أخبار السودان

إقناع ديك المؤتمر الوطني

د. عبدالوهاب الأفندي

تابعت خلال الأسبوع الماضي بعض مراحل انعقاد المؤتمر الرابع لحزب المؤتمر الوطني السوداني، وفي نفس الفترة شاهدت أحد البرامج ذات الطابع الديني فتذكرت قصة سمعتها منذ سنوات عن حاكم عربي رحل عن دنيانا (رحمه الله) شهد الصلاة فاستمع من الإمام لخطبة مؤثرة. وبعد انتهاء الصلاة التقى الإمام والحاكم لتبادل التحايا، فقال له الحاكم: يافلان، والله لو لا أني أعرفك لكنت بكيت تأثراً من خطبتك! ونحن أيضاً كنا نود أن نبكي تأثراً ونحن نتابع ذلك البرنامج الديني، ونتابع جلسات المؤتمر الوطني، ونستمع للخطباء والمشاركين، وهم يهللون ويكبرون، ويبدأون بالبسملة ويربطون كل أمر بالمشيئة، ويحتفلون بديمقراطية الحزب، ويتحدون الآخرين حتى يحذوا حذوهم. تكاثرت أيضاً الوعود بالإصلاح الشامل، ومحاربة الفقر والدعوات للحوار والتوحد، ولكن?

كان يمكن أن تكون لنا ثقة في ما قيل، واعتباراً بما شهدنا وما سمعنا، لو أن أصحاب الأمر كانوا مقتنعين بقولهم وواثقين من فعلهم. فالإيمان بأن هذا حزب رائد قائد يمثل كل طوائف المجتمع السوداني، يستتبع الثقة بالنفس. والاعتزاز بوحدة الحزب والتفافه حول قيادته لا يستدعي التخويف من «مراكز القوى» والتهديد بضربها. أما الثقة بمقبولية رئيس الحزب مرشحاً للرئاسة وسنده الشعبي الذي يغري بالتعجيل بالانتخابات والاحتكام إلى الشعب يفرض كذلك سعة الصدر مع المعارضين والمخالفين. فهل شهدنا شيئاً من ذلك؟

في خضم نشوة الاحتفالات بانعقاد المؤتمر الحزبي، والتغطية الاحتفالية المشبعة في القنوات الرسمية وشبه الرسمية لفعالياته، ورد خبر صغير تناقلته وسائل الإعلام السودانية والأجنبية عن اعتقال الصحافي النور أحمد النور، مراسل صحيفة «الحياة» بالخرطوم، واقتياده إلى مكان مجهول. وبحسب الأنباء المتداولة فإن النور وصل إلى مكاتب صحيفة «التغيير» المملوكة لوزير الصحة بولاية الخرطوم، الدكتور مأمون حميدة، حيث يعمل مستشاراً بها، فوجد مجموعة من رجال الأمن كانت تترصده، اقتادته إلى جهة مجهولة ومنعته من الاتصال بأسرته، ولم تسمح بمعرفة مكان احتجازه أو إيصال احتياجاته الضرورية. وبالتالي حرم النور من متابعة المشهد «الديمقراطي» لمؤتمر الحزب الحاكم، وظل في مكان مجهول محروماً من الاتصال بأسرته وصحيفته، بينما كانت الخطب الحماسية تلقى في ساحة المعارض بالخرطوم تتحدث عن الانفتاح والشفافية والمحاسبة ولم شمل السودانيين.

ولكن المحاسبة لا يمكن أن تتم بدون إعلام حر. وتهمة النور أنه كان من قام بتحرير خبر بثته شركة «راسلات» لمشتركيها على الهواتف النقالة عن اعتزام الرئيس السوداني إصدار قرار بدمج شركات الكهرباء السودانية بعد أن كثرت الشكوى من تدهور أدائها. وتقول سلطات الأمن أن الخبر لم يكن صحيحاً، ولكن المعروف أن المسؤولية عن بث خبر ما تقع على الجهة التي بثته، وليس على من حرره، لأن الجهة الاعتبارية التي تتولى البث هي المسؤولة عن التأكد عن صحة ما تبث. وبحسب علمنا فإن شركة «راسلات» لم تتعرض ولا أي من كبار مسؤوليها لأي مساءلة في هذه القضية، ولم يتم وقف بثها ولا تعويق عملياتها. ويعود هذا لأن الشركة الخاصة تتبع وكالة السودان للأنباء المملوكة للدولة، وتبث أخبارها عبر الرسائل النصية بالتعاون مع الوكالة، ويقوم على إدارتها متنفذون على صلة وثيقة بالنظام والمؤتمر الوطني. وتعمل الشركة كذلك في مجالات اقتصادية، منها المجال المصرفي وتقديم خدمات أخرى، ولا تبث أي أخبار سياسية.

وهذا ينبئ عن محاولة لاستهداف الصحافي شخصياً، بدلاً من محاسبة المؤسسة المسؤولة. وكانت سلطات الأمن قد فرضت على صحيفة أخرى («الصحافة») في نيسان/أبريل 2013 إقصاء النور من رئاسة تحريرها تحت تهديد الإغلاق، مما أجبر الصحيفة على الانصياع. وتردد حينها أن تدخل الأمن كان سببه نشر خبر عن فساد في شركة الكهرباء المملوكة للدولة يتعلق بفضيحة شراء محولات غير صالحة عبر شركة خاصة. ويلاحظ أن الخبر هذه المرة يتعلق أيضاً بشركات الكهرباء. وهذا يعيدنا إلى حديث الرئيس عن «مراكز القوى» في المؤتمر الوطني، حيث يبدو أن بعض الشركات الخاصة هي التي تتحكم في الأجهزة الأمنية وبقية أجهزة الدولة. ويبدو أن هذه المراكز كذلك لا ينقصها الغباء. فقد كان يكفي نفي الخبر وتنتهي المسألة. وكثيرون من الناس لم يتابعوا ذلك الخبر ولم يأبهوا له. ولكنه الآن أصبح محور اهتمام العالم كله بسبب اعتقال النور، ولا بد أن الأمر يستدعي استقصاءً أكبر حول مراكز القوى المهيمنة على مؤسسات الدولة من كهرباء وأمن وحزب حاكم، وما هي أجندتها ومصالحها في هذه المسألة؟

ملخص القضية هي أن الحزب الحاكم يناقض نفسه بنفسه. فهم لا يقولون فقط ما لا يفعلون، ولكن يقولون الشيء ونقيضه ويفعلون أمراً ثالثاً. وكل ما نطلبه هو أن يصدقوا أنفسهم حتى نصدقهم. فإذا كانوا فعلاً مقتنعين بأن الشعب في صفهم، وأن المعارضة لا تمثل سوى فئات معزولة، فليسارعوا بإطلاق الحريات الإعلامية والسياسية، وعقد انتخابات حرة ونزيهة يقول فيها الشعب كلمته، حتى يلقموا المعارضة وبقية الشانئين حجراً، فتنتهي الحكاية.

وقد تكون هذه مناسبة، بعد عقد مؤتمر الحزب وما تبعه من طقوس احتفالية، وما ظهر من إصرار الحكومة على عقد الانتخابات في موعدها رغم اعتراضات الكل، أن يعلن الرئيس قرارات تطلق الحريات بلا قيود، وتتيح للأحزاب التي ارتضت العمل السلمي أن تعمل بحرية وفعالية لحشد أنصارها وإبلاغ رسالتها إلى الناخب. ولا بد كذلك من السماح للأحزاب والقوى المدنية بالرقابة على كل مراحل العملية الانتخابية، من تسجيل وترشيح وإنفاق انتخابي ودعاية، إلى آخره. ولو فعلت الحكومة لأعذرت إلى من ينكر عليها إسراعها إلى الانتخابات بدون وفاق وطني.

فليس أمام الحكومة إذا أرادت الخروج من أزمة البلاد، وهي في الحقيقة أزمتها هي ونظامها، سوى ثلاث خيارات. الأول أن تمضي في الحوار الذي ارتضته ودعت إليه، ولكن مع الوفاء بشروطه، والقبول بتأجيل الانتخابات حتى تفرغ من الحوار وتتوصل إلى الوفاق. والثاني هو أن تقبل بتشكيل حكومة وفاق وطني تشرف على الحوار والانتخابات معاً. فإذا لم تقبل بهذا ولا ذاك، فلا مفر من أن تعقد الانتخابات بحقها.

ولا بد من التذكير كذلك بأن الحديث عن قوة أي حزب وشعبيته يكون موضع شك في غياب المنافسة الحقيقية وغياب الحريات داخل الحزب وخارجه، وكذلك عدم وجود فصل واضح بين الحزب والدولة. فحين يكون رئيس الحزب هو أيضاً رئيس الدولة، وحين يكون غالبية الأعضاء هم موظفو الدولة (ويدخل في ذلك الوزراء وحكام الولايات والبرلمانيون)، ممن يعتمد بقاؤهم في وظائفهم على رضا الرئيس، فإن الحديث عن وحدة وتماسك لا معنى له. فالكل مجبر على الانصياع، ومن يعبر عن أدنى خلاف يطاح به، كما وقع مع د. غازي ورفاقه وكثير غيرهم. ولا نحتاج هنا للحديث عن أحزاب مزعومة ذابت مثل فص الملح عندما سقطت نظمها، ولكننا نذكر أن حزب المؤتمر الوطني نفسه شهد احتفالاً مماثلاً بقيادة الشيخ حسن الترابي في عام 1999، وبحضور أكثر من عشرة آلاف عضو، وقرارات حاسمة، إلخ. وبعد حوالي الشهر، صدرت قرارات رئاسية حولت مسار الحزب ومحت كل قراراته، وحولته إلى الكائن المدجن الحالي. ففي النظم الدكتاتورية، لا وجود لحزب حاكم ولا معارض خارج جيب الدكتاتور.

ولكن كما أسلفنا، المهم أن يقتنعوا هم بخلاف ما نقول حتى نقتنع معهم!

٭ كاتب وباحث سوداني مقيم في لندن

د. عبدالوهاب الأفندي
القدس العربي

تعليق واحد

  1. الديك أنا بقنعو بس كيف تقتنع أنت يا عبد الوهاب الأفندي بسقوط الحركة الإسلاموية في السودان وأنت إبن من ابنائها العاقين ، فالمطلوب أن تخرس ويخرس معك كل ابناء الحركة الإسلاموية في السودان ، ولا فرق بينك وبين الترابي والبشير ونافع وطه وأمين حسن عمر وحسن مكي وأحمد زين العابدين وعثمان ميرغني وغازي صلاح الدين ومن لف لفكم من تجار الدين فكلكم من مدرسة واحدة لا تنتج إلا المنافقين

  2. الدكتور عبد الوهاب الأفندى إبن عمنا وإبن قبيلة المناصير وإن مدينة بربر وإن السودان أخوانى النشأة فحين يكتب عن عورات النظام فهو قريب منهم وشاهدهم فى فترة من حياته ألاهى كما خلقتنى فقد كان معهم فى لباس واحد والعبارة ( إقناع ديك المؤتمر الوطني ) التى وضعها عنوانا لمقاله عبارة غاية فى الدقة والتعبير والذكاء
    يحكى أن رجل مريض نفسيا يرى نفسه حبة ذرة وما أن يرى ديكاً حتى ينخرط فى البكاء ويبحث عن مكان يخفى نفسه فيه حتى لا يأكله الديك لأنه حبة ذره
    أخذته أسرته لطبيب نفسي وبعد عدة جلسات علاجية سأله الطبيب : هل الأن أنت مطمئن لأنك إنسان سوي كامل وليس حبة ذره
    رد عليه الرجل المريض
    أنا مقتنع أنى إنسان لكن من يقنع الديك
    هذه هى القصة
    الأفندى يريد ان يقول أننا مقتنعون بأن هذه العصابة كاذبة فى كل ماتفعله وماتقوله ولا أمل ولا رجاء منها
    ولكن من يقنع الديك
    وبالديك يعنى ………….وليس الدجاجة غردون

  3. لمن انت يا ديك تور تقتنع بفشل المشروع الاسلامي والاسلام السياسي
    وتؤمن بان الديمقراطيه والمدنيه هي الحل
    وخلونا من هوسكم وخزعبلاتكم بتاعت الاسلام هو الحل .. لاننا لاشفنا حل ولاشفنا اسلام
    بعدين الديك ده مش جابو الديك داك بتاع اذهب للقصر رئيسا؟
    خلاص خليه يقنع الديك ويقلعه

  4. اختراح …نحدد يوم وتوقيت معين وكل ألمواطنين في كل مدن ألسودان تخرج في صمت للشوارع ألرئيسية وتواصل ألسير لمقر آلحكومه بدون هتاف وشعارات….المؤتمر الكيزاني اضعف مما تتخيلون…
    المهاترات الدائرة بين كيزان الموتمر وكيزان المعارضه ( بقية الاحزاب) والاتهامات كلها تكمن ‏ ف ذر الرماد في عيوننا وتحويل انظارنا عن الهدف الحقيقي… السلطة والمال هو هدف كل من في الساحه اليوم…قوموا يرحمكم اللة

  5. الديك انحنا بنقنعه بس البقنع التور الاسلامي بأنه المصيبة في الاسلام السياسي وليس في الاشخاص ولا في الحزب بل في فكر قاصر متخلف لايملك مقومات قيادة مسجد دع عنك دولة يا دكتور

  6. خليك من اللف والدوران يا دكتور في ما لا يعرفه ويحتاجه الاخرين يا رجل متى تنتصر للغب الذي تحمل وللمدنية والحرية التي تعيشها متى يا رجل .. عيب عليك أنت تكون جزء من هذا العبث وكأنك صحفي شاب يلتمس طريقه ولا يملك غير أن يكتب

  7. التحية لك د. عبدالوهاب الافندي وانت تكشف زيف وكذب المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون . البشير تعلم النفاق من شيخه الكبير الدجال بله الغائب فالذي يأمره به بله الغائب يفعله دون تردد . علينا جميعا كمسئولية امام الله اولا وكمسئولية تاريخية ثانيا يحفظها اجيالنا القادمة ان نكشف زيف حزب البشير وكذبه وخداعه للناس . هل تعلم ان اجهزة الامن السودانية تعتقل طالبات الجامعات وتتهمهن بالزنا ؟ هل يجوز ذلك شرعا ؟ هل يجوز لاحد ان يتهم اخر بالزنا دون اثباث شرعي ؟ . هل تعلم د. عبدالوهاب ان شرطة مباحث كسلا تغتصب النساء في الحراسات ؟؟ وهم من المفترض فيهم حماية اعراض وشرف الناس . هذه حكومة وسخة يجب ازالتها باسرع مما يكون . انا وانت وكل المؤمنين بفساد هذه الحكومة يجب ان يضموا الصفوف ويوحدوا الجهود لانقاذ الشعب السوداني من حكومة الدجالين المشعوزين تجار الدين . يجب علينا جميعا ان ندعو الى انتفاضة شعبية عارمة يعقبها عصيان مدني يعقبه انحياز القوات المسلحة والقوات النظامية الاخرى الى الشعب يعقب ذلك حكومة كفاءات انتقالية وبعد ذلك انتخابات حرة نزيهة تعبر عن رأي وضمير الشعب السوداني . يجب تقديم مرتكبي جرائم الابادة الجماعية واولهم السفاح البشير للمحاكم السودانية حتى يكونوا عظة وعبرة لكل طاغية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى