟ مفردة فرس هذه كانت محور نقاش لرحلة استمرت بنا من الخرطوم عبر مدني ثم سنار (مع المكوث)
هذي ببساطة محتوى الفكرة لا لإختزال الفكرة لضيق الوقت، فالشرق ميلاد ورحيل مثلاً كتبتها في خمس سنين وأنهيتها قسراً لأشارككم بها وللوفاء خيار الخيانة كتبتها فقط في ثلاثة أيام لأني كنت ذا جرحٍ ينضح ..

أشكر لك عمق الجلوس


التعديل الأخير تم بواسطة Mansour ; 01-31-2012 الساعة 07:24 PM.
Mansour غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-01-2012, 09:32 AM   #8 (permalink)
:: كـاتب نشـط ::
 
الصورة الرمزية محمد عبد الملك
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
رقم العضوية: 14
المشاركات: 102
افتراضي

عزيزي الريِّح إدريس
شكراً علي صبرك لقراءة النص . وأيضاً شاكر استحسانك . وسأشكر أكثر إن جئتَ بالنقد
شكري وتقديري

عزيزي منصور
كثيراً ما قلتُ أنّ الأسماء ، تكسب المنتديات طابعها ، كما أنّ الكتابة وهي التي أصبحت ضمن الوعي القانوني الحديث تدخل في حيّز ما يعرف بالملكية الفكرية ، هذه الكتابة يعرّف عنها الاسم كصفةٍ قانونية ... سأفتح هذا الباب في " وللوفاء خيار الخيانة .." سنلتقي هناك .
شكراً لك
محمد عبد الملك غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-01-2012, 09:51 AM   #9 (permalink)
:: كـاتب نشـط ::
 
الصورة الرمزية محمد عبد الملك
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
رقم العضوية: 14
المشاركات: 102
افتراضي

6- القمرُ يتدلىَ بأرجل كلب

القمرُ بدرٌ في تمامه ، لذا فقد كنتُ نشواناً . خرجتُ إلى ساحة البيت . الحوشُ فسيحٌ تتوسطه حنفية مياه عليها صبّة قائمة مبنية على هيئة مثلث و ممسوحة بالأسمنت تنتهي عند قاعدتها بحوضٍ مربعٍ قائم ينزلُ فيه الماء وقد غطته الطحالبُ الخضراء . الحنفية محلوجة ودائمة التنقيط رغم خرقة الكتان التي تربطها . غسلتُ يَدَيَّ بنقاط الماء النازلة على الحوض ثم تمشيّتُ في الحوش وأنا منتشياً بالهدوء والقمر التام . أشجارُ الفايكس ، البرازيليا ، دقن الباشا ،النيم والكافور الموزّعة بانتظامٍ بطول الحوش تلقي بظلالٍ أليفةٍ على الحديقة التي تعبق فيها روائح الياسمين والفُل والرياحين المسيّجة بشجيرات الحناء والأركويت بينما صباحُ الخير نائمٌ في أحواضه . قلتُ لنفسي: لو أنّ العودَ معي لجلستُ، على احدى المصاطب الموزّعة داخل الحديقة، أعزفُ وأغني تحت القمر التام، فأنا نشوانٌ نشوان. تذكّرتُ أنّ العودَ موجودٌ داخل غرفة أحلام فدخلتُ لأحضره فكان القمرُ هنالك أيضاً تام. دخلتُ فوجدتني داخلاً في زريبة بهائم يرتفعُ فيها الروَثُ تلالاً تلال، مشيتُ بين الأسرّة ذات الشراشف الأنيقة وبين التلال حذراً . كانت الأبقار ُ طليقةً هملاً داخل تلك الغرفةِ الزريبةِ العجيبة ، بعضها تمشي كأنها منوّمة ، بعضها تجلسُ طاويةً قائمتيها تحت هيكلها الضخم ، وكلها تجترُ مستغرَقةً في أشجان وذكريات السرْحَة .. ربما !!، فضلاتُ الأبقار تنتشرُ دوائراً دوائر ، بعضها ناشف وبعضها أخضراً حاراً إذا ما سهواً وطأته. في الجو تعبق رائحة البول ويتكاثف غاز النشادر . مشيتُ بحذرٍ حتى إذا ما اقتربتُ من احدى الأبقار التي عرفتُ حدساً أنّ اسمها زرزورة ، حاولتُ أن أتفاداها فأنا أعرف ُ أنها نطّاحة وعاجباها نفسها ، قلتُ أرشوها بالتحية : هْييَ .. زرزورة .. كـَلْ . لم تكترث بي . عفطت بأنفها الأخضر وشفتيها الغليظتين الملطختين بالمخاط وفجأةً تشتّحت وبالت بولاً ذا رغوة ٍ عاليةٍ فطفح البولُ يحملُ زبداً سرعان ما امتصته أرضيةُ الغرفةِ الزريبةِ العجيبة . ثمَّ أنّ زرزُورة أخرجت ريحاً و خارت : بووووّح . قفلتُ أنفي وأشحتُ فانتبهتُ إلى وجود مجموعة من الفتيات الجميلات .. جميلاتٌ كأنهنَّ حوريّاتٍ خرجن من الجنّة تواً ، عاليَهُنَّ ثيابُ ديباجٍ وسندسٍ ودمقس . تقف كل واحدةٍ منهن عند مؤخرة بقرة من أبقار تلك الغرفةِ الزريبة العجيبة وهي تحمل طستاً من الذهب الخالص ما أنْ تقرّبه من مؤخرة البقرة حتى ترفع الأخيرةُ ذيلها وتباعد ُ بين فخذيها ، ترخي مؤخرتها ثم تُسقطُ ، في كرمٍ فيّاض ٍ، برازاً أخضراً حاراً على الطست الذهبي بينما الحورية تمسحُ بيدها على فخذ البقرة فتجودُ هذه عليها بالفضلات تلو الفضلات حتى يمتلئ ماعونها المذهّب فتحمله على رأسها وتذهب .. شدّني المشهدُ وحيّرني . قلتُ ، مستغرَقاً وحزيناً ، لحوريةٍ حوراءَ مرّت أمامي تحمل فوق رأسها الروث : ليه كِدا ؟ قالتْ بشىءٍ من غنج : عِندنا لِـِيَاس . تثنّت ثم ضَحِكتْ بغنجٍ طاغٍ حتى وجدتُ نفسي أقاوم الانتصاب. تذكّرتُ العود والقمرَ التام . فمشيتُ إلى قعر الزريبة في ممرٍ منسّقٍ ترتفعُ على جانبيه تلال روث الأبقار ، مشيتُ حتى انتهى ذلك الممر عند ثلاجة ٍ ضخمةٍ ماركة كولدير ، فتحتها ودخلتُ فيها .. أبحث ُ عن العود ، كان القمرُ ، داخل الثلاجةِ أيضاً ، في تمام بدره ولا أثر لأية نجمة . القمرُ يبسط سلطانه على السماء بلا منازع . هنالك ، داخل الثلاجة ، رأيتُ أحلاماً تسبحُ في العرق وهي تـتــرُّ خيطاً قطنياً ، تشدّ طرفه بيدها بعد أن تثبّت طرفه الآخر على فخذها الذي سحبت الفستان عنه فبدا عارياً خلاباً . أشحتُ عن عريها المستفز حتى كاد باب الثلاجة يخبطني في وجهي . انتبهتُ إلى وجود زجاجة بيرة أبو جمل ماركة الفابريقة وزجاجة شري أبو كديس على بوابة الثلاجة. حملتُ الزجاجتين ، خرجتُ من الثلاجة وقلتُ : لا أحتاجُ العود . سوف أجلس على الحديقة وأشرب. في ساحة الحوش ، كما في الغرفة والزريبة والثلاجة ، كان القمر ُ مازال بدراً تاماً . وضعتُ الزجاجتين . جاءت زوجتي أحلام وفتحت الحنفية وغسلت شيئاً يشبه أم فِتفِت أو أُمّالبينة ، لستُ أدري. قلتُ ، نشواناً ، لنفسي : هذه مزّتي وفكّة ُ سكرتي . أحلام زوجتي ربما قالت شيئاً ... لم أستبنه. سمعتُ صوتاً أنثوياً بالخارج . خرجتُ من باب الحوش . كان الشارعُ مغسولاً بضياء القمر . وكانت هنالك الحوريّاتُ الجميلاتُ في ديباجٍ وسندسٍ و دمقسٍ منحنياتٍ يكنسن الأرضَ بجدٍ ونشاط . نظرتُ للتي تنحني أمامي، تكنسُ ، وقد أثارتني عجيزتـُها الباذخة وخصرها المحزوز ، قلتُ وأنا أقاوم الانتصاب : ليه كدا ؟ قالت بدلالٍ ثرٍّ وهي منحنية في وضعيةٍ أكثر إثارةً : بُكرة العيد . ثم استعدلت قامتها ، وضعت يديها عند خصرها حتى غطستا ، شدّت عودها وواجهتني بصدرٍ ناهدٍ يعلو ويهبط ، أزاحت خصلةً تحجبُ احدى عينيها فبدت رموشهما طويلةً وحادة ً تتقوّس التي منها في الأعلى لأعلى والتي في الأسفل لأسفل ، خطر لي ، وهي أمامي في ذلك البهاء المتحفّز، أنّ الله قد تريّث ملياً وهو يخلقُ هذا الجمال. زعزعني الخاطرُ فشرعتُ في الاستغفار، عندها بدا لي أنّ القمرَ يكثّف من شدة إضاءته حتى يكاد يكون شمساً باردة. نادت الحوريةُ الحوراءُ علي الحورية الشهية الواقفة قبالتي، نادتها بصوتٍ ناعم : أحلام ، فأحسستُ أنّ القمرَ يحوم ُ فوقي ، رفعتُ رأسي فهالني أنّ أري بالسماء أربعة أقمار : ثلاثةُ أقمار تدور باتساقٍ كاملٍ حول القمر الأول .. كانت الأقمار تدور وتدور وتدور ، ثم تقترب ُ وهي تدور . . تقتربُ .. تقتربُ . حتى إذا ما عمّ الضياءُ امتزجت جميعها في قمرٍ واحدٍ باهرٍ أخذ يدور حول نفسه ويدور ، ثم بدأ يستطيل ويتشكّل ُ سريعاً متحوّلاً إلي كائنٍ من رأسٍ وجسدٍ بيدين ورجلين ثم اكتسى الكائنُ بجبةٍ من الضياء وهو يدور . فجأة حطّ علي رأس الكائن القمري تاجٌ فعادت الأقمارُ الثلاثة الممتزجة ترصّعُ التاجَ وتتلألأ .. تتلألأ وهي تدور حوله وتدور . ثم رفع الكائن العجيب بيده اليمني عصاً صغيرة في طرفها نجمة فانبثقت من مقدّمتها نجومٌ صغيرةٌ تتلألأ وتدور حول العصا .. تدور وتدور . والكائن ُ العجيب يقتربُ مني . عادت الحورية الحوراءُ فزِعةً تصيح بالحورية الشهية الواقفة قبالتي : أحلااااام .. يا شيخة ما يللا. تذكّرتُ ، في تداخلٍ غريب ، أنّي تركتُ أحلاماً تقرفصُ ، خلل الدخان ، في جزء الثلاجة الأعلى تنضحُ بالعرق وهي مشتملة بشملة حرير حتى التقاء عنقها الباسق بحلمتي أذنيها ، تشمخُ بأنفها النبيل اتقاءَ الدخان المنبعث من حفرةٍ تحتها ، أو.. ربما رأيتها تترُّ خيطاً قطنياً علي أرخبيلِ فخذها العاري .. لستُ أدري . الكائنُ يقترب بأقماره الساطعة ونجومه المتلألئة حتى عمّ الكونَ ضياءٌ يعشي العيونَ فداخلني خوفٌ و ارتباك. وأنا في تلك الحالِ من الفزع سمعتُ الحورية الشهية الواقفة قبالتي تصرخُ مستغيثةً : وااااااي ..وووب علَىَ..سجمي! الليلة يا أبو مرووووّة . فهُرعتُ نحوها أسابق الكائن المدجّج بالأقمار والنجوم والعصا المتلألئة. أخذتـُها في حضني، صدرها الناهدُ يضغطُ على صدري وأنفاسنا تتمازج. كنا نحتمي بجسدَىْ بعضنا . الضياءُ يعشي الأبصار وأنا أقاومُ، في مكانٍ ما من جسدي، شيئاً كالإعصار، كالانفجار، لستُ أدري، والكائنُ المُضيء يزاحمنا الأنفاس. يقتربُ يقترب حتى اللحظة التي أوشك فيها على الانقضاض علينا بنوره، فجأةً أسقط العصا ذات النجمة من يده فبقّت لهبتها: بَقْ.. ثم شخَرَت كرَتينةٍ معطوبةٍ و... خبَت . ثم ، فجأةً ، تحوّل الكائنُ القمريُّ إلى كلبٍ هبط بقائمتيه الأماميتين وضوءه آخذٌ في التلاشي والأفول. حشر ذيله بين قائمتيه الخلفيتين وضوءه يخبو سريعاً سريعاً سرييييييعاً حتى عمّ الكونَ الظلام .
محمد عبد الملك غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-01-2012, 10:49 AM   #10 (permalink)
:: كاتب مشارك ::
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
رقم العضوية: 303
المشاركات: 30
افتراضي

يا محمد سلام يحمل شوق
كأني بأحلام قمرٌ بقرٌ كلبٌ وغائض لاول مرة !
بلقيس بنت الهدهاد بن شرحبيل...او بنت رماح بن كوش بن حام .. اذهلها ذاك الصرح الممرد من قوارير علي عرشها وظنت انها تمشي علي ماء فكشفت عن ساقيها ....... فكانت المفارقة .وفي تفاسير الاسرائليات " ان سليمان استمالت قلبه واراد ان يتزوجها فقيل له ان ساقيها كحافر الحمار وهي شعراء الساقين فاراد ان يتأكد من ذلك .
ياتري ما هي المسافة بين بلقيس وأحلام والأحلام اهي نفس المسافة التي تفصل مابين بلقيس الملكة التي بسطت عرشها علي الداني والقاصي ولم يرهبها الا سيدنا سليمان بقوة الجيوش وليونة القلب ..
هكذا يُسلب لبي كلما اقرأ قصة بلقيس ملكة سبأ وكذا هذا الخيال الذي لا يفسح اي مسافة بينه والواقع المعاش وكذا التضاد الذي تحسه يتضاءل ليبقي محصورا بين مسافة ما فوق الاحمر وتحت البنفسج او مابين الاطفال والعساكر . " وأحلام " مثل احلامنا الكبيرة حين تصدم بفجاعة الواقع الذي نحي .. تتحول الي أحلام سرمدية صغيرة نبحث عنها مزابل القمامة وروائح وابخرة الكبريتيد النتنة وشيءٍ من خوذات وعصي وكلاشنكوف
هذه قراءة غلب عليها حنين الزمان والمكان بيننا .. اعد نفسي بقراءة متانية لما بين السطور
لك الود
تحياتي لهند وبكري وسمي جدو

احمد حميدة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-02-2012, 12:03 PM   #11 (permalink)
:: كـاتب نشـط ::
 
الصورة الرمزية محمد عبد الملك
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
رقم العضوية: 14
المشاركات: 102
افتراضي

عزيزي أحمد حميدة
ياخي واللهِ لو لم يكن لهذه الكتابة ميزة سوى أنها أتت بك لكفاها .. شايف كيف !
وبالمناسبة النص رقم (7) المعنوّن بـ : فوق الأحمر .. تحت البنفسج . كُتب في شهر يناير 2012 وليس قديماً ..هذه المجموعة تخضع ، دائماً ، للتنقيح والحذف والإضافة ( وتقنية الكتابة عندي أمرٌ لديك معلوم ) .
أنتظرك لقراءةٍ / فلفلةٍ أكثر تبصّراً .
تحياتي لآل بيتك ولك
محمد عبد الملك غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-06-2012, 02:05 PM   #12 (permalink)
:: كاتب مشارك ::
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
رقم العضوية: 303
المشاركات: 30
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد عبد الملك مشاهدة المشاركة
عزيزي أحمد حميدة
ياخي واللهِ لو لم يكن لهذه الكتابة ميزة سوى أنها أتت بك لكفاها .. شايف كيف !
وبالمناسبة النص رقم (7) المعنوّن بـ : فوق الأحمر .. تحت البنفسج . كُتب في شهر يناير 2012 وليس قديماً ..هذه المجموعة تخضع ، دائماً ، للتنقيح والحذف والإضافة ( وتقنية الكتابة عندي أمرٌ لديك معلوم ) .
أنتظرك لقراءةٍ / فلفلةٍ أكثر تبصّراً .
تحياتي لآل بيتك ولك
تعرف يا محمد وانا اتصفح في ارشيف بريدي الالكتروني وجدتني احتفظ ببوست كنت اكتبه في راكوبة ما قبل الطوفان تحت عنوان "هؤلاء جديرون بالتواصل" ومن ضمن مداخلاتك العجيبة
اقتباس:
ياخي إنتَ وينك ا أح ؟؟
جدارة التواصل دي بس تعلـّقا في سماء الأسافير وتذهب !
واللهِ مشتاقين حتى ونحن مزرودين - شفتَ كيف ؟
حا أجيك بالمهَلَة ذات الجناح والحبل الطويل البِقت لحسة كوع ( واللهِ يا أحمد المهَلَة دي بِقت لي زي الغول والعنقاء ، ما عارف ألقاها وين ؟ .. أحتاج يوماً مقداره خمسون ألف سنةٍ مما تعدّون - يعني لو لقيتو قُبّال يوم القيامة بكون حليت كل مشاكلي مع الزمن) ؤ بعد داك علي الكريم
لك الود ولآل بيتك الميامين .
شايف كيف !
علي ما اعتقد دا كان في عام 2006 ..مرت اكثر من خمس سنوات والمهلة بقت "اظرط " من الغول والعنقاء! "شفت كيف" حتي ظنيت اننا فعلا نحتاج ليوم ليس بيوم ولا مقداره مقدار علي راي مظفر النواب .
تصدق وبالفعل انا محق في ان النص الذي امامي جزء من المجموعة وليس النص الذي قرأته في السابق وياريت يا محمد لو ادرجته ... بعدين المسألة اختلطت عليّ اكثر فياتري هل هو ذات النص السابق وتم تنقيحه ام انه نص قائم بذاته ولكن ضمن المجموعة.؟؟؟
ثانيا : هذا يقع تحت التبويب (7) يعني ان هناك , 2,3,4,5 ,1 ثم يلي هذا النص اخر تحت التبويب (6) هذا يعني ان اي نص مستقل عن الاخر في فكرته وبناءه ؟ايضا الامر يحتاج الي ايضاح. انا الان اعيد قراءة فوق الاحمر...تحت البنفسج مع القمر يتدلي بارجل كلب وانتظر عودتك بعد المهلة ومعاك الاجزاء التي لم تنزل.
بعدين نستاذنك في نشر المجموعة مع صديقي علي حاج علي بصفحة "نسق"
ودي
احمد حميدة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-08-2012, 02:32 PM   #13 (permalink)
:: كـاتب نشـط ::
 
الصورة الرمزية محمد عبد الملك
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
رقم العضوية: 14
المشاركات: 102
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة احمد حميدة مشاهدة المشاركة
بعدين نستاذنك في نشر المجموعة مع صديقي علي حاج علي بصفحة "نسق"
ودي
عزيزي أحمد ..
سلام يحمل كلام يحمل موَدّة ( بأكثر مما غنىّ المغنّي .. )
ياخي إذنك معاك وإنت عارف كده .مع أكيد معزّتي للصديق علي حاج علي ولصفحة نسق علي الفيس بوك .. بلغه سلامي إن لقيته !
وبعد ..
في نوفمبر الماضي سافرتُ إلي البلد الظالم بعضُ أهله بعضَهم الغالب ، تعرفه !!! البلد الذي لو جبنا اسمه الهواء ....... ، ذهبتُ لفترة قصيرة جداً ووسط ملابساتٍ كثيرة متوقّعة ، بل ومؤكدة الحدوث لمن هو مثلي ، فقدتُ عدد إثنين فلاش ميموري يحتويان على الكثير من نصوصي /هذياناتي ..هذا النّص كان بإحداها وليس لي أية نسخةٍ أخرى من جميعها .. راسلتُ مجموعة أصدقاء علَّ أحدهم أن يكون ، من باب الأخوة فقط ، يحتفظُ لي بنسخة من أي نص ، الصديق علي حاج علي أبرّني بنص : تُم تُم علي ضوء القمر .ثمّ أني فتحتُ خشم بقرة الانترنت هذي علّنى أجد الرايحة .. ولدهشتي وجدتُ بعضاً من لوحات هذا النص في خشم البقرة تلك ، فقد قام أحدهم ، مشكوراً ، بإنزالها باسمه ( وأنا لستُ غاضباً . حاشا ، بل أنا ممتن لذلك الصنيع واللهِ ) وأظنني قد راسلتك أيضاً بذات الخصوص .. خلاصة الأمر تمّ تلتيق هذه النصوص من جاي لا جاي وها هي الآن مبذولة بين أيديكم لسببين : الأول لنقدكم ورؤية ما لم أره، وما أكثره . والثاني : للتوثيق في بطن هذه المصيبة المعلّقة بي سبيبة : الإنترنت . فمهما يكن مستواها ، فإنّ نصوصنا تؤرخ لمكابداتٍ مع البياضِ عانيناها ملاواة مع الفكرة تمخّضت عن كتاباتنا التي هي ، على تواضعها ، أكبادنا تمشي علي الورق وتطير عبر الأسافير . شايف كيف !
لك تحياتي وللعول الغُر الميامين
سأعود
محمد عبد الملك غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-16-2012, 11:37 AM   #14 (permalink)
:: كـاتب نشـط ::
 
الصورة الرمزية محمد عبد الملك
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
رقم العضوية: 14
المشاركات: 102
افتراضي

5- زهورٌ بلونٍ أخضرٍ مائلٍ للبياض

أركبُ بصاً سياحياً فاخراً، أظنُّ اسمه التيسير ، كنتُ متجهاً إلي مدينتي ، بعد غيابٍ طويل ، توقّف البص أمام احدى الاستراحات التي على الطريق ، نزل الركاب ونزلتُ. كان هنالك شخصٌ سمين ، بدا لي أنّ اسمه مصطفى ، كان يجلس جوار تلٍّ من التراب أمام الاستراحة .. ذهبتُ إليه ، كان التلُّ ، حينما وصلته ، غير موجود ، سلمتُ عليه.كان ساهماً ولم يرد، عندها سحبتُ بنطالي وسروالي الداخلي وجلستُ . جلستُ القرفصاء ، أي أم قلـَلـُو ، ضغطتُ عضلات بطني بشدة ثم نهضتُ وسحبتُ سروالي الداخلي ثم بنطالي ، مشيتُ حتى دخلت ُ الكافتيريا غير آبهٍ بالنظرات .. ثمّ مشيتُ في ممرٍ طويل ، كان هنالك شخصان يولياني ظهريهما وهما جالسان على مكتبٍ ، المكتب هو في ما أعتقد نهاية ذلك الممر الذي ليس هو سوى بهو ذلك المكتب أو الكافتيريا . لستُ أدري . عند وصولي إليهما اكتشفتُ أنّ الجالس على المكتب كانت امرأة وكان الجالس الثاني جندي على كتفيه الدبابير وعلى صدره النياشين .لم أعرف اسم المرأة رغم جمالها ، حتى ناداها منادٍ : يا أحلام ، فأجابت بصوتٍ ناعمٍ : نعم . سألتهما عن المرحاض وقلتُ: أريدُ أن أتطهّر. المرأة الجميلة أشارت لملحقٍ بالمكتب ، وقالت أنّ هذا الحمام مخصص للحريم، أي النساء، فضحك الجندي بصوتٍ عالٍ ثمّ انشطر، فجأةً حين نظرتُ إليه ، إلي جنديين يضحكان بعبثٍ مغيظ ٍ ويضرب أحدهما علي فخذ الآخر، ثمّ أخذ كل واحدٍ منهما ينشطرُ بمتوالية هندسية حتى إمتلأ الأفق جنودٌ يضربون أفخاذ بعضهم ويضحكون . عدتُ أدراجي على ذات الممر ، مشيتُ ومشيتُ حتى انتبهتُ على يميني لوجود مبنى كأنه تُكُل عواسة ، قدّرتُ أنه المرحاض ، دخلته . كانت هنالك حنفياتُ مياهٍ ماؤها يصبٌ من أعلى . دخلتُ فلم أستطع أن أغتسل . فجأةً تذكّرتُ البص السياحي الذي عليه أسافر فخرجتُ مسرعاً ومشيتُ فرأيتُ على يساري مصطبة قدّرتُ أنها أيضاً مرحاض ، وقد كانت. صعدتها فألفيتُ نفسي في وضعٍ يصلح ُ للفـِرجة .. كأني على خشبة مسرح . لم آبه ولم أهتم بالجمهور المندهش، سحبتُ بنطالي ثم سروالي الداخلي ، جلستُ أم قللو وأغتسلتُ. رفعتُ السروال ثم البنطال ونزلتُ من المصطبة فضجّ المسرحُ بالضحك والهتاف والتصفيق والصفير ولسببٍ لا أعرفه كان هنالك ، أيضاً ، تهليلٌ و تكبير . كأنّ الأمرَ لا يعنيني خرجتُ مسرعاً ومشيتُ على ذات الممر.. هذه المرة كان قد أصبح فسيحاً وبه مساران بينهما زهورٌ متفتحة بلونٍ أخضرٍ مائلٍ للبياض . كان الضياءُ باهراً نوعاً ما . وكان يمشي على المسار المعاكس لمساري شخصان أعرفهما : عمر و الطاهر ، حييتهما وحيياني . كانا جزلانين ينضحان بالحبور . ذهبتُ للبص فلم أجده . كان قد غادر . لم أنزعج . حاولتُ تذكر اسم البص . لم استطع . داخلني حدسٌ لم أدر كنه : أنّ هنالك بصاً آخراً فاخراً سيأتي ويأخذنا – كنتُ وحدي – للّحاق بذلك الذي عليه أسافر . ولم أكمل حدسي حتى وصلَ فركبتْ . سألوني عن التذكرة فأخرجتُ من جيبي أوراقاً كثيرةً ليس من بينها التذكرة ، تفهّموا مشكلتي التي لا أدري ما هي ولم يبدو عليهم الغضب أو الاستغراب.. لم يبدو عليهم أي تعبير ؛ كانوا مع الأغنية المنبعثة من جهاز التسجيل في شغلٍ يرقصون .نزلتُ على مبعدةٍ من مدينتي ومشيتُ راجلاً . كان الليلُ كثيفاً والظلامُ يلفُ المكان ، الأرضُ فسيحةً على مدخل المدينة وهنالك تلال. ثم مشيتُ بجانب خط السكة الحديد ، وعند ممرٍ ضيّقٍ قدّرتُ أنه بوابة المدينةِ كان هنالك ضوءٌ في بقعةٍ يتكاثفُ حولها الظلام ، الضوءُ مسلّط ٌعلى تلك البقعة . البقعةُ بها أطفالٌ يلعبون ، الأطفالُ ميّزتُ بينهم أبن أختي الصغير .. ، عندما رآني انصرف مسرعاً فعبرتهم ومشيتُ بمحاذاة جدولٍ امتدّ مكان خط السكة الحديد ، مشيتُ وأنا أحمل حقيبةً صغيرةً . ظهر لي أخي وتسالمنا بعاديةٍ خاليةٍ من الأشواق .حمل عني الحقيبة ومشينا . كنتُ أنظرُ جهة المنازل المبنية كلها من القش وأنا أبحث ُ عن منزل صديقي الذي أشتاقه كثيراً ، فظهرت معنا ، فجأة ً ، أحلام . سألتني عن الزواج ، وقبل أن أجيبها قالت أنّ أحلام تقول أنه في هذا الشهر ، هل هذا صحيح ، لم أنتبه لمغالطة أنّ أحلام هي التي تقولُ أنّ أحلامَ تقول. لم أجب لكنني أحسستُ أني قد جئتُ خصيصاً لهذا الأمر . لم أجب و.. مشينا حتى اقتربنا من بيتنا ، عندها قابلت ُ جارنا عبد العاطي في غطيطٍ وضجيج ٍ وهو يمشي نائماً .كان يغطُّ في نومٍ عميقٍ وهو يمشي . يشخرُ وهو يمشي. وقفتُ وقلتُ له: عبد العاطي .. تتفقدُ الرعيّة أم تبحثُ عن البقر ؟ ضحك وهو نائم وضحكتُ منه ببراءةٍ ثم واصل الشخير والغطيط و ..مشى . ذهبتُ وعبرتُ خط السكة الحديد الذي عاد لهيئته بعد أن كان جدولاً .قلتُ أذهبُ لمنزل أختي لأنني أحتاجُ للمرحاض كي أتغوّط لكنني ألفيته مغلقاً فوقفت مكاني وعملتها . ثم وجدتُ نفسي في غرفةٍ لا أعرف أن كانت دكان أحذيةٍ أم لا . كانت هنالك جارتنا الجميلة أحلام وكنتُ أقف قبالتها تفوحُ مني رائحة الغائط ومنها تفوحُ رائحة الكَـبـَريـْت : دِلكة ، خُمرة ، صندلية وفلوردامور. سألتها سؤالاً لا أذكره ففردت أمامي ثوبَ بولستر أبيض عليه روث أبقار أخضرٍ طازج.. قدّرتُ أنها قالت لي أنّ هذا هو الذي بيني وبين أحلام .لستُ أدري . كان هنالك جندي في زىٍ رسميٍ يقف على يميني متحفّزاً وأنا في مواجهة أحلام ، جارتنا الجميلة المكبرتة، والثوب الأبيض المُخْضَر ربما كان ملقىً على الأرض . لستُ متأكداً . رفع الجندي يده بطريقةٍ هتلرية فأنبثق من الأنحاء جنودٌ أعينهم معصوبة وأسلحتهم مصوّبةً تقودهم كلابٌ ضخمة أقرب في هيئتها للذئاب منها للحواشي ، تركض بجدٍ ونشاط.. تتشمم الهواء وهي تركض . كلما ما انبثق منها فوجٌ نبحَ ثم ركض. ظل المشهد في انبثاقٍ ونباحٍ وركضٍ حتى عمّ الأنحاءَ النِّباح !
محمد عبد الملك غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة




الساعة الآن 11:31 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2012, vBulletin Solutions, Inc.
SEO by vBSEO 3.6.0

منتديات الراكوبة السودانية، في الراكوبه ستجد السودان بمختلف مناطقه وعاداته وموروثاته خلال أقسام متعددة مثل المنتدى العام، العنقريب، الأغاني السودانية، المدائح ومنتدى التلاوة الذي يحتوي على تلاوة للشيوخ: صديق أحمد حمدون , عوض عمر , الفاتح محمد عثمان الزبير , محمد عبدالكريم , نورين محمد صديق , عبداللطيف العوض , صلاح الدين الطاهر سعد , الزين محمد أحمد الزين , وأحمد محمد طاهر. إلى جانب هذا هنالك منتدى مخصص للمدائح النبوية، هنالك المادح: الامين احمد قرشى وعلى الشاعر , الشيخ مصطفي محي الدين ابوكساوي , أولاد حاج الماحي , عبدالله محمد عثمان الحبر , اسماعيل محمد علي , السماني أحمد عالم , الجيلي الصافي , خالد محجوب (الصحافة) , علي المبارك , حاج التوم من الله , عبدالعزيز قورتي , ثنائي الصحوة , فيحاء محمد علي , الجيلى الشيخ , نبوية الملاك , عبدالعظيم الفاضل , عاصم الطيب , فرقة عقد الجلاد , سيف الجامعة , عثمان محمد علي , المدائح النبوية , فرقة الكوثر. علماً بأن المشاركات والآراء المنشورة في منتديات الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبها.