ضـرورة النهضـة العربية وشـروطها

بسم الله الرحمن الرحيم
منتدى التواصل الشبابي العربي
ورقـة بعنـوان “ضـرورة النهضـة العربية وشـروطها” مُقـدمة ضـمن فعـاليات
النـدوة الـرابعـة: “شبـاب الأمّـة والمشـروع النـهضـوي العـربـي”
فندق الكومودور “بيـروت” 21 – 23 شبـاط/ فبـرايـر 2014

الـزبيـر محـمـد عـلـي *

مُقـدمة:
تُعانـي الأمـة العـربيـة اليـوم من آفـات تُكـبـل دورهـا الريـادي فـي البنـاء الحضـاري؛ تـلك الآفـات هـي: الاستبـداد، الجمـود، الانقسـام، الخلل التنـموي، غيـاب العـدالة الاجتـماعية، وفقـدان الاسـتقلال الذاتي في القـرار العـربي.
يحـدث كل هـذا في الوقـت الـذي تتمتـع فيه الأمة بإمكانات روحية وثـقافية، وإشراقـات حضارية تاريخية تُضـاف إلـى الإمكانـات الماديـة وضخامتـها، والوحـدة الجغـرافية وميـزاتـها.
هذه الآفات هي أعراض لأمراض قديمة ومُتجذرة في جسد الأمة، ولا يُرجى لها علاجٌ ولا لأمتنا نهضةٌ مالم تنظر إلى مكانها من التاريـخ، وتُدرك عـوامل النهوض التاريخي، وتضع يـدها على الأمـراض التي فتـكت بهذا النهـوض ومعالجتـها تطلعاً نحـو الانطـلاق إلى الأمـام في مسيـرة المستـقبـل.
هـذه الورقـة مُساهمة مُتـواضعة في الوعي بالصعود الحضاري التاريخي للأمة والأمراض التي اعترته، والتعريـف بمفهـوم النهضة وتبيان أهميتها وضـرورتها لـدى الأمة، وبيان مرجعيتـها الفكـرية وشـروطها اللازمة تأسيساً على مشروع يلتزم الإحاطة في قراءة شخصية الإنسان، ويستـوعب في داخله الإشراقات الفكرية لتيارات الأمة المُختـلفة طمعاً في تجاوز الاستقطـاب الفكري، ورغبة في استمالة كتـلة حرجة من قـوى الأمة لدعمه. إنها محـاولة في سبيـل تـقديـم قليـلٍ مـن الوعـي فـي مسيـرة الأمـة وهي تتلمس بوادر النهـوض تطـلعاً نحـو القيـام بـدور قيـادي كبيـر فـي مسيـرة الحضـارة الإنسانية.
خلفيـة تـاريـخيـة
لم تعـرف البيئة العربية قبل ظهور الإسلام الحضارة بمفهومها العميق وإن احتضنت في أرضها بمقاييس اليوم حضارتي وادي النيـل والفرات. وقُبيـل ظهـور الإسلام كـان العالم المعمـور تقتسمه حضارتـان لكل واحدةٍ منهما ثقافتها وتاريخها ودولتها الممتدة: الإمبراطورية الرومانـية، والإمبراطورية الفارسية. هاتان الإمبراطـوريتان بلغتـا شأوا عظيـماً لم تبلغه الإنسـانية قبـلهما.
لقـد كان للعـرب قبـل الإسـلام حضـارات متناثرة ولكنها لم تكن ذات تأثـير عالمي كرصيفتيها الرومانـية والفارسـية، لذلك شكَـل مجيء الإسـلام النقلة الحضـارية الكُبـرى في تاريخ العـرب إذ أضاف إليهم ثلاثة معـانٍ جـديـدة:
* الخـروج من إطـار القبيـلة إلى رحـاب الأمـة. مـن الانـغلاق في المحـلية إلى الانطـلاق نـحـو العالمية.
* القفـز مـن مرحـلة ضعـف السيـادة إلى مـركب القيـادة.
* عبـور ظـلمات الجـاهـلية إلى نـور الحضـارة.
لقـد صـار العـرب بعـد الـرسالة رسُـل حضـارة، ودُعـاة رُقي وتمدن ما أهلهم لحمل مشاعل العلم والفكر إلـى الإنسانية قروناً طوالاً، ولفت انتباه العالم وإثارة دهشته، قاذفين باسمهم إلى الأمام في مسرح التاريخ صانـعين لأنفسهم بيـن العالميـن مجـداً ذائـع الصيـت لايـزال صـداه يتـردد حتى يـومنا هـذا.
بيـد أن الحضـارة العـربية الإسلامية كغيـرها مـن الحضـارات مُعـرضَة للضعف والجمـود ولكنها مُفارقة للحضـارات الأخـرى بحصـنها المنـيع مـن الذوبـان:
أولاً: لأن العـربية هي لغة رسالة عالمية تحوز رأس مالٍ اجتماعياً كبيراً في أركان الدنيا الأربعة. ومهما احتفظ المسلمـون مـن غيـر العـرب بلغاتهم الإصـلية، إلا أنـهم مُحتـاجون للعـربية فـي فهم رسالتهم، وفي الالتـزام بالشعـائر العبـادية اليـومية.
ثانياً: تـاريخ الأمـة العـريض وأمجـادها يأبيا النـسيان.
ثالثاً: الوحـدة التي تجـمع شعـوب الأمـة في رقعة جغـرافية واحدة.
رابعاً: الإسـلام هـو الديـن الغـالب بيـن سكـان تلك المنطـقة، وحتـى المسيحـيون العـرب سـاهمـوا في بناء الحضارة العربية الإسلامية ويعتزون بانتمائهم لها.
هكذا تصير الأمة برصيدها الثقافي والتاريخي، وبمعينها الروحي والمعنوي عصية على الموت والذوبان وإن أصابها الضـعف والجمـود حيناً من الدهـر.
ويبقى السـؤال المركـزي المُلح هو: ما الذي أدى إلى تخلف الأمة عن سـفينة الـركب الحضـاري بعد أن كان العـرب ربانها؟
هنـالك ستـة عـوامل قـادت إلى هـذا التخلف:
– الاستـبداد السـياسي الـذي شـكَل الفتـرة الأطـول في تـاريـخ الأمة.
– الجمـود المعـرفي الـذي كان ثـمرة مُـرة لسيـادة مبـدأ التقليـد.
– تحجـيم دور العقل البـرهـاني والشـك في جـدوى منـطقه.
– غيـاب العـدالة الاجتـماعية.
– حِـدة الصـراع على السـلُطة.
– التفرق المذهبي والطائفي.
هـذه العـوامل التي تـراكمت عبـر العصـور عصـفت بإشـراقـات الأمـة الحضـارية ونهـضـتها، وأدخلتـها في حـالة أشـبه بالغيبـوبة ما مهـد الطـريق ابتـداءاً أمـام التـتار والمغول أن يغزوا الأمـة، ثم تـلاه بعد قرون الغـزو الأكبـر على يـد الوحـش الاستـعماري الغـربي الـذي ابتـلع أراضـي الأمـة، ونهب ثرواتها، ومزق وحـدتها.
لـم تـقف الأمـة مكتـوفة الأيدي أمام هذا الخطر الذي هدد وجودها، بل هبت بذور مقاومة في شتى البلدان العـربية تحت رايـات قـومية وإسـلامية تُطالب بجلاء الاستعمار وتُبشَر ببديل يعكس هوية الأمة وذاتيتها.
وبعـد جلاء الاستـعمار ورثـت السـلطة في البلـدان العـربية أنظـمة حكـم وطنـية ملكية وجمهـورية، وفـي الحالتـين ماهـت سلطـان الاحتـلال الأجنبي جوهـراً وشكلاً بتغييبها لإرادة الشعـوب، وحـرمانها الكـرامة، والحـرية، والعـدالة. وإدارة شـؤونها بأسـلوبٍ خـالٍ مـن المشـاركة، والمسـاءلة، والشـفافية، وسـيادة حـكم القانـون فاستـحقت أن تُـوصف بمسمى الاحتـلال الـداخلي.
لكـل ذلك صـارت تضـاريـس الـواقـع العـربي قبـل الثـورات العـربـية مُطـابـقة للمقـولـة الشعبـية الرائجة ” اتفق العرب على ألا يتفقوا”!، اللهم إلا في اللغة والثقافة والتاريخ والوجـدان الشعبي المُشترك، والشيء الوحيـد الذي اتفقوا عليه هو تشـكيل تحالف غيـر مكتـوب بشـأن تعميم نسخة من تـراث الاستبـداد العربي الذي يُعلي من شأن حفظ الأمن والنظام على كافة الاعتـبارات، مع استحـداث بعض الأنظمة لـوسائل قمع بوليسـية مستـمدة من التـراث الفاشستـي والسـتاليني تحت رايـات قـومية وإشتـراكية وإسـلامية.
أما المجـالات الأخـرى فليـس هنالك أي تعاون بصددها: ليس هنالك تكامل اقتصادي عربي، ولا منظومة دفاعية عربية، ولا تنسيق مشترك حول السياسة الخارجية، وحتى قضية فلسطين التي كانت تُوحد العرب انقسـم العـرب حـول كيفية التعـاطي معها، وإسـرائيل عـدو الأمة الأول صـارت حبيبة لدى بعـض الدول العـربية.
وكـانـت الثـورات العـربية التي انـفجـرت في تـونس، ومصـر، وليـبـيا، واليـمـن تـطـلع مـشـروع يُـمـثـل وجـدان الشعـوب ورغـبتها فـي وضـع حـد لتـراث الاسـتـبـداد العـربي تـطـلعاً نـحـو بـلـوغ قيَـم الكـرامـة والعـزة والحـرية والعـدالة والمساواة والرخاء الاقتصادي، وتطلعاً نحو التحـرر أيضاً من الهيمنة الدولية.
حققت الثـورات العـربية هـدفهـا الأول وهـو عزل الحكـام من منصـة الحكـم ولكنهـا فشـلت فـي تحصـين نفسـها من الثـورة المُضـادة، وفشـلت أيضـاً في إيجـاد القيادة البديـلة الواعيـة والبـرنامـج البديـل الواعـي.
ومهما يكـن فإنها أكـدت على ثـلاثة معـانٍ مهـمة:
* وحـدة وجـدان الشعـوب العـربية ورغبتها في التحـرر من الاحتلال الداخلي.
* قـدرة الشعـوب العـربية على فـرض إرادتها مُنهيةً عهـد الاستسلام لإرادة الطُـغاة.
* أن التحـول العـربي نـحو بلـوغ الحكم الراشـد والعـدالة الاجتماعية مهـما طال عليه الليل سيبزغ فجره.
إن تيارات الأمة في هـذا الظـرف التـاريخي الحـرج مُطـالبة أكثـر مـن أي وقـتٍ مضـى بالالتـفاف حـول مشـروع نهضوي شامل ينظر إلى الإنسان نظرة مُحيطة، ويستوعب إشراقات المدارس الفكرية في العالم العـربي لكي:
– تسـتعيد الأمة حيـويتها وريادتها بين الأمـم، وتحتل موقـعها القيـادي مـن دورة التـاريخ.
– لكي يتـحرر العقل العـربي من آفتي التقـليـد والاستـلاب تـطلعاً نحـو بلـوغ الاستـقلال الحضـاري الـذي يستـوعب النـافع من الماضي، والـوافـد مـن الخارج بإرادة ذاتـية وفـق أقلمة ثـقافية مُحكمة.
– لكي تقطع الأمة صلتها بتراث الاستبداد الذي جثـم على صـدرها حيناً مـن الدهـر، والاستـبداد على حـد وصـف زهيـر مبارك يُمثـل “أعلى مـراتب النـفي الـذاتي للشعـوب”1 وبالتـالي فهو مُعيق للتقدم، و”يساوي الجمـود بجميع صوره الفكرية والإبداعية والإنتاجية” ولذلك تبرز الحاجة لتجاوز هذا التراث تطلعاً نحو قيـام أنظمة سياسية مُتحـررة مـن الوصاية الفـردية، أو العشائرية، أو الحزبية، أو الطبقية. أنظمة قوامها: المُشـاركة، والمُسـاءلة، والشـفافية، وسيـادة حكم القانـون.
– لكي ينعم العالم العربي بالأمن والاستقـرار، ويقـذف بالـدولة البوليسية إلى مـذبلة التـاريخ، ويصـل إلى معـادلة تقصـر دور الجيـش في حـماية الـوطـن مـن الاعتـداءات الخـارجية، وحماية الشرعية الدستورية دون الانـزلاق إلـى المسـرح السيـاسي.
ويُمكـن للعالم العـربي أن يتجه بعد ذلك إلى تطـوير الدفاعـات العـربية والتنـسيق بين الدول المختلفة لبناء دفـاع عـربي مُشتـرك. إن مـن شأن ذلك أن يُغير مجـريات الأوضـاع في المنـطقة ويقـود إمـا لحل عـادل للقضـية الفلسطـينية، أو تـوسيع المقـاومة حتى استـرداد المطـالب المشـروعة.
– لكي تتجـاوز الأمـة محنـة الانقسـام الـراهـن باستـقطاب كتلة حرجة من قوى الأمة لدعم هذا المشروع.
– لكي تقـطع عهـدها بمنظـومة الفساد وتحـويل ميـزانياته لصالح بناء التنمية والعـدالة في توزيعها، ولكي تنـقل مجتمعاتنا من مـربع الاستهلاك إلى الإنتاج. ولكي نصل إلى قيـام تكامل اقتصادي عربي يضع حـداً للفـوارق بيـن الدول العربية الغنية والدول الفقيرة. “ويمكنها أيضاً عن طريق التضامن بين عـدد كبير من دول العالم الثالث أن تخلـق منبراً مسموع الصوت يطالب بإصلاح النظـام الاقتصادي والتجـاري العالمي لصـالح الـدول المتخلفة”2 .
– لكـي تستعـيـد الأمـة دورهـا فـي التـقـدم العـلمي، فقـد كانت لها صـولات وجـولات فـي النبـوغ العـلمي والمعـرفي، وكان لها الفضـل فـي وضـع كثـيرٍ مـن الأسـس التي بُنيت عليـها المعرفة العلمية المُعاصرة. ويمكـن الانطـلاق مـن هـذا الـدافع للمساهمة في دائـرة المعـرفة العلمية في شتى مجالاتها.
– لكـي تنهـض بالمـرأة وتُعـزز دورهـا فـي الحيـاة العـامة لأن المجتـمع لايـطيـر بـجنـاحٍ واحـد، وتـمكَـن الشباب مـن احتـلال مكانتهم ودورهـم الريادي في بناء تقدم الأمة، ولكي تُحقق العدل الاجتماعي، وتسعى لإنصاف الشرائح المستضعفة، ورفع المظالم عـن المناطق المهمـشة. وتُخفف حـدة التفاوت الطبـقي عبـر استـعـادة الطبقـة الوسـطى، والقضـاء علـى ظاهـرتي الفـقـر والبطالـة. كـذلك التطـلع نحـو الوصول إلـى العـدل الإنساني فلا يظـلم الرجل المـرأة ولا يظلم البالغ الطـفل.
– لكـي تمتـع الأمـة بالاستـقلال الذاتي فـي القـرار العربي، وتتجاوز مرحلة الانقسام الراهن بين توصيف دول الممانعة والاعتدال وصولاً إلى قيام تنسيق عربي مُشترك في السياسة الخارجية. وأن يحصل تكامل مع جـارتي الأمـة تـركيا وإيـران، ومع الأشـقاء في أفـريقيا ودول العـالم الثالث عموماً لخلق منبر عالمي يضـغط فـي اتجاه الوصـول إلى نظام دولي أفضـل وأعـدل.
مـفهـوم النهـضـة:
النهضـة فـي اللغة مـن مصدر الفعـل نهـض أي قام، ومعناها: “مبارحة المكان والقيام منه، وتعني أيضاً: التجـدد والانبعاث بعـد تأخـرٍ وركـود”3 .
إن معـاني الكلمات تتعدد وتتطور ولكن المقصود بها هُنا التحول من مرحلة الانحطاط الحضاري العربي إلى آفـاق التقـدم والتجـدد عبـر مشـروع شـامل ومُحيـط فـي نظـرته للإنـسان. مشـروع يعتـمد الاستـقلال الحضـاري فـي البناء بصورةٍ تستـوعب النـافع من الماضي دون تقليد، والنـافع مـن الوافـد دون استلاب.
المـرجعـيـة الفـكـريـة
الرؤى النهضوية فـي العالم العـربي مُتنـوعة ولكـن هنـالك غياب تام لمشروع نهضوي يحظى بدعم كتلة حـرجة مـن قـوى الأمة، ومرجع ذلك تعدد المرجعيات الفكرية التي تعتمدها المدارس المختلفة في رؤيتها للنهـوض:
– فهنـالك قـوى تـرى أن النهضة يجب أن تقـوم على تقـليد الوافـد من الماضي، ولا يُمكن للأمة أن تـقـوم لها قيـامة مالـم تحـذو حذو السابقين حذو النعل بالنعل. إعادة تشكيل وعي الأمة لصالح مشروع ماضوي.
– وعلى النقيـض مـن هـذا هنالك قـوى أخـرى تـرى أن الخير كل الخير في تقليد الوافد من الخارج، وأن النهضـة في العالم العربي يجب أن تقتفي أثـر الحضارة الغربية/ المشروع الماركسي ولاتفارقه قيد أنملة. إعـادة تشكيل وعـي الأمـة لصالح مشـروع وافـد.
– وهنـالك قـوى تـرى أن النهضة تكمن فـي الالتفاف حـول مشروع قومي يطمح نحو الوصول إلى وحدة عـربية. إعـادة تشكيـل وعـي الأمـة على أسـاس قـومي.
– وقـوى أخـرى تتبنى مـفهـوم التجـديد فـي الفكـر الإسلامي مع استيعاب المقاصـد الحميـدة لإنتاج الآخـر الحضـاري. إعـادة تشـكيل وعـي الأمـة على أسـاس صحـوي.
إن المشـروع الفكـري المُلامـس لوجـدان الأمـة، والمـؤهل لمُخاطبة كـل هذه التيارات هو الذي ينظر إلى الإنسـان نظـرة مُحيـطة وشاملة. نظرة تستوعب حاجات الإنسان العشر: “الروحية، والخلقية، والمعرفية، والماديـة، والاجتـماعـية، والفنية، والعاطـفية، والبيئية، والرياضية، والتـرفيهية،”4 ويسعـى إلـى إشـباعها بصـورة متوازنة. ويُراعي في كل برامجه وسياساته هذه الحقيقة التي تنقل المجتمع العربي – بل المجتمع الإنسـاني- إلـى فضـاءات بعيـدة.
إنه المشـروع الـذي ينفتح على الرؤى النهضـوية فـي العـالم العـربي ليستوعب إشراقاتها الفكرية تجاوزاً للاستقطـاب الفكـري، ورغـبةً فـي استـمالة قـوى اجتـماعية كبـرى مـن فئـات الأمـة المختـلفة لـدعـمه.
مشـروع يستـوعب الإسـلام ويقـر بدوره في بنـاء الحضـارة، وفـي تحصـين الأخلاق، وفـي رفـد الفكـر، ويستـوعب قيمه ومبادئه في الاقتصـاد، والسياسة، والاجتـماع، والعلاقـات الدولية ويتـطلع لإيجـاد مُعادلة تعـايش بيـن الديـن والـدولة. بيـن المـرجعية الإسـلامية وحقـوق المـواطنة المتـساوية، والتعـددية الفكـرية والسياسية، وحقـوق الإنسـان، والوحـدة الوطـنية.
ويستـوعب القـومية العـربية القائمة على أسـاس الثـقافة، واللغة، والجـوار، والتاريخ ويسعى لتأطيرها في وعاء وحـدوي على ألا يتصادم ذلك مع الإسلام، ومع اللامركزية القطرية، ومع احترام ثقافة الآخر الذي يُساكن الشعـوب العـربية.
ويستوعب من الليبرالية الاعتراف بحقوق الإنسان، وحرياته الأساسية، ومبدأ الفصل بين السلطات، وآلية السـوق الحـر على ألا يتناقض ذلك مع الهـوية الثـقافية، ومع الضـمان الاجتـماعي للشـرائح الفقيـرة.
ويستـوعب مـن الاشتـراكية الإعـلاء مـن شـأن العـدالة الاجتـماعية، والتكافل الاجتماعي بصورةٍ تتجانس مـع الحـرية الاقتـصادية فـي الملكيـة والتنـافـس.
هـذه المـوجـهـات 5
تُمثـل البـوصلة الفكـرية للمشـروع النهضـوي الجامع الذي يعكس في داخله الإشراقات الفكرية للمدارس المُختلفة، ويُـرجى أن يحظـى بدعـم واسـع مـن التيارات الفكـرية فـي العـالم العـربي.
شـروط النـهـضـة:
لكـي تنهـض الأمـة وتستعـيد حيـويتها وريادتها بيـن الأمـم؛ فإن ذلك لـن يأتي خبط عشـواء، ولا بالأماني والأحـلام؛ وإنما باعتـماد المفاتيـح التـي بإمكانها فتـح بـوابة النهضـة الـواسعة وهـي:
المـفـتـاح الـروحـي:
لا يُـرجـي لنهضـة فـي عالمنا العـربي أن تتسـم بالعمـق والشمـول دون أن تُقيـم وزنـاً للعنصر الروحي. إن الحضـارات المتنـاثرة التي عـرفها العـرب قبـل الإسـلام فـي الجـزيـرة العـربية، والتـي كـان مسـرحها الأراضـي العـربيـة بمقـاييس اليوم مع انتمائها لأصـول غيـر عربية ? حضـارتي وادي النيـل والفرات- كان العنصـر الـروحي أسـاسياً فـي بنـائهـما.
وحتى الحضـارتـان اللتان اقتسمتا العـالم المعمـور قـبيـل ظهـور الإسـلام وجـاورتا العـرب ? الحضـارة الرومانية والفارسية- ارتبطتا بعقائد دينية: ارتبطت الفارسية بالزرادتشية، وارتبطت الحضارة الرومانية بالمسـيحية.
قـد يقـول قائل: ما علاقة النهضـة بالميـدان الروحي؟ إن الغـرب لم يبن نهضته إلا بعد أن ضرب صفحاً عن المسيحية؟ والحقيقة التي غابت عـن هـؤلاء أن:
* النهضة الأوروبية التي انطلقت من إيطاليا في القرن الخامس عشر كانت بتشجيع من الكنيسة. صحيح تخلصت النهضة الأوروبية في مـرحلة لاحقة من سلطـان الكنيسة وتبنت النهـج العلماني ولكن الانطلاقة الأولى كانت بـدعـم كنـسي.
* قيـاس النهضـة في العـالم العـربي على نهضة الغـرب التي تبنت لاحقاً نفي الغيبيات قيـاس فـاسد؛ لأن النهوض الحضاري الذي عرفه العالم العربي قبل قرون كان العامل الأساسي فيه الدين وليس إبعاده كما فعل الغـرب بالمسيحية، وبالتالي تصـبح قـراءة الـدين مـن خلال الواقع الأوروبي انتزاع لواقع وإسقاطه على واقـع آخـر مُختلف عنه اختـلافاً أسـاسياً.
* كيـف تـدعي نهضـة أنـها تُمثل تطلعات الأمـة وهـي تُـوجه ضـربة قاضية لوجـدانها؟
* الديـن يـروي العطش الروحي، ويُغـذي الضميـر الإنسـاني، ويمنـح التماسك الاجتـماعي، ويدعم البناء القيَـمي، ويُلهـم الحمـاس المعنـوي، ويـدفـع اليـأس التسـبيطي، ويُـؤنس التـوحـش الوجـدانـي. وكـل هــذه الأشيـاء لها أثـر كبيـر فـي استـقـرار الإنسـان وبنـاء النهـضـة؛ ولذلـك لـم تمنـع الـرفـاهيـة المـادية التـي حظـي بهـا الغـربيون الانتحـار لـدى بعـض الشبـاب، أو الانـدفـاع فـي تعـاطي الخمور والمُخدرات. ولم تستـطع تحسـين مستـوى الصحـة النفسـية لـدى المجـتـمع. والنتيجة أن ثـلـث ميـزانية نيـويـورك تـذهـب لمستشفيات الصـحة النفسـية.
إن القـراءة الواعية والمُحيطـة بـدقـائق الأمـور لايفـوتها إدراك قيمة العنصـر الـروحي في بناء النهضة.
* المـفـتـاح الأخـلاقـي:
مهما بـلغ مجتـمعٍ مـا شـأواً بعيـداً في التقـدم العـلميٍ، أو التـطـور الاقتصادي، أو عـرف القـوة العسكرية ولم يعـرف الأخلاق فلا يُرجى أن يستـقيم بنـاؤه الحضاري؛ لأن الأخلاق هي أساس تماسك المجتمعات.
لقد عـرف العـرب الأخلاق حتى قبـل أن تأتيهم الـرسالة: عـرفوا شجـاعة عنتـرة بن شـداد، وكـرم حاتـم الطـائي، واستـغراب هنـد بنـت عتبة مـن زنا الحـرة، وانعقـاد حلف الفضول القاضي بألا يبقى فـي مكـة مظـلوماً، وفي هـذا بيانٌ كـافٍ بـقيـمة الأخـلاق لـدى العـرب.
هـذا الاعتـراف بقيمة الأخلاق ليس مقصوراً على مجتمعنا العربي. إن الأديان والنظريات الفلسفية أولت اهتـمامـاً كبيـراً بقيـمـتها وإن تنـوعـت دوافـع هـذا الاعتـراف بيـن دافـع المتـعة، ودافـع المنـفعـة، ودافـع الطـاعـة، ودافـع الكمـال، ودافـع المماثـلة، ودافـع الإيثـار”6.
والقـانـون مـع أهميته لا يستطـيع وحـده أن يحمي المجتـمع مـن الموبقات التي تنسف أمنه واستقراره إذا غاب الضمير الخلقي. والبشـر لديهم قـدرة هـائلة على التحـايل على القانـون لا يكبحها إلا الحـس الخلقي الداخلي.
إن الأخـلاق والقـانـون جنـاحان يكملان بعضهما البعـض، فمتـى مـا تـوافـر في المجتمع الضمير الخلقي الجمعي والقـانـون الضـابـط لإيقـاع حـركـة الحياة أفلح المجتمع وحلق في سماوات الفضيلة وإلا أصـابه قـول الشـاعـر:
إذا أُصـيب القـوم فـي أخلاقـهم فـأقـم عليهم مـأتـماً وعـويـلاً
وعنـدما سُئـل أحد المسئولين اليابانيين عن سر التطور الاقتصادي والتكنلوجي الذي شهدته بلاده للدرجة التي وضعتها ضـمن قائمة الدول الثـماني العظـام فـي العـالم أجـاب: هـذا التطـور ثمرة لشيئين: الأخلاق والتـواصـل بيـن الأجـيال.
وهنالك مبـاديء أخلاقية موضـوعية مُهمة في البنـاء النهضـوي:
– ” مبـدأ المماثلة أي أن تفعل للآخـريـن مـا تـريـد أن يفعلوا لك، أسـاس يمثـل المبـدأ الأخلاقـي الأدنـى.
– وهنالك مبـدأ أخـلاقي آخر هو الالتزام بما تعارف الناس على خيريته، وتجنب ما تعارفوا على إنكاره.
– وهنالك مبـدأ أخـلاقي أسمى هـو الإيثار، وهو أن تضحي بمصلحتك من أجل مصلحة آخرين إيثاراً”7.
إن المشـروع الفكـري الواعـي لا يفـوته إدراك أهمية الأخلاق فـي البناء النهضـوي.
المـفـتـاح الثـالـث: العـدل
العـدل هـو الميـزان الذي تسـتقيم به الحيـاة، وبـدونـه يختـل نظـام الكـون قـال بـن خـلـدون فـي مُقـدمـتـه الشهيـرة: “إن الظـلم مـؤذنٌ بخـراب العمـران”.
إن عـاملنا العـربي يـرزح تحـت نيـر ألـوانٍ شتى من الظـلم ولذلك ينبغي أن تتطلع الدعوة للعدل لتشمل:
– العـدل الاجتماعي الذي يتطلع إلى إنصاف الشرائح المستضعفة، ورفـع المظالم عن المناطق المهمشة.
– العـدل الإنسـانـي الـذي يحـد مـن الظـلم الـذي يلحـق بالأطـفال والمـرأة.
– العـدل الاقتصادي الذي يهتـم بالتـوزيع العـادل للثـروة القـومية مع مراعاة الثقل السكاني للأقاليم داخل الدولة وحجـم الإنتاج الذي يخـرج منها، مع الأخـذ فـي الحسـبان خصـوصية المُنـاطق المتأثرة بالحروب والتي طـالها التـهميش.
– العـدل السـياسي الذي يتـطلع إلـى المشـاركة العادلة فـي السلطة، وفتـح البـاب أمـام الجميع بلا تـميـيـز دينـي أو طـبقي أو حـزبـي أو عـرقـي أو جغـرافـي.
– العـدل الانتقالي الذي ينشـد الاستقـرار الاجتـماعي عبـر عقد مُصالحة مع الماضي لنزع فتيل الاحتقان الاجتـماعـي وقـفـل البـاب أمـام ثقافة الانتقام والثـأر المُفضـية إلى الفـوضى.
– العـدالة أمـام القـانـون: مسـاواة الجميع أمـامـه دون تمييز، وسيـادة أحكـامه على الكـافـة.
إن سيـادة مبـدأ العـدل وجعله شعـاراً حقيقياً فـي شتى نـواحي الحيـاة مُفتـاح مـركـزي مـن مفـاتيـح بوابة النهـضـة.
النـظـام السـيـاسـي
عـاشـت الأمـة العـربية قـرونـاً طـويلة تحـت نيـر الاستبـداد حتـى بـدأ وكـأن العـرب استثناء مـن حـركة التـاريخ. ومنذ قيـام الدولة الأمـوية مروراً بالعباسية والفاطمية والعثمانية ثم الاستعمار الأجنبي فالأنظمة الوطـنية الذي ورثـت الاستعـمار بشقيها الملكـي والجمهـوري لم تـعـرف الأمـة في كل هذه العهـود غير الاستـبداد السـياسي مـع استثناءات معـدودة، ما خلف تراثاً عميقاً يُعلي من شأن حفظ الأمن والنظام على حسـاب الحـرية والمُشـاركة والشفافية وسيـادة حكـم القـانـون.
ولاشك أن الثورات العربية مهما تعثرت مسيرتها شكَلت ضربة موجعة لتراث الاستبداد العربي. صحيح أنها لـم تقـض عليه ولكـن الصحيـح أيضاً أنـها مثلت بداية النهـاية لتـراث التسلط والوصـاية في المسرح السـياسي العـربي.
إن عالمنا العـربي اليـوم يعيش في مـرحلة انتقالية ولن يـرجع إلى ما قبل الثورات العربية، ولذلك يصير المطـلب الآنـي هـو:
– على الدول التي تحكمها أنظـمة ملكـية أن تتجـاوز الأبـوية إلى الملكية الدستـورية.
– على الدول الذي يحكمها النظـام الجمهـوري ولـم تحـدث فيها ثـورات أن تصل قـواها الحية إلى صيغة للتغيير عبـر التـوافـق الوطني لأن زحـف تيـار الحـرية شـامـل ولا يستثني أحـداً.
– الدول التي حـدثت فيها ثـورات عليها تجنب الاستقطـاب مـا أمكـن وصـولاً إلـى مشروع إجماع وطني بديل يُحقق الاستقـرار والحكـم الراشـد وينشد العـدالة الاجتماعية.
وهنالك ضـرورة الابتعاد عـن شيئين مهما كانت المُبـررات: الاستنصـار بالجيش والاستنصار بالأجنبي. لأن الضحية في الحالتين الحـرية، وفـي حـال غيـابهـا لا يُـرجـى استـقـرارٌ سـياسيٌ أو أمنيٌ ولا تماسـكٌ اجتـماعيٌ. وعلى القـوى الحية فـي هـذه البلـدان أن تُـدرك أن إسقـاط النظـام هو حلقة من حلقات مسلسل التـغيير، وهنالك تحـديـات كثيـرة تنتظـرها أهمهـا تسـعة:
* تحـدي بسـط الأمـن والنظـام داخـل الدولة بالتـوازي مع التخـلص مـن الدولة البـوليسية.
* تحـدي الوصـول إلـى معـادلـة تـقصـر دور الجـيـش فـي حمـاية الـوطـن مـن الاعـتـداءات الخـارجية، وحمـاية الشـرعية الدستـورية دون الولـوج إلـى الشـأن السـياسي.
* تحـدي الوفـاق الوطـني الذي يُحقـق استقـرار النظـام السياسي.
* تحـدي بناء النظـام السياسي الذي يـقـوم على المشـاركة والمسـاءلة والشـفـافية وسـيادة حكـم القـانـون.
* تحـدي المعـادلة الفكـرية وتجـاوز الاستقـطاب الذي يحصـل بسببها.
* تحـدي العـدالة الانتقالية وضـرورة تجـاوز رواسـب الماضـي عبـوراً إلـى المستـقبل.
* تحـدي إدارة التنـوع فـي البلـدان المتعـددة الأديـان، والثـقافات، والإثنيات.
* تحـدي تحـقيـق التـنمية والعـدالة الاجتماعية.
* تحـدي العلاقـات الدولية التـي تحفـظ استقـلال الوطـن والانفتـاح الخـارجي.
إن النظـام الديمقراطي الذي وُلـد فـي الغـرب وتطـور عبر تجربة تاريخية طويلة صار هـو الجواد الذي تُراهـن عليه أغلبية شعـوب العالم. ولكن بلداننا “تُواجه ظروف التخلف وهشاشة التكوين القومي وضعف مؤسسات الدولة الحـديثة”8 مما انعكـس سـلبا علـى الاسـتـقـرار السياسـي في الدول التي شهـدت تجـارب ديمقـراطية وليـدة.
وحتى لا نُكـرر أخطـاء الماضـي يجب أن تُصاحب بناء النظام السياسي إصلاحات اجتماعية وثقافية. كما أن الديمقـراطية كنظـام وافـد يحتـاج غـرسـه فـي بلـداننا أقلمة ثقـافية حتـى لا يكـون معـزولاً عن الواقـع الاجتـماعي.
إن قيـام النظـام السياسي المُتحرر من الوصاية الفردية أو الحزبية أو العشائرية واستقراره مفتاح أساسي مـن مفاتيـح بـوابة النهضـة في عالمنا العـربي.
الـتـنـمـيـة والعـدالـة الاجتـمـاعـيـة
تتـوافر لدى أمتنا ميـزات تُـؤهلها للصعـود إلى قمة الصـدارة الاقتصـادية العالمية:
أولهـا: المـوقع الجُغـرافي المُتميَز: حيث تقـع في وسـط العالم، وتطل على بحـار وخلجـان مهمة، ويتميز مُنـاخهـا بالتنـوع، وتحتضـن أهـم الممـرات فـي العـالـم مما يـعنـي التحـكم فـي طـرق التـجـارة العـالمية.
ثـانيها: الإمكـانات الاقتصادية الهائلة: حيث تحتضن الأراضي العربية ثروات طبيعية هائلة في المعادن، والنفـط، والغـاز الطبيعي، واليـورانيـوم، والزراعـة، إضـافة إلى الثـروة الحيـوانية والسمكية.
ثـالثها: قـوة بشـرية معقـولة.
هـذه الميـزات حـرمتها سبعة عـوامل مـن الاستغلال لصـالح الأمة:
* منظـومة الاستبداد بما تعني من استنزاف للموارد الاقتصادية على حساب التنمية والعدالة الاجتماعية.
* منظـومة الفسـاد بأركانها الثلاثة الرشـوة، والمحسـوبية، واستغـلال السلطة.
* غـياب التخطيط.
* غـياب التكامل الاقتصادي العربي.
* ارتـفاع نسـبة الأمـوال المغتـربة.
* الاقتصـاد الريعي فـي بلـدان النفـط العـربي.
* الدور الأجنبي وتـأثيـره على المنطـقة العـربية.
ويبقى التحـول العربي المنشود نحو التنمية والعدالة الاجتماعية مُحاطاً بهذه العقبات، ولا يُرجى صلاحه بحـق إلا بالآتي:
* اسـتكمال حـركة التحـول الديمقراطي ما أمكـن في البلـدان العـربية.
* سـن قـوانين واتخاذ إجـراءات صـارمة بشـأن مكافحة الفساد.
* التخطيط لتنمية مُستـدامة تُحـدث زيادةً في دخـل الفـرد، وتحسيناً في الخـدمات الاجتـماعية، واستغلالاً متـوازناً للمـوارد الطبيعية، واهتـماماً بالبيئة، ووعـياً البعـد الثـقافي للتنمية.
* تحقيق الأمن والاستقرار في البلدان العربية غير النفطية، وإيجاد بيئة جاذبة للاستثمار مع وضع خطة واضـحة المعـالم تقنـع المستثمـرين العـرب فـي بيئات غيـر عـربية بالاستثمـار فـي البلـدان العـربيـة.
* قيـام مـؤتـمر اقتصـادي عـربي لبحـث عـلاج مشـاكل الفـقـر والبطـالة، ولبحث ضـرورة قيـام تـكـامل اقتصـادي عـربي وإيجـاد الصـيغة الملائمة لهـذا التـكامل بصـورة تُشَـكل استثـماراً جاذباً للبلدان العربية الغنية، وتُحقـق التـنمية والعـدالة الاجتـماعية في البلـدان العـربية الفقيـرة.
* “إصـلاح القطـاع المصـرفي ليقـوم بدوره التـنمـوي فـي مجـالات الاستثـمار الزراعـي، والصنـاعـي، والتعـديني، والتجـاري، وأن يولى القطاع المصرفي اهتماما خاصا بالتمـويل الأصغـر الذي سوف يكون له دور كبيـر في إيجـاد عمـل على نطـاق واسـع للشباب” .
* أن تبحـث الدول العـربية الغنية عن صـيغة تُمكنَها مـن الدفـاع عـن نفسـها، وتُحـررها من سلطان الحماية الأجنـبية.
* التنسـيق مـع دول العـالم الحـر للضـغط مـن أجـل إصـلاح النظـام الاقتصـادي العالمي.
إن التـنمية المستـدامة والمُستقلة في البلـدان العـربية خطـوة بالغة الأهمية في سبيل التطـلع للنهضة العـربية الشـاملة.
الـصـحـوة الـثـقـافـيـة والـعـلـميـة
الواقـع العـربـي يتطـلب صحـوة ثـقافية وعلمية تستنهـض القيًـم النابضة فـي التـراث وتـسصحبها فـي بنـاء المشـروع النهضـوي المعاصـر، وتستعيد للأمة دورها الريادي في تأسيس المعرفة، وتستوعب الإشراقات الفكـرية التي نضجـت فـي بيئات حضـارية أخـرى بعـد أقلمتـها ثـقافياً. إطـار الصـحـوة المنشـودة مـا يـلي:
الـصـحـوة فـي الـنـطـاق الإسـلامـي:
أغلبية العرب مسلمون، ومالم تحدث صحوة في النطاق الإسلامي فلا يُرجى أن يُحقق المشروع النهضوي ثـماره. فيما يـلي أهـم مجـالات الصحـوة المنشـودة:
* “صحـوة فـي النظـرة للآخـر الديني الذي يُعايش الشعـوب الإسلامية، وفي النظـرة للآخـر الدولي.
* صحـوة في النطـاق المعـرفي تقر بوسائل المعرفة الإنسانية الأربع: الوحي، والإلهام، والعقل، والتجربة. ولكل وسـيلةٍ مجـالها.
* صحـوة فـي مفهـوم الأخلاق بصـورة تستـوعب الأسس المـوضوعية لها وهـي: المماثلة أدنـى حـالاتـها، وتتدرج سمـوا لتقـوم على إثبات المعـروف ونفي المنكـر، وتسمـو لتبلغ درجة الإيثار. إن من يلتزم بهـذه الأسس فهو ذو أخلاق أياً كانت ملته.
* صحـوة في مفهـوم الجهـاد وهـو بذل الوسـع كله لإعلاء كلمة الله في الأرض، والجهاد يبدأ بمغالبة الشر في النفس، ثـم مغالبة الجهـل والمـرض، ثـم الجهـاد المـدني بمعنى مُغـالبة الظـلم، ولا يصـير قتـالاً إلا في حـالتين: العـدوان الخـارجي، أو تعـطيل حـرية الدعـوة.
* صحـوة في تصـور مفهـوم الدولة. إن الإسـلام لم يضـع شكلاً معيناً للدولة؛ وإنما وضع مباديء سياسية عامة كالشـورى، والعدالة، والمـساواة، والحـرية، واحتـرام كـرامة الإنسان ألخ. وتـرك للمسلمين مسـاحة الاجتـهاد لاختـيار النظـام السـياسي الذي يُـوافـق هـذه المباديء.
* صحـوة في التصـور الاقتصـادي: ليس هنالك شكل لنظام اقتصادي وضعه الإسلام، وإنما هنالك مبادئ إسلامية ذات محتـوى اقتصـادي كالتعمير والملكية والتـكافل، وهنالك أحكـام إسـلامية ذات أثـر اقتصـادي كالزكـاة وتحـريم الـربا، والمـواريث، تحـول دون تعطـيل المـال وتـسـاهم في عـدالة تـوزيـع الثـروة بيـن الناس. والمطلـوب من المسلمين أن يختاروا النظام الذي يُحقق التنمية بمعدلات عالية بالتوازي مع العدالة في تـوزيعـها بصـورة لا تخـرج عـن هـذه المبـاديء.
* نهضـة العصـر الحديث مؤسسة على ثلاث ثورات: ثورة سياسية حققت كفالة حقوق الإنسان والحريات العـامة وثـورة اقتصـادية حققت التـنمية وثـروة معـرفية حققت حـرية البحـث العلمي والتكنـولـوجي. هـذه المنجـزات ينبغي استصحـابها فـي تحـديث مؤصـل وليـس تبعياً”10.
* إيجـاد صـيغة ملائمة تتجـاوز الاستقطـاب السني الشيعي فـي المنطـقة العـربية.
الـصـحـوة فـي الأديـان الأخـرى والثـقـافـات:
يُـرجـى أن تحـدث صحـوة مماثلة في الأديـان الأخـرى فـي مجـالات كثيرة أهمها ثلاثة:
* استيعاب منظـومة حقـوق الإنسـان مع التماس جـذور روحية لها في الكتـاب المُقـدس.
* “الاعتراف بحرية البحث العلمي واعتبار المعرفة العلمية في مجالها وهو اكتشاف حقائق العالم الحسـي الزمـان المكاني معـرفة تجـريـبية وعقلية صحيحة11.
* الإقـرار بحـاجات الإنسـان العشر الواجب إشباعها كخطوة مهمة للرقي بالمجتمع العربي بل الإنساني.
وبالنسبة للثقـافات الأخـرى يُـرجى أن تلتمس تـأصيل جـذورها بصـورة تُـؤمن على المعـاني الإيجـابية، وتتحـرر مـن المعـاني السلبية لاسيما الاستعـلاء الثـقافي مـع ضـرورة استيعاب النقاط التي ذكرناها آنفاً.
أما الصحـوة العلمية فهي مهمة جـداً للبناء النهضـوي، وبالنظـر إلى واقـع التعليـم فـي العالم العربي فإنه مُصـاب بعللٍ كثيرة، والمطلـوب دراسـة هـذا الملـف بصـورة عميقة بهدف الوقوف على المشكلات التي تُواجهه ومعالجتـها تطلعاً نحـو استعادة الإسهـام العـربي في دائـرة المعـرفة العلـمية.
إن الصحـوة الثقـافية والعلمية مُقـدمة مهمة للنهضـة العـربية المنشـودة.
الأمن والدفاع
ملفـا الأمـن والدفـاع صارا في عالم اليـوم من أهـم مقـومات الاستقـلال الذاتي للأمم. صحيح تحكم العالم مواثيـق دولية تفتـرض قيـام العلاقات بين الدول على أساس المودة والتعايش؛ ولكن القرار العالمي نفسه خاضع لتـوجيه الحلفاء الذي انتصروا فـي الحـرب العالمية الثانية، وبالتـالي لا يُتصـور أن تتمتع أمـةٍ ما باستقـلالٍ ذاتـي وبخـاصة أمتنا العـربية دون أن يكـون لديها ترسـانة أمنيـة ودفـاعية متطـورة.
إن واقعنـا فـي هـذين الملفيـن يحكي أن:
* المنظـومة الأمنية العـربية هـي ربيبة الاستبـداد السياسي العـربي.
* إن جيـوشنا العـربية إمـا فـي حـالة سكـون أو فـي حـالة مُـواجهة مع أطـراف نـزاع داخلي.
* كثيـرٌ مـن الجيـوش العـربية انحـرفت عـن مسـارها وانـزلقت إلـى المسـرح السياسي فأفسدته ونسـيـت مهمتـها الأسـاسية.
* تطـور المنظـومة الدفـاعية العـربية مُقـارنة بإسـرائيل مُتـواضعة للغاية.
* هنالك غيـاب تـام لدفـاع عـربي مُشتـرك.
* بعـض الدول تتخـذ مـن القـواعد الأجنبية درعـاً لحمـاية أرضـها وسلطـانها.
المطلـوب فـي ظـل التطـلع العـربي للاستـقلال الذاتـي المـوازي للتطـلع الديمقـراطي أن يحـصل الآتـي:
* التخلـص مـن الـدور البـوليسي الـذي اقتـرن بـآداء المنظـومة الأمنـية العـربية لصالح دولـة الاستـبداد، والتـركيز علـى حفـظ الأمـن والنظـام داخـل البلـد لصـالح دولـة الوطـن.
* السعي إلـى عقـد اتفـاقيات سـلام شـامل فـي الدول التي تُعـاني مـن نـزاعـات داخليـة.
* الوصـول إلـى معادلة تقصر دور الجيـش في حماية الوطن وحدوده، وحماية الشرعية الدستورية دون الدخـول فـي نفـق الاستغـلال السـياسي.
* تطـوير المنظـومة الدفاعية العـربية بما يُؤدي إلى وجود قوات مُسلحة عالية الكفاءة وخاضعة في نفس الوقـت للقـرار المـدني.
* السعي نحو تكوين دفاع عربي مُشترك.
* علـى الدول التـي تقـع تحـت سلطـان الحماية الأجنبية أن تتحرر من ذلك، وأن تتطلع إلى الدفاع الذاتي عـن أرضها وسلطـانها.
هـذه المعـالم تسـند ظهـر النهضـة العـربية المنشـودة وتُقـوي شـوكتها.
الاتحاد العربي
تـتـوافـر لدى العـرب أمـتـن مقـومـات الاتحـاد مـن لغـة واحـدة، وثقـافـة مـشتـركة، وتـاريـخ مـشـتـرك، ووجـدان شعـبـي واحـد، ورقعـة جغـرافية واحـدة.
في الماضـي قامـت دعـوات للوحـدة العـربية، واتخـذت منحـىً تطبيقياً كما حـدث بين مصر وسوريا في ستينيات القـرن الماضي، ولكـن النتيجة النهـائية لهـذه الدعـوات الفشـل لأربعـة أسباب:
* الأول: لا يمكـن أن تُوحـد الإرادة العـربية بـوسائل قسـرية بـل طـوعية.
* الثاني: مـن الصعب إن لم يكـن من المستحيل أن تجتمع الإرادة العـربية حـول خيـار آيديلوجي مُعيـن؛ لأن الساحة العـربية حـافلة بالتيـارات الأخـرى، وهـي تيـارات لهـا أوزان لا يمكـن إغفـالها.
* الثـالـث: لا يُمكـن أن تحـدث وحـدة عـربية حقيقية فـي ظـل أنظمة تُغيَـب الإرادة الشعبـية.
* الرابـع: غيـاب العـامـل الديني فـي معـادلة الوحـدة العـربية.
إن التـطلع نحـو وحـدة عـربية يقـودها حـزب أو أيديولوجية مُعينة صعب وفرضه بالقوة مستحيل؛ ولكن المُمكـن في ظل التـطلع العـربي نحـو استكمال التحـول الديمقراطي أن يحدث اتحادٌ عربيٌ يُحقق تكاملاً أو تنسيقاً عـربياً فـي مجالات السياسة، والاقتصاد، والثقافة، والأمن القومي، والسياسة الخارجية بصورة تخـرج بموقف عـربي واحـد يُحقق الاستقـلال الذاتي العـربي، ويتـطلع مع دول العالم الحـر إلى الضغـط مـن أجـل إصلاح النظـام الاقتصادي العـالمي، ومـن أجـل الوصـول إلـى نـظـام دولـي يـخـدم البـشـريـة جمعـاء لا خـدمة مُخـططيه.
خـاتـمـة:
إن الأمـة العـربيـة بمـا تحـوي مـن إمكـانات ثقـافية وروحيـة، وبـمـا تـرتكـز علـى إشـراقات حـضـاريـة تاريخية، وبما تملك من موقع جغرافي مُتميَز، وموارد طبيعية ومادية هائلة، وقوى بشرية معقولة مؤهلة لاستعادة دورها الحضـاري التاريخي فقط إذا استطاعت الإرادة العـربية أن تتحـرر مـن قيـود الاستبـداد الداخلي، وكـوابح النفـوذ الخـارجي.

هوامش:

1 زهير مبارك، أصول الاستبداد العربي، بيروت، مؤسسة الانتشار العربي، 2010م.

2 الصادق المهدي، آفاق عربية وإفريقية، محاضرة قُدمت في جامعة أكسفورد، 1975م.

3 قاموس المعاني.

4 وثبة جديدة لبناء الوطن، برنامج حزب الأمة القومي الذي قُدم للمؤتمر العام السادس، مارس 2003م.

5 أصل الموجهات مستقاة من رؤية كان قد طرحها الإمام الصادق المهدي في عدد من كتاباته أهمها كتابي “معالم الفجر الجديد” “وأيها الجيل” مع تصرف الكاتب في الصياغة.

6 دافع المتعة: أي أن الالتزام بالأخلاق مستمد من المتعة، فالسلوك الحميد هو الذي يحقق المتعة الأكبر وبه قال ايبقور.
دافع المنفعة: أي أن السلوك الحميد أخلاقياً هو الذي يحقق أكبر قدر من المنفعة وبه قال النفعيون.
دافع الطاعة: أي أن الالتزام بالأخلاق مستمد من طاعة تعاليم الوحي.
دافع الكمال: أي أن حسن الخلق مستمد من فكرة الكمال الذي يتطلع إليه الإنسان وبه قال الرواقيون.
دافع المماثلة: أي أن تفعل بالآخرين ما تحب أن يُفعل بك.
دافع الإيثار: منبع الالتزام الإيثار أن تُضحي بمصلحتك لصالح الآخرين.

7 الصادق المهدي، أيها الجيل نقل بتصرف، الخرطوم، دار مدارك للنشر، 2013م.

8 وثبة جديدة لبناء الوطن، برنامج حزب الأمة القومي المُقدم للمؤتمر العام السادس 2003م، مرجع سابق.

9 الصادق المهدي، معالم الفجر الجديد، مرجع سابق.

10 مجالات الصحوة هذه مُستقاه من برنامج وثبة جديدة لبناء الوطن مع التصرف، مرجع سابق.

11 المرجع السابق.

*- مـن مـواليد مـدينة الهـدى- ولايـة الجـزيرة السـودانية فـي العـام 1987م. – تخـرج فـي كليـة الهنـدسـة الميكـانيكـية بجـامعة سنـار فــي العـام 2010م.
– كـاتب مقـال إسبـوعي فـي صحيفة صـوت الأمـة السـودانية فـي العـام 2010م. – منسـق أمـانة الثقـافة والإعـلام بهيئة شئـون الأنصـار فـي العـام 2010م. – مقـرر أمـانة الشبـاب بهيئة شئـون الأنصار فـي العـام 2011م وحتـى الآن. – له مشاركات فـي مـؤتمرات داخلية وخـارجية. – قـدم عـدداً مـن أوراق العمل وله كتـاب تحـت الطبـع بعنـوان: ( ظاهـرة العنـف فـي الجـامعـات السـودانية).

[email][email protected][/email]

تعليق واحد

  1. انت امه متخلفه ولا شنو ؟؟؟ نحن اصلا مشكلتنا كلها منذ 50 سنه هي الهويه العربيه المصريين عليها دي ولسه ما اتعلمتوا يا بجم

  2. انت زخرا لهذا الوطن أخي الزبير. لقد عهدناك دائما في المقدمه و انت الآن تشرف السودان و الشباب بمنطقة الهدى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..