الوثبة الكبرى نحو الجبل، أو غارة الانتينوف الأخيرة

الأديب : أحمد الملك
بعد إنتهاء غارة الانتينوف، أنشغلنا بمساعدة الجرحى، ودفن الموتى، فقدنا ثلاثة أطفال وإمرأة واحدة ورجل مسن. نفقت بعض الحيوانات أيضا جراء الغارة. بعد الدفن جلسنا نبكي موتانا وشاركتنا السماء البكاء.لم يكن سهلا معرفة من هم ذوي الموتى، كنا نبكي جميعا بصوت واحد وقلب واحد وعيون واحدة. نصحنا العجوز المسن أن نكفكف دموعنا وأن نستعد لمواصلة السفر. لا يزال الجبل بعيدا، قال وهو ينادي على عدد من الشباب. ثم توجه بحديثه لهم: الطريق بات واضحا، لن نحتاج لخبير يعرف الدروب بعد الآن، أشار بيده فتوقف المطر ورأينا الجيل يبرز من خلف الرذاذ المختلط بألوان قوس قزح التي خلّفها إختلاط أشعة الشمس بالرذاذ: هاهو الجبل. سنحتاج لعزيمة الشباب. وأفكارهم الجديدة لنحمي أنفسنا بصورة أفضل حتى لا نخسر المزيد قبل أن نصل الى الجبل. هم من سيقودون المعركة حين نصل الجبل ونثّبت أقدامنا. هم من سيزلزلون عروش عدونا الهوائية.
جلسنا بعد صلاة العشاء، أحضر بعض الصبية أطباق العشاء. لم يكن شيخ النور يبدو سعيدا. قلت له وأنا أمد يدي الى طبق خبز القراصة: هل صدمت من خطاب الرئيس!
قال بحزن: صدمت من صدمة الناس التي كانت تتوقع النجدة من قاتلها! زي زول بيضبح فيك وتقول ليه انا عطشان اديني كباية موية!
قلت: الغرقان يتعلق بقشة!
صمت قليلا، دون أن يمد يده للطعام، كأنه اكتفى بأن نأكل نحن من حوله، ثم قال: الرجل لا يحمل ولا قشة واحدة. النظام لا يهمه أمرنا حتى يلقى لنا بالقش. أقصى ما يستطيع تقديمه لك، أن يساعدك على الموت بسرعة حتى لا تتعذب كثيرا. طلقة رصاص أو برميل متفجرات تلقيه فوق رأسك طائرة أنتينوف. هذا كل ما لديهم لنا. واذا تعذر القتل الرحيم يتركك تموت جوعا ومرضا ، موت بطئ، لكنك تموت ايضا في النهاية.
قلت: قال أحد المتنفذين الجدد في النظام: ان الخطاب كان معدا لمنسوبي حزب النظام وليس لعامة الشعب لذلك جاء محكما!
قال شيخ النور: عملت لفترة مع مؤسسة تبحث عن الآثار في هذه المنطقة. ولأنني كنت أقدم العمال كانت عندي خبرة طويلة في العمل. كان الخواجة يحترمني كثيرا، ويعتمد عليّ في البحث عن الاماكن التي يحتمل وجود آثار فيها. كانت وفود أجنبية كثيرة تزورنا لتفقد عملنا والاطلاع على آخر ما اكتشفت البعثة. كان الرجل يقدمني لهم بإعتباري أفضل من يعمل في البعثة كلها. وكان يقول أنه لولا خبرتي واخلاصي في العمل ما كان للبعثة ان تحقق اية إنجاز أو تكتشف أية شئ. كنت أشعر بالخجل من كلامه ومن تواضعه، في وقت كانت البعثة تضم أشخاصا قضوا عمرهم كله في البحث والدراسة. لكن هؤلاء الناس يحترمون كل انسان ما دام يجوّد عمله مهما كان مجال عمله بسيطا، فإنه مع مجموع الناس الآخرين يساهم في تجويد العمل وتطويره لي قدام للأفضل. من يصف الشعب بالجهل هو الجاهل. هو من يتشدق بالعلم الزائف. الانسان المثقف هو الذي يعرف كيف يتعامل مع من حوله، كيف يسهم في تغيير الحال الى الافضل. هؤلاء لم يسهموا الا في سقوط كل شئ. ودة يوضح ان ثقافتهم كاذبة. من يسعى لتغيير حياة الناس ويزعم لنفسه تفويضا إلهيا حتى وهو يدخل لقضاء حاجته، لا يمد يده ليسرق أموال الناس وأقدارهم. لا يمد يده ليقتل الآمنين، لا يعطل القوانين التي هي ثمرة عذابات الانسان ومعاناته طوال القرون في رحلة طموحه المضنية نحو العدالة . والغريب أن الأديان التي جاءت اصلا عشان تلبي رغبات الانسان في العدالة، يستخدمها صغار النفوس للتسلط على الناس. الدين اصبح دابة لصغار النفوس، من طلاب التسلط على العباد. من لم يجدوا (فرقة) مع الاسياد الذين تقدموا صفوفنا بعباءة الدين، جاءوا بخدعة جديدة: نحن نملك تفويضا إلهيا! وإدعاء العلم مع ان العلم لم يشهد انهيارا وتراجعا بمثل ما شهد في عهدهم المظلم. خريج جامعة لا يستطيع كتابة رسالة. الدين نفسه يقول أن العلم بحر بدون ساحل. وانك تصل اعلى مراتبه فقط لتتيقن من جهلك. العالم الحقيقي كلما توغل في علمه كلما اقتربت أنفه أكثر من الارض، كلما وعى انه لا يساوي شيئا في هذا الكون العظيم. فيزداد تواضعا. يزداد قربا من كل الناس، ولا يبحث عن تميز فارغ أو وجاهة زائفة. بعدين الزول الكلامه كله وثبات، تقول قعونجة دة برضه محسوب مع الناس بتاعين الخطابات المحكمة؟ والبقية: حرامية مال البترول، سماسرة الصفقات المشبوهة، المبيدات الفاسدة والتقاوي الفاسدة، سماسرة التعليم والصحة. سماسرة الأراضي، ديل برضو دايرين خطابات محكمة؟ مش ديل هم اعضاء حزب النظام ولا انا غلطان؟ بعدين انت سرقت السلطة وكمان تعاير الناس السرقتها منهم بجهلهم! والجابرك ايه يا فاهم يا متعلم تضيع وقتك الغالى في حكم ناس جاهلين زينا!
تلفت حولي حذرا وقلت: التعليم ذاته عملو ليه ثورة!
ضحك شيخ النور وقال: انا القدامك المشيت بس الكتّاب دة، قبل كم يوم جوا أولاد هنا بعضهم بيقروا في الجامعة والحكمة واحد منهم بيقرأ طب! شايلين ليهم دواء واحد رسله لوالدته من السعودية، روشتة الدواء بالانجليزي مافي واحد فيهم قادر يقرأ ويفهم الدواء دة بيستعملوه كيف. واحد قال ليهم كدة ادوا الورقة دي شيخ النور يمكن يعرفها. ضحك البقية، لكن الولد اصر على احضارها لي، لدهشتهم قريتها ليهم وشرحت ليهم الدوا بيستعملوه كيف وشرحت للولد البيقرا طب: صايد افكت يعني شنو!
أهم ديل ناس ثورة التعليم بتاعتك. بعدين الداير يعمل ثورة تعليم ، بيشوف البلد دي يفتشها حتة حتة، محتاجة لي ايه، وين مشاريع التنمية، وين مشروع الجزيرة. محتاجين لتعليم في اي مجال: دي بلد زراعية محتاجة لزراعيين، لفنيين مهرة، نعمل ليهم معاهد ولا نفتح في كل حوش جامعة الاولاد يقروا في كلام خارم بارم، لا علم لا معمل، وفي النهاية اسم شهادات يعلقوها في البيوت ويطلعوا يسوقوا الركشات، لا في مشاريع تنمية يشتغلوا فيها ولا مصانع، المصنع الوحيد العملوه: مصنع سلاح! بدل مصانع الأسمدة والأدوية والملابس، عملوا مصنع سلاح! الناس تصنع للعمار وديل للقتل والخراب.
وفي النهاية ناس ثورة التعليم بتاعنك إتحولوا لثورة الركشة! كلهم سايقين ركشات. وبعد دة يجيك سمسار سياسة من اياهم يقول ليك الخطاب كان محكم! محكم بتاع فنيلتك!
ثم فجأة تراخى الزمن من حولنا. لم نعد نتبع الزمن كما كنا نفعل في البداية، بدا لي وكأنه هو الذي يتبعنا. الرذاذ الذي غلّف العالم يحمينا من غارات الانتينوف التي لا تستطيع شق طريقها حين يهطل المطر. الآن بإستطاعتنا أن نسير ليلا ونهارا. نتوقف فقط ليرتاح الأطفال قليلا ولنبحث عن شئ يصلح للأكل. والجبل القريب ينتصب شامخا وسط الرذاذ.
[url]www.ahmadalmalik.com[/url][email][email protected][/email]




****** الله عليك يا ود الملك و شيخ النور ****** متعك الله بالصحة و العافية *******
دى وين يا الاخو؟؟ شد حيلك
لقد تمكن شعب جبال النوبة من الاحتماء من القصف بالجبال او بمعسكرات اللجوء خارج السودان , ولكن اين وكيف يحتمى من الجوع ؟, فهاهى الارض التى كانت تزرع لتوفر الغذاء لمعظام سكان السودان هاهى ارض محروقة جرداء وارض اشباح خالية من البشر , العشرات من القرى , بل ومحليات باكملها هى فارغة تماما من السكان الان و ومنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر , حيث قضى على بعضهم القصف الجوى والهجوم من مليشيات الدفاع الشعبى وقضى على الجزء الاخر الجوع والمرض و حيث قامت المليشيات الحكومية بتدمير مصادر االمياه النقية وتولويثها من اجبر المواطنين على الاعتماد على مصادر مياه غير صالحة وغير كافية ايضا مما ادى الي انتشار الامراض حتى فى معسكرات النزوح و ومع مخاوف وكالات الاغاثة الكبرى وذات الامكانات واولها وكالات الامم المتحدة من خرق البروتوكولات السياسية , وما يسمى بسيادة السودان الوطنية وبالتالى امتناعهم عن تقديم المساعدات بالجو او بتجاهل حكومة السودان فان مواطنى جبال النوبة الان يواجهم خطرا داهما بالموت جوعا ومرضا , فى سياسة جديدة للمؤتمر الوطنى فى ابادة الشعوب المهمشة فى السودان
شكرا اخى احمد
تسلم كتابة رائعة وبسيطة ومعبرة وفي الصميم.
المصنع الوحيد العملوه: مصنع سلاح! بدل مصانع الأسمدة والأدوية والملابس!!!!!!!!!
لا حول ولا قوة الا بالله