حوار مع مسجل خطر

حلة كوكو: عباس عزت

لفت انتباهي وأنا اقف على الرصيف الشمالي لشارع المايقوما بسوق (حلة كوكو)، رجلا عجوزا في العقد التاسع من عمره، تسبب في إعاقة حركة السير عندما حاول عبور الشارع المكتظ بجميع أنواع المركبات، التي يجاهد سائقوها في تفادي الحفر المليئة بمياه الأمطار التي يعج بها الشارع.. كان يسير ببطء ولا يبالي بمن حوله حتى تمكن من عبور الشارع وجلس على سرير متهالك, أمام كشك صدىء على الرصيف..
[CENTER][/CENTER] اقتربت منه.. يدفعني الفضول, لمعرفة سر هذا العجوز الذي يتخذ الرصيف سكنا له, القيت عليه السلام فرد على وبسمة تعلو شفتيه مرحبا بي طالبا مني الجلوس على السرير المبتل بمياه المطر..
سألته: من أنت؟ وما حكايتك؟ نظر الىَّ بريبة، ثم قال لي يبدو أنك صحافي وتريد إجراء حوار كما فعل الكثيرون مثلك ولم ينشروه, قلت له ولكني سأفعل بإذن الله.. وافق على تصويره وإجراء حديث صحفي معه, فهو من وجهة نظري ليس بأقل من المسئولين.. بل أفضل لأنه المواطن والترمومتر الطبيعي لقياس تلك السياسات الفاشلة التي قصمت ظهورنا جميعا على مدار ربع قرن من هذا الزمان البائس..
وافق الرجل على الحديث الصحفي، ولكنه وضع يده بقوة على السرير الذي كنا نجلس عليه فجأة وقال لي: إنت بتتكلم مع اخطر نشال في السودان، ثم أشترط ألا نتكلم في السياسة أو عن الحكومة، وذلك خوفًا من رجال المباحث الذين يطاردونه في كل مكان (كما يتوهم), وكأنه زول غير مرغوب فيه، وقرر أن يتكلم فقط عن حياته الماضية، فعشت معه هذه الرحلة المثيرة..

أسند ظهره المحمل بأوجاع هذا الزمان على الكشك الصدئ وضحك ساخرا وقال لي بالنص: (أنا، مسجل خطر فئة “أ” نشل.. وكتبوا على الفيش بتاعي, حسن الحاج يوسف المشهور ب(حسن توتة).. من معتادي الإجرام.. فظ الطبع, لبق, لا يخاف رجل البوليس ولا يهرب.. حسن المعشر, سريع الاعتراف, احذر من ضربة رأسه)..
* أنت اسمك منو وجيت من وين؟
أنا سوداني من أب سوري وأم صعيدية.. لكن سوداني بالميلاد.. من مواليد أم درمان شارع الشنقيطي سنة 1933.. خالي محمد حسين علي, صاحب مدارس محمد حسين الثانوية المشهورة.. اسمي حسن الحاج يوسف.
* متى بدأت النشل؟
عندما كنت في سنة رابعة كتاب بمدرسة البندر الأولية بود مدني وهي من أوائل المدارس بالسودان, قال لينا ناظر المدرسة: الليلة عازمكم سينما, وقال لينا كل واحد منكم يجيب قرشين ونص تمن التذكرة, وكان فيلم ارسين لوبين, (اللص الظريف), وكانت الرواية تحكي عن قصة عاشق لابنة مليونير, ولما طلب الزواج منها أبوها رفض لأنو العريس حرامي, وبعدين ارسين لوبين قام نشل وثيقة أملاك المليونير, وأنا شفت الحركة دي وعجبتني وقمت طبقتها بعد انتهاء الفيلم مباشرة في أصحابي ونحنا طالعين من السينما في الزحمة.
* وبعدين؟
وبعدين طبقتها في أولاد المدرسة, وبقيت نشال خطير وطبقتها على المدرسين وعلى ناظر المدرسة ذاتو وكان الله يرحمو اسمو الشيخ يوسف التركي, وبعد تميت سنة رابعة تركت المدرسة، ونزلت السوق اساعد أمي فى بيع الطعمية والبقلاوة، وكان عندها عربية قزاز شغالة بيها في السوق عشان تعيشنا بيها بعد وفاة أبوي, وأبوي كان من أثرياء مدينة ود مدني في الزمن داك ,عندو لكوندة مشهورة بود مدني (لكوندة حاج يوسف النجار) وكان يبيع المرطبات وكان من أثرياء ود مدني في الزمن داك, وبعد موت أبوي اتدهور حالنا, وترك لأمي 12 طفلاً.. وكنت أمارس النشل على الزبائن, ولما بقيت معلم كبير تركت بيع الطعمية واتفرغت للنشل..
* متى دخلت السجن لأول مرة؟
سنة 1949 اتحاكمت بسنتين سجن في قضية نشل وطلعت من السجن يوم 12/5/1951 وأنا معلم كبير بعد أن تعلمت مهارات جديدة في السجن، وبقيت مجرم كبير ومعتاد إجرام خطير، وكنت كلما اخرج من السجن يرجعوني تاني وقضيت في سجن مدني 22 سنة متقطعة, يعني بقيت زبون دائم للسجن, وكنت انشل العساكر ومرة نشلت مدير السجن ذاتو.
* متى حضرت إلى الخرطوم؟
جيت الخرطوم سنة 1975 بعد وفاة الوالدة وقدمت طلب لإدارة السجون وصدقوا لي بكشك لبيع الحلويات والسجائر بالخرطوم, عشان اعيش منو واخلي الإجرام, ومن داك الزمن وأنا اتنقل بكشكي من مكان لآخر وكل مرة ناس المحلية يطردوني من مكاني الى أن وصلت حلة كوكو, والحمدلله أنا عايش في أمان.
* كيف علاقتك بالأهل؟
علاقتنا بالأهل انقطعت بوفاة الوالد, وكل أخواني وأخواتي اتزوجوا وخلفوا إلا أنا عايش وحيد.
* بتسمع عن المؤتمر الوطني؟
ما بعرفو والله.
* رأيك شنو في الحكومة؟
ما بعرف عنها حاجة ولا داير اعرف.
* ليه أنت مش مواطن؟
لا.. هو في مواطن في الدنيا عايش كده؟
* كيف يعني؟
يعني عايش في الرصيف وما لاقي يأكل.
* طيب أنت نفسك في شنو؟
نفسي ارتاح.
انتهى الحديث.. وتركت المواطن الذي ينام ويأكل ويشرب على الرصيف ونسيت أن اعتذر له لأنني خالفت وعدي وسألته عن الحكومة والسياسة..

التيار

تعليق واحد

  1. دا عمك أبو توتة حلبي حلة كوكو ومعروف بحب الاكشاك وكلما يصدقو ليهو بي كشك يبيعوز

  2. واحد ابوه سوري وامه مصرية بطلعوه سوداني وليه كامل الحقوق من جنسية وتملك اكشاك , وثاني جدو من سلاطين دارفور بطلعوه “وافد” ايه المفارقات دي ,,

  3. الحيرني بقول خاله محمد حسين صاحب مدرسة محمد حسين … أنا درست في هذه المدرسة طبعاً هو مدفون في مدرسته …… كيف يكون خاله محمد حسين وهو نشال … وثانياً بقول أنه أمه صعيديه يعني مصريه …. وأبوه سوري ……. إذا كان خاله محمد حسين معروف في السودان الخيلان حنينين شديد وما بتركوا أولاد أخواتهم … في حاجه غريبه في الموضوع دا.

  4. اللوم والعتب على مدير المدرسة الذي علمهم فنون النشل من ارسين لوبين مباشرةً دون ان يدري عاقبة فعلته .

  5. حبـــابك يا بلدينا ربنا يرحمك ويتوب عليك وانت في ارذل العمر
    وتحياتي ليك ولكل اهلنا في مدني الجميلة

  6. حسين توتة عايش اول مرة اعرف هو فعلا كما ذكر انا من مدني والان موجود بها واعرفة وناس مدني بعرفوة كان راجل خطير وشفت وبتاع كلو لو كان في مدني كان عاش احسن من عيشتة دي واتمني يرجع لمدني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..