صفي الروح

(كلام عابر)

صـفــي الــروح

عبدالله علقم
[email protected]

قال صاحب العقد الفريد أن بزرجمهر سئل:من أحب إليك:أخوك أم صديقك؟ فقال:ما أحب أخي إلا إذا كان لي صديقا.
وقال أكثم بن صيفي:القرابة تحتاج إلى مودة والمودة لا تحتاج إلى قرابة.
وقال عبدالله بن عباس :القرابة تقطع، والمعروف يكفر ، وما رأيت كتقارب القلوب.
وفي هذا الزمان البخيل الأغبر سبقني إلى لقاء ربه الكريم رجل من أحب وأقرب من عرفت في دنياي ، فقد كان أخا لم تلده أمي. كان كمن يودع الناس قبل الرحيل إذ قضى سحابة يومه زائرا لهذا ومصافيا لذاك وناصحا لأبنائه حتى غربت الشمس فتوضأ أخي عثمان محمد عوض السيد جابر خير ما يكون الوضوء ثم نهض واقفا من وضوئه هاما بالخروج آمنا مطمئنا من داره في القضارف قاصدا المسجد المجاور للدار لأداء فريضة المغرب فداهمته ذبحة قلبية حادة لم تمهله إلا لحظات قليلة. قال النبي صلي الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما عندك من ذكر الموت أبا حفص؟ قال:أمسي فما أري أني أصبح، وأصبح فما أرى أني أمسي، قال :الأمر أوشك من ذلك أبا حفص،أما إنه يخرج عني نفسي فما أرى أنه يعود إليّ.
لم يكن صديقا وأخا أكبر فحسب بل كان الساعد والعضد وكنت دوما أشركه في أمري وأشدد به أزري في تواصل وجداني يتحدي البعد الجغرافي الذي جعلني مقيما في الدمام بينما بقي هو في القضارف التي أحبها وارتبط أشد الارتباط بإنسانها وأرضها يعمل في البنك الزراعي متدرجا في وظائفه حتى بلغ وظيفة مدير فرع البنك وتقاعد ، كانت سنوات عمره التي تزيد عن سنوات عمري وخبراته ومداركه تجعل منه ذخيرة من الحكمة لا تنضب آخذ منها متى شئت دون أن أنتقص منها شيئا. عندما رزق بباكورة أبنائه أطلق عليه اسم “هشام” ، ويومها قلت أنني لو أكملت نصف ديني ورزقت بالبنين فسأسمي أحدهم ” هشام” ، فتحققت الأمنية بعد سنوات بفضل من الله عزّ وجل.
قال الشاعر :
كم من أخ لم يلده أبوكا وأخ أبوه أبوك قد يجفوكا
لما طالت سنوات غيابي عن الوطن لتبلغ اثنا عشر عاما متصلة ، شد الرحال من القضارف وجاءني في الدمام أقصى شرق المملكة العربية السعودية ، ولا تحفظ ذاكرتي أحدا غيره ، قريبا كان أم صديق، تكبد كل هذه المشاق وسافر هذه الرحلة الطويلة. الفقد عظيم والمصيبة كبيرة ولكن جذور إيمان راسخ هي التي تجعل الإنسان يتقبل الموت كحقيقة مطلقة ووحيدة في الحياة.
قال الرسول صلي الله عليه وسلم (الصاحب رقعة في قميصك فانظر بم ترقعه).
لم يقتصر عطاؤه على أسرته الصغيرة ولكنه كان عضوا فاعلا في مجتمع المدينة ومن بناة حركتها الرياضية ومن صفوة مثقفيها ، كان سخيا بالحق ضنينا بالباطل وكان كريما جوادا من سلالة كرام جوادين في زمن ذهبت فيه حظوظ الكرام وأقبلت الدنيا على من دونهم.
رحم الله أخي أبا هشام، جمر الكبد وسقام الجسد، فرحيله شرخ في النفس، لا شك في ذلك ، ولكن المصيبة للصابر واحدة وللجازع اثنتان ، والصبر حيلة من لا حيلة له، ومن لم يرض بقضاء ربه فليخرج من تحت سمائه.
إنا لله وإنا إليه راجعون.

تعليق واحد

  1. اللهم اغفر له وارحمه وابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وزوجا خير من زوجه اللهم لا تحرمنا اجره ولا تفتنا بعده واغفر لنا وله…….. جبر الله كسرك

  2. رحم الله الفقيد. والله أنت أيضاً محبوب يا أبا هاشم. فقد عرفناك رجلاً فاضلاً وعالماً متواضعاً وذا بأس ونجدة. أطال الله لنا عمرك. دائماً نترقب كلماتك التي تعوضنا عن بعدك، وقد فعلت خيراً بإتحافك لنا بهذه الصورة لنرى ماذا فعل الزمان بك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق