الفهم الديني يقود السودان إلى الفناء

الآن، الوضع في السودان يرثى له إذا نظرت إليه بإي منهجية سياسية ناقدة. قبل الحديث عن إنفصال أو إستقلال الجنوب، أزمة دارفور، إضراب الأطباء، هروب الإرهابيين الأربعة، غلاء المعيشة، وغيرها من القضايا الساخنات ينبغي أن نؤمن أولا أن هناك شططا سياسيا يمارس فيه النظام منذ حين. ويقابل بمحاولات خجولة من القوى السياسية المعارضة، بينما لاذ نشطاء المجتمع المدني إلى الهجرة ــ داخليا، وخارجيا ــ وبين الحال والآخر تنتابهم حالة نفسية محبطة جراء فشل كل التكتيكات التي أتبعت طوال العقدين الماضيين لتغيير الصورة الدراماتيكية التي تبدو عليها القضايا المتأزمة عند كل إشراق جديد.

ولعله مفهوم طبع الممارسة السياسية الذي تنتجه أنظمة مؤدلجة إنتهت إلى عشائرية، ثم إلى شريحة من ضمنها. ولكن غير المفهوم هو ألا يكون هناك معادل موضوعي يقابل هذا الخراب السياسي. وغير المفهوم أيضا أن وضعا إستثنائيا كهذا على مستوى المنطقة لم يكشف عن رموز نضالية تضاهي رمزيات هنا وهناك في الإقليم، أو في المماثلات السياسية في التخوم الإنسانية الباقية.

ففي أدبيات العمل السياسي أن كل فعل لا بد أن تقابله معارضة بذات الحجم. غير أن الناظر للمعارضة يجد أنها بقيت تتعامل برد الفعل فقط دون وجود ثمة برامج واضحة، أو مبادئ ثابتة، وحتى إذا وجدنا هاتين اللازمتين للتغيير، فإن هناك ثمة خلل في تحليل الوضع التاريخي الذي يبدو عليه السودان. وثمة خلل آخر في طريقة تبيان هذه المبادئ السياسية.

وربما حق للمعارضة أن تبدو بهذي (الردفعلية) ما دام أنها لا تملك عتادا (دولتيا) يضعها في غير محور الترقب والإنتظار، ولا يفرض عليها التعامل مع أحداث وأقوال حكومية طارئة ثم إنتظار ما يعقبها. وهكذا تبدو الاشياء دون أن تحدث هذه المعارضة فعلا مفارقا يضع الحكومة في خانة الدفاع، أو الإنشغال بكيفية التعامل معه، وبخلاف إضراب الأطباء الاخير إذا سيسنا جانبا منه، فإنه لم يكن هناك في القريب فعلا معارضا أخذ بزمام المبادرة العملية للتغيير، وأصبح فيما بعد يشكل أملا في الخلاص.

وحتى الإنتخابات الأخيرة أوضحت أن هناك إختلافات كبيرة، وجذرية، بين التيارات السياسية المعارضة، وأن الأجندة الحزبية غلبت الأجندة الوطنية، فالحركة الشعبية دعت إلى مؤتمر جوبا ليحقق لها مصالحها الظرفية، والإستراتيجية. أما الحزب الإتحادي، المبعثر، إلى عدة أحزاب كان يدري ما يعني بمعارضته أكثر من ما يدري منافسه التقليدي حزب الأمة، والذي هو أيضا يعاني من تصدع في بنيانه أدى إلى وجود عدة أحزاب فرعية منه، بغير مجموعة التيار العام المغبونة. أما بقية الأحزاب المعارضة فقد أدركت تماما الآن أن فترة الإنتخابات الأخيرة قد أفرزت صعوبات جمة أمام توحد فكرة وعمل المعارضة، وأن لا مندوحة لها من درس طبيعة التفكير الخاص لبعض السياسيين وتكتيكاتهم.

وإذا تلمسنا أفكار وأعمال المعارضة العسكرية، وهي إذن ناشدة للتغيير، فليس هناك ما يبشر أنها تسير في الإتجاه الصحيح نحو توحيد المجهودات، والأهداف، والزعامات. وإن كانت حركة المعارضة السلمية تعاني من عجز فكري وتنظيمي شتت شمل أحزابها، فالحركات لم تتجاوز الأقليمية في أهدافها السياسية المطلبية، وليس بين هذه الحركات العسكرية والقوى السياسية أي رابط قوي يدعمها في الميدان، أو في جولة المفاوضات، أو حتى بعد الإتفاق. والأمر سيان إذا نظرنا لإستفادة القوى السياسية من أي علاقة بينها والحركات العسكرية.

هذه الوضعية جعلت المعارضة تنوقع الحكومة لتخطئ ثم تقوم بالشجب والإدانة ثم التحرك الخجول لتغيير الصورة. إن هذه الوضعية أشبه بحملات الرئاسة الأميركية، فالذين يتراصون بإنتظار المرشح للرئاسة يتوقعون فيه كرما بأن ينحت خطابيته ليأتي ببيتين من الشعر حتى يريح الجمهور ثم يصفق له. وهكذا يتناغم طلب المرشح والناخبين: بعض عبارات، ليس من المهم أن تكون جزلة، تهيج أفئدة الناخبين، وتبين ضعف المرشح الآخر ثم تصفيقات حارة تشئ عن حجم الرهان على السياسي المفوه. المختلف في الأمر أن معارضتنا لا تصفق إطلاقا، وما حق لها، وإنما تدين وتستنكر، كأضعف الإيمان، ولكن تنسى أن هزيمة إستراتيجية النظام القائم تتم بواسطة الشجب والإستنكار المقرونين بالفعل.

وحتى لا نهاجم تيارا سياسيا بعينه، ونحمله فداحة هذا الوضع الذي يرثى له، أو نحمل المسؤولية لتيارات أخرى، فإن الهجوم الآن لا يحل قضية، وليس هو السبيل الأنجع، أو الذي من خلاله يمنح الكتاب عفوا عن بحث أسباب هذا الضعف، والإتيان بتصورات تساعد في تلافيه.

فما كتب من توصيات لتطوير العمل المعارض، وما بذل من كشف لمساؤي النظام طوال هذه المدة، يدلان على أن هناك بذلا في الإنشغال بقضايا الوطن، وجهدا من الحراك السياسي، وعزيمة في المقصد قد أثمرت بهذا الإخفاق في التغيير، للأسف. كما أن الملاحظات المنهجية في فكر وعمل المعارضة، وكذلك الإنتقادات المتواصلة لنشاط زعمائها، ومكاتبها السياسية، وأقطابها، لا بد أنها إستبانت بما قد يساعد في تغيير الفكر المعارض وتكتيكه، ومع ذلك فإن العائد من هذه الملاحظات الناقدة ضئيل للغاية، وربما لا أثر له، وإلا لأصبحت الصورة السياسية أقل قتامة، أو أكثر دلالة على نجاح هذا الإنشغال بالهم العام.

إن كل يوم يمر تتعاظم مشاكل البلاد، وتزداد شراسة دولتها في إستخدام القوة الأمنية، والعسكرية، فيما تكثر فرص التدخلات الأجنبية، وتتعمق خلافات المعارضين، وليس هناك، والحال من بعضه، أي بريق أمل قوي يمكن الرهان عليه. ولا يخشى المرء من القول أن بعض المعارضين صاروا يراهنون على إنقسامات متوقعة داخل النظام لتفك حيرتهم، أو مفاجأة تخرج من بين ركام الإخفاقات ليتخلص الناس من نظام قامع أوجد هذه الأزمات الكثيرة، والمتناسلة، ويوشك أن يرص أفراد الشعب السوداني جميعهم ليأخذوا علقة ساخنة عند كل صباح من فرط جبروته، وعلو كعبه في إنتاج الإهانة لمواطنيه، عوضا عن زيادة محفزات الإنتاج في كل المجالات.

الكاتب يتصور أن خلفية الأوضاع الماثلة في سودان اليوم تعود إلى جذور فشل ديني وثقافي في المقام الأول، وما هذه المنغصات اليومية السياسية إلا تمظهر لهذا التاريخ من اللامبالاة الوطنية بأمر الدين والثقافة، والتي بدأت منذ الإستقلال. وأن كل ما فعله هذا النظام ليس هو إلا تعميق لتلك اللامبالاة في التعامل الحساس مع قضايا وهموم المواطنين، وإيصالها إلى آخر سقوفها.

على المستوى المعارض لا يزال التفكير السياسي هو الذي يسعى لمعالجة ذينك الفشلين، بينما أن الاستراتيجية الفكرية والثقافية للمعارضة نحو معالجة النظرة لمسائل الدين لا تتيح للحكومة القائمة إلا الفرصة في توظيف الدين أكثر، وأكثر، في إستمرار القبضة الحديدية. والدليل هو أننا إذا درسنا جهود المفكرين المنتمين للأحزاب التقليدية، إن وجدوا، لنقد الظاهرة الإنقاذية في علاقتها بالدين فإننا لا نكاد نقف على موقفهم من التشريعات الإسلامية فكرة، وتطبيقا، وهي التي قادت إلى تفشيل الدين والسياسة معا. وإذا تجاوزنا السيد محمد عثمان الميرغني لكونه ليس من الكاتبين المجيدين الذين يمكن أن ينظروا كتابة في الهم الديني وإعلام طائفته، وسائر السودانيين، بخطوة الإسلاميين في فرض التشريعات الإسلامية على السواد الأعظم بغير إنتخاب ديمقراطي، فإننا لا يمكن أن نتجاوز السيد الصادق المهدي الذي لا يزال يرى أن تطبيق التشريعات الإسلامية، بطريقة أخرى غير معلومة، هي الأمر الذي دونه خرط القتاد. فالمهدي ليس علمانيا بالقدر الذي يتيح له القول أن حاجة الدولة إلى نظام سياسي أكثر من ما هو ديني. وبالنسبة لليسار فإن معظم المؤمنين بتوجهاته لا يتقدمون خطوة للإمام لتقديم تصورات دينية لنقد الظاهرة الإنقاذية بناء على المرجعية التي إتبعتها، وبالتالي صارت هناك فجوة كبيرة بين اليسار وتلقي السواد الأعظم فيما خص النظر لأمر الدين. ومن خلال هذه الفجوة تمكنت السلطة الثقافية للدولة الدينية من إختطاف جمهور المسلمين في السودان برغم أن الدين يمثل العمود الفقري في ثقافة غالب السودانيين.

الحلول السريعة لمسألة الوضع الماثل يمكن أن تكون في شكل إستقلال الجنوب، أو سلام عادل لاهل دارفور، أو ترضية الأطباء المضربين، أو زيادة المرتبات للعاملين بالدولة، أو غيرها من السياسات المتبعة منذ الإستقلال لخلق معادلة بين المرتب وإحتياجات السوق، وهناك كثير من هذه المعالجات الظرفية، ولكن كل ذلك لا يديم إستقرار البلاد، على الإطلاق. ومتى ما تجاوزت البلاد هذه المعضلات التي هي إنعكاس لمشكلة أعمق رزئت باخرى أعمق. فهل هناك من يبحث عن العلاج الناجع عبر منهج جديد ومختلف يحقق لكل السودانيين دولة قائمة على ركائز سياسية مبدعة دون أن تفرض عليهم، قهرا، نوعا معينا من التفكير الديني؟ نأمل ذلك حتى لا يكون السودان الموحد ذكرى للإعتبار، والتأسي، بالنسبة للبلدان التي لم يجرب الإسلاميون فيها تديين الدولة بعد.

صلاح شعيب
[email protected]

تعليق واحد

  1. الفهم الديني يقود السودان إلى الفناء….. والفهم العلمانى هو الحل اليس كذلك … هداك الله ياكاتب المقال

  2. ايها الاخ العزيز ان هؤلا مما يسمون رجال الدين هم عبارة عن غوغاء وارزقية لا لهم علاقة بالدين وهم مثلهم مثل الهيئة القومية لتزوير الانتخابات وهيئه جهلاء السودان هم عبارة عن مجموعة من المطبلاتية وحارقى البخور والارزقية لا علاقة لهم بالدين مثلهم ومثل عنقالة المؤتمر الوطنى همهم فقط الثروة والسلطة والمضحك والمبكى فيما يسمى اسلاميون انهم اعلنوا الجهاد على الاطباء لانهم دخلوا فى اضراب فقط من اجل تحسين وضعهم وظروفهم المعيشية الصعبة تخيل اخى الهؤلا الجلاوزة مما يسمون انفسهم اسلاميين والاسلام برىء منهم ومن اعمالهم التى لم ينزل الله بها من سلطان والسؤال ليه لم يعنوا الجهاد ضد اسرائيل عندما قصفت قوافل تهريب الاسلحة فى شرق السودان وليه لم يعلنوا الجهاد ومصر تحتل حلايب بالقوة العسكرية اليس هم اسود على الضعفاء من ابناء جلدتهم ونعام على المحتليين والغزاة انهم قوم لا اخلاق ولا دين ولا مروة لهم انهم كالانعام او اضل سبيلا وهم مثل كبيرهم الزى علمهم السحر حينما قال انه لن يسمح بدخول اى قوات اجنبية ولا حتى بوريه (كاب الرأس) وانه خير له ان يكون قائد مقاومة بدلا ان يكون رئيس دولة محتلة ولكن راح كل ما زكره وتوعد به هباء منثورا والسودان محتل بواسطه الاف من القوات الاممية وقوات اليوناميد وقوات اليوناميس وهو لا يكترس لكل زلك المهم الكرسى والسلطة وعندما يفيق من سكرة ولزة السلطة سوف يجد نفسه رئيسا لدولة مثلث حمدى بعد ان تم تقسيم السودان بالقوة التى هى موجودة داخل البلاد اصلا فلينعم المؤتمر الوطنى بهؤلا الغوغائية تجار الدين ومن شاكلتهم هيئة جهلاء السودان بنجاح المشروع الحضارى

  3. اين هم علماء السودان هؤلاء علما السلطان وعلماء الكيزان يفتون فى سفر الرئيس والتصويت لغير الرئيس حلال ام حرام يكفرون ماشاءوا حسب اهواءهم وكل من خالفهم الراى كافر اخرسوا واستحوا ياعلماء السوء والفتنة اطلتوا لحاءكم ووتهندمتهم بالملابس والعمائم وعملتوا من انفسكم شيوخ لكم الحق ان تفتوا للرئيس حسب مقاسو فقد اغدق عليكم باموال هذا الشعب وعرق جبين المواطنين الذين طال اعناقهم بالجبايات والرسوم والضرائب لكن تمتعوا قليلا ولو دامت للغير ماوصلت لرئيسكم دا
    لماذا لا تفتون فى هذه المجازر فى دارفور والخرطوم لماذا لا تفتون فى بيوت الاشباح هذه لماذا لا تفتون فى اعدام شهداء رمضان المبارك بدون اى ذنب تم تصفيتهم غيلا وحقدا من الكيزان الملاعين اخوان الشياطين 0 تضحكوا على نفسكم والله على هذا الشعب الواعى يامواهيم 0

  4. ود شندى لا فض فوك ..
    دائما مانرمى باللوم على الحكومة .. احسب ان حكومتنا افضل مننا نحن الشعب بكثييير .. وان ارتفعنا لمستواها لاصبحنا مثل ماليزيا ..

  5. ياود شندي انت واضح لك مصلحة كبيرة جدا لذلك اصبحت بوق ومطبل ومحامي والناطق الرسمي باسم الظلم والقتل والدمار اذا انت لك مصلحة في النظام فمابال الوطن والمشردين والايتام .

    يا من عويل ود شندي الباطل كرهت الناس سوف ياتي يوم تندم على كل افعالك

    حكومة الشمالية مستعبدة كل السودان وهم اسواء من اسرائيل

    مقارنة بين شارون اسرائيل وشارون السودان البشير ايهما افضل يهما ارحم لشعبه
    اريل شارون: يقتل العرب والفلسطينين من اجل امن شعبه ودولة اسرائيل
    اريل البشير : يقتل شعبه من اجل ان يظل ويحكم شعبه.
    اريل شارون : يحتل الاراضي العربية من اجل دولته
    اريل البشير : يتنازل من الاراضي السودانية من اجل استمرار حكمه
    اريل شارون : يسقط في الانتخابات ويمارسها حرة نزيهة
    اريل البشير :يزورها ويفوز ولايحتمل السقوط.
    اريل شارون: تستوجبه الشرطة والقضاء الاسرائيلي
    اريل البشير:لايمكن استدعاءه وبل من سابع المستحيلات ان يقدم فرد من امنه للمحاكمة.
    شارون يبني السجون للمقاومين الشرفاء العرب .
    البشير يبني السجون لابناء وطنه والعلماء.
    شارون يجمع اليهود من العالم لدولته
    البشير يشرد السودانين خارج السودان

    ايهما افضل لشعبه شارون ام البشير

    لماذا احتمت جموع كبيرة من السودانين باسرائيل هل اسرائيل والحكومة الاسرائيلية هي ارحم من الحكومة السودانية.

  6. عند ما تتحدث عن الشماليه تحدث بادب لانك زول ناقص الشمال هم الاسسو الدوله السودانيه اما تتحدث عن الكيزان تحدث ولك الخيار

اترك رداً على عثمان عمر الطيب إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى