مقالات، وأعمدة، وآراء

رفض الامبريالية في القرن الـ19بين المهدية والإشتراكية العلمية

المنصور جعفر

كتب الأستاذ ثروت قاسم مقالاً ثرياً عن رسالة منسوبة لماركس، تجعل من انتصارات الثورة المهدية على حكم الخلافة الإسلامية العثمانية أساساً لاعتبار ماركس العلمي لدور التثوير الديني في ما سماه مقال ثروت “الثورة العالمية ضد الامبريالية” وهو تعبير يثير أسئلة. لكن بغض النظر عن التفاصيل فإن مقالة الأستاذ ثروت قاسم تقر بإمكان تثوير الدين ضد إمكانات استغلاله لتنويم الشعب أو لالهاءه عن انتزاع حقوقه.

اما إصطلاح “الامبريالية” فقديم لعله في لغة السياسة منذ سيطرة روما ولغتها، لكنه كان محرد وصف سطحي لتوسع بعض الممالك وتحولها إمبراطوريات فحتى عندما صدر “البيان الشيوعي” في فبراير 1848 لم يستعمل إصطلاح الإمبريالية بل تناول الفصل الأول من البيان الشيوعي عملية رسملة و “عولمة” الإنتاج والإستهلاك وتجريدها الإنسان من حريته وكرامته. فقط لذلك حتى سنة 1883 لم يكن مفهوم “الثورة العالمية ضد الإمبريالية” المزعوم بهذه الحرفية (أكرر بهذه الحرفية) قد ظهر في ما يزعمه الكاتب الأصل، لا في حقل دراسات العلوم السياسية ولا في آي تنظير ثوري مستند إليها،

بالضبط ارتبط تطور اصطلاح ومفهوم “الإمبريالية” وتحوله من حالة البلاغة إلى مجال العلم السياسي والإشتراكية العلمية والنضال الثوري لتحقيق حرية الكادحين والشعوب بحهد العّلامة الأستاذ الجامعي الإنجليزي التقدمي جون هوبسون John Hobsonn وذلك بكشفه الدراسي العلمي حالة الترابط بين قيام دولة بعملية الإستعمار ونموء المصالح التجارية المرتبطة بها.

وقد حقق العلامة هوبسون ذلك بستة من كتبه الكثيرة الغزيرة، واسماءها على التوالي:
1- “تطور الرأسمالية الحديثة” المُصدر سنة 1894،
2- “الرأسمالية والإمبريالية في جنوب إفريقيا” المصدر سنة 1900،
3- “الامبريالية، دراسة” المُصدر سنة 1902
4- “التجارة الدولية” المُصدر سنة 1904،
5- “انهيار الليبرالية” المصدر سنة 1909
ثم الكتاب السادس “علم الثروة” المُصدر سنة 1911.

كذلك نما إصطلاح “الامبريالية” سنة 1910 بواسطة النمساوي رودلف هيلفردينغ Rudolf Hilferding الذي كشف دور رأس المال المصرفي والبنوك في تمويل نشاط الإستعمار والشركات، وتوجيههما ثم أعقبه المنظر كارل كاوتسكي في سنة 1914 (أول الحرب العالمية الأولي) بنظرية “الإمبريالية العليا” أي الطور الامبراطوري للدول وفتح ذلك التوسع الإمبراطوري وتضخم النشاط الوطني معه المجال للنشاط الرأسمالي وزيادته، ثم في سنة 1916 ظهر كتاب لينين النجم “الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية” الذي لخص بشكل انتقادي كل النظريات السابقة محدداً نواقصها وشرح بالتفصيل والإحصاءات طبيعة الترابط العضوي بين نمو رأس المال وتوسع النشاط الإستعماري، كشكل له، بل وتحول أجهزة الدولة والاستعمار إلى ادارة موحدة لزيادة وتوسيع النشاط الرأسمالي على مستوى عالمي، في شكل يهدر حقوق الأمم والمجتمعات، ويواشج تنظيم امكانات الدولة الداخلية لخدمة هذا التوسع. وبهذه القراءة كشف الرفيق فلادمير لينين ان العملية الثورية تتحقق أيضاً في أضعف حلقات التطور الراسمالي حيث يعيق التفاوت والتناقض الشديد إمكانات التطور الإجتماعي. أي في الأرياف والبلدان التي تم إستعمارها.

وبعد نجاح الثورة الإشتراكية سنة 1917 التي قادها لينين في مدن وأرياف روسيا تبلور مفهوم “الثورة” ونشطت الثقافة الثورية ضد الإمبريالية، بداية منذ فترة نشاط إستالين في مسائل القومية والوطنية والأممية، حيث زاد وعي الحرية والإخاء والمساواة بالتنظير الاشتراكي العلمي وارتقى في اللينينية والاستالينية بمعالم وأهداف “الكفاح ضد الاستعمار” .

من هذه التطورات بدأ ظهور جديد لفهم “ارتباط الإستعمار مع الامبريالية” .

بدأ تشكل ملامح ذلك الفهم بنضال ثورة مجتمعات الصين منذ الثلاثينيات وإلى اليوم، وبالتهاب النضال في الهند وفي جنوب افريقيا وايرلندا، وفي مصر والجزائر الخ وبعموم تيار “التحرر الوطني”.

وبعد بداية تحقق الاستقلال السياسي لكثير من الدول، زاد انتشار وفهم الاصطلاح مرتفعاً بنضال أكاديمي رسخته “مدرسة (رفض) التبعية” منذ الخمسينيات إلى الالفينات وقد كشفت عن آليات التبعية والاستعمار الحديث، في نظم حكم تسمى وطنية لكن مزيتها اعادة انتاج التخلف والتبعية . وكشفت تلك المدرسة الحاجة إلى فك الارتباط حسب تنظير سمير أمين. بعدها إرتقى تناول إصطلاح “الإمبريالية” بمدرسة أكاديمية ثقافية معاصرة اسمها “النظم العالمية”.

في كل هذه التطورات الماركسية لم بكن لـ”المهدية” أثر عالمي عام أو ثوري في ظهور مفهوم “الثورة العالمية ضد الامبريالية” أو في فكرة امكان تثوير التدين او الأدب أو الفن، بل كانت لثورة مصر بقيادة البطل العميد أحمد عرابي قد نالت قصب السبق. حيث أفتتحت مصر مسألة الثورات الحديثة في إفريقيا ذلك العالم، ومن ثورتها، ومن ثورات المكسيك، ايرلندا، وهاييتي، وتخوم روسيا، التي نشط فيه التصور المثالي الديني في الحانبين الضد (المستعمر والمقاوم) تبلورت بعض أسس الفهم العلمي الحديث للثورات في المناطق المهمشة، وكذا قد يكون في السودان حسب الزعم الجميل في المقال.

كذلك لم تتغير طبيعة تخديم الطغاة للدين في تنويم طموحات الشعوب أو إلهاءها عن أزمات وحلول قضاياها، كذلك لم تتغير بفعل المهدية الإمكانات المعروفة في تاريخ المجتمعات للتخديم الثوري للدين أو للمنطق والفلسفة أو الأدب أو الفنون في عملية كسر لنظم الأنانية والاحتكار الرأسمالية الكينونة.

بشكل عام توفي ماركس في مارس 1883 وأرشيف كل رسائله موجود موثق منظوم ومفتوح ومن يدعي رسالة فيه ذات وضع خاص فعليه تقديم صورة منها أو من محفظتها، وهذا من دواعي قطع الشك بالبينة.

لكن بافتراض صحة هذا الكلام/المقالة فتنشأ ثلاث أسئلة:

1- هل معنى نشر هذا الكلام إن حزب الأمة (الصادق المهدي) قد اقتنع أخيراً بأن الشيوعية منذ 1883هي تحرير للفكر والمجتمع وللتدين من أغلال الاستغلال الطبقي وأسسه وآثاره السياسية؟

2- هل سينضم حزب الأمة للأحزاب الشيوعية في حربها الطويلة ضد الرأسمالية والإمبريالية؟

3- هل سيرتبط نهج “الوسطية” في محاولاته لحل المعضلات، بأسلوب ماركسي لينيني لحل أزمة الانفراد والاحتكار الإمبريالي في العالم؟

من الضرورة لسيادة الشعب واستقلاله من كل أساليب الاستغلال القيام بتنسيق الأعمال الوطنية ضد الامبريالية وكينونتيها الامتياز الطبقي والاستعمار الجديد، خاصة مع وضوح تناقضات الإمبريالية وتأزيمها لعناصر وعلاقات وبين المعيشة والاقتصاد والسياسة الدولية، بل وتخريبها أوزان البيئة، وتشاطها في اعتقال وتعذيب وحصار وغزو الشعارات والأساليب المعززة لحقوق الشعوب والدول.

القصد ألا يقتصر طرح هذا الموضوع على قيام مقال الاستاذ قاسم (وأحبابه) بتوكيد نزاهة نضال الشيوعيين ثم يستمر بعض أحباب الأمة الآخرين صفاً واحداً أو طابوراً خامساً مع أعداء الشيوعية، ضد الكادحين والمهمشين.

يراهم الناس علانية في الحروب الباردة والحروب النارية وفي حروب الفتنة يعمهون بسم الدين أو بسم الوسطية أو بسم الحلول السلمية، في تهميش مصالح الذين يتم إستغلالهم، وتهميشهم بسم الدين أو بسم الرزق أو بسم الممكن، أو بسم الوحدة والسلام.

بعدما لبثت المهدية فترة في كهف شبه الإقطاع والرأسمالية منذ العشرينيات فالمطلوب حاضراً لتصديق الجزء الموجب من المقالة القاسمية قيام المهدية بالتقدم خطوات لـ”سد الفرقة” أو أحسن منها ضد الرأسمالية وشبه الإقطاع، وضد الفكر والحكم الديني المبرر والحامي لهم.

المنصور جعفر

زر الذهاب إلى الأعلى