أغبى ظاهرة في التاريخ

علي الصراف:

التهاوي المتتالي لأنظمة الإستبداد العربية ليس الأول من نوعه. لقد سبقتنا الى هذا "المجد" دول المنظومة الإشتراكية برمتها. ومع ذلك لم يتعلم أحدٌ من طغاتنا الدرس. نحن نعرف عن حكامنا أنهم غارقون بالجهل. ونادرا ما تجد بينهم من قرأ شيئا غير تقارير المخابرات. وإذا أخذت نموذج العقيد معمر القذافي فانه لم يثبت سوى انه رجل محدود المدارك، وذلك على الرغم من كل مهازل نظرياته.

وليس الحكام الآخرون أقل منه سطحية، خاصة عندما تنظر الى اللغة التي يتحدثون بها. فأساليبهم في التعبير تدل، بمفردها، على مستوى متدن من الثقافة، دع عنك القدرة على التأمل والتفكير. فمن لا تسعفه لغته في بناء فكرة واضحة المعالم يكاد من المستحيل أن يكون لديه عقل يؤدي أية وظائف. ومن المستحيل، بطبيعة الحال، أن يخرج بالإستنتاج الصحيح.

وليس في الاستبداد أي جديد. سوى أن المستبدين مستويات مختلفة. إذ عرف التاريخ منهم رعاعا من قاع الحثالة الإجتماعية، كما عرف أبطالا باسلين. بعضهم يستخدم السلطة لتحقيق هدف سام وجليل، وبعضهم يستخدم السلطة من أجل السلطة. وقد يبدأ أحدهم بشيء، فينتهي بالآخر. فيتحول من صاحب مشروع، الى صاحب مركز للشرطة.

فإذا نظرت في المسار الذي وصل به الكثير من حكامنا الى السلطة، فلن يصعب عليك أن ترى "أصل الأنواع" في عالم الجهل الذي ينتسبون إليه. ولا توجد أية ضمانة بأن مداركهم تفتحت، وهم في السلطة، على شيء آخر غير نقص المعرفة.

وفي حال كهذا، فقد كان من الطبيعي ألا يتعلم أحدٌ الدرس.
والدرس بسيط: سلطة القمع تنهار مهما طال بها الزمن.
وأول القمع يبدأ من حرمان الناس من حق الكلام.

لقد خلق الله البشر ولديهم ألسنة. وجعل لهم عقولا تحركها في كل اتجاه. منها ما ينطق دُررا، ومنها ما ينضح بالمبتذل. إلا أنها لا تصمت. ولا يمكن أن تفرض عليها الخرس. فهذا، في الجوهر، عملٌ مضاد للطبيعة أصلا.

ومثلما تتكلم الناس في كل شأن، فانها تتكلم في السياسة، وفي شؤون الحكم، وتنتقد وتشكو، وتتذمر، ويكون لها "رأي".

ولا تحسبن إنك إذا منعت تداول الرأي، منعته فعلا. بالعكس. فما يحصل هو إنك تمنحه طاقة للتحول الى قوة خفية، تنمو بهدوء، وتكسب أنصارا ومحازبين من بين كل الذين لديهم "وجهة نظر"، بل بين كل الذين تلحق سياساتك بهم بعض الضرر.
والحاكم الذي يقمع، إنما يقول، ببساطة، انه لا يريد أن يسمع.

وحيث انه لا يسمع إلا موّاله الخاص، ويفرضه على الجميع، فإن هذا الموّال، مهما كانت قيمته السياسية والأيديولوجية، فانه سرعان ما يذبل، لانه لا يستمد نسغ البقاء من النقاش واختلاف الرأي فيه. فيموت. ويتحول الى جثة متعفنة.

لقد قدمت الماركسية للعالم شيئا أكثر بكثير من نظام اقتصادي-اجتماعي متقدم. لقد قدمت فكرا وفلسفة من بين أرقى الفلسفات التي عرفتها البشرية. وما تزال كبريات جامعات العالم تُدرّس ماركس والماركسية لملايين الطلاب وتخوض المجادلات بشأنهما باحترام عميق للرؤية والمنهج والاستنتاجات المستخلصة منهما.

ولكن النظام الإشتراكي، الذي بُني على الماركسية، كان يوفر كل شيء، إلا الحرية، وإلا تعدد الرأي. فسقط.

لم تكن هناك بطالة، ولا فقر، ولا تمييز، ولا جوع، ولا تشرد، ولا أمية. ولكن ذلك النظام تداعى كما يتداعى جدار متهالك، برغم كل الفكر والفلسفة التي تقف وراءه.
لماذا؟ لأنه تفسخ بالقمع، ولأنه تعفن بالكبت، ولأنه برغم كل شيء لم يتمكن من أن يفرض الخرس.

ولا أدري ماذا قدم لشعبه زعيم مثل عمر حسن البشير، مقارنة بما كان يقدمه ليونيد بريجنيف او ميخائيل غورباتشوف من زعماء "الإتحاد السوفياتي".

ولا أدري أي خدمة يقدمها "قائد" مثل علي عبدالله صالح، غير الفقر والفوضى، قياسا بما كان يقدمه الدكتاتور الروماني نيكولاي تشاوشيسكو.

ولا أدري أي عبقرية كان يمثل حسني مبارك قياسا بما كان يمثله رئيس "ألمانيا الديمقراطية" ايريش هونيكر.

ولو وضعت العقيد حيال أتفه زعيم في أوروبا الإشتراكية، فان أنور خوجا كان يمكن أن يرفع دعوى قضائية احتجاجا على التشبيه.

ويكاد من المحير فعلا أن يسأل المرء "الرفيق" بشار الأسد ما إذا كان يقدم لشعبه أي شيء غير الكبت والحرمان والفقر، لكي يمنح نفسه الحق بسجن أي أحد يحاول أن يفتح فمه.

ولعله لا يسأل نفسه: على أيش يا حسرة؟ على تحرير لم يحرر شبرا؟ أم على إشتراكية لم تثمر إلا العوز؟ أم على "وحدة عربية" لم تسفر إلا عن تحالف مع الفرس؟ أم على نظام لا يغنّي إلا موّالا واحدا؟

إذا كان النظام الإشتراكي، بكل ما انجزه من رخاء اقتصادي واجتماعي، وبكل ما أرساه من قيم مساواة ورعاية وخدمات، قد انهار بسبب سياسات فرض الصمت، فبأي معنى يطمح زعماء الجهل ووارثوه أن يكبتوا الحق في الكلام وهم لا يقدمون شيئا مما كان يقدمه طغاة أوروبا الإشتراكية؟ على أيش، وهم لا يقودون إلا العوز والفشل؟

لقد حاول الرئيس التونسي زين العابدين بن علي أن يبني نظاما "تقدميا" على أساس مشروع للتنمية، وحقق الكثير، مما لا يحسن نكرانه. وبرغم الفساد، الذي لم يكن ليعرف مداه أحد، فقد كان بن علي، بالمقارنة المجردة، خيرا من كل نظرائه الآخرين، إلا أن نظامه كان، من باب آخر، نظام كبت وصمت. وكان، بفضله، أول الساقطين.

لو نظرت الى عدد الأنظمة التي انهارت بسبب سياسات فرض الصمت، لأدركت على الفور إن حرمان الناس من الحق في الكلام هو أغبى ظاهرة في التاريخ.

وهو خيار غبي ليس لانه يحول دون تجديد الفكرة بالفكرة، وليس لانه يضاعف فرص الفساد، بل لأنه يغلق بوابات السد على مجرى الماء.

وماء الحياة سيظل يتراكم ويعلو. ومهما كان جدار سدك سميكا، فانه في آخر الأمر ينهار. فحتى ولو كنت تقود أرقى نظام للخدمات والرعاية الاجتماعية، وحتى ولو كانت وراء نظامك فلسفة يجري تدريسها في كبريات الجامعات، فانك إذا فرضت الصمت على الناس، فان نظامك سوف ينهار. فما بالك وأنت لا تخدم ولا ترى ولا تقرأ ولا تفهم؟

حرمان الناس من الحق في الكلام، قد يناقض الطبيعة التي خلق الله خليقته على أساسها، إلا أنه بالدليل الملموس ليس أغبى ظاهرة في التاريخ فحسب، وبل وأكثرها ضررا بالطغاة أنفسهم.

ولعلك، يا حاكمنا المغوار، لم تفهم. ولكن لا تقلق. فهذا شيء طبيعي للغاية بالنسبة لك. فالله لم يخلقك لتفهم. وإذا فهمت، فكيف سوف تتوفر لنا الفرصة لنثور عليك؟

ألا حمدا لله على ما أعطاك من سلطة وجهل. ألا حمدا لله، على ما أعطانا من قدرة على "تداول الصمت". وقبل أن تنام، نرجوك، إذهب لتتأكد من أنك أغلقت بوابات السد.

فسدّ القمع أنفع لنا من نفعه لك. لاننا بعد تداول الصمت سوف نتداول الثورة.

العرب

تعليق واحد

  1. فليرحل البشير وزمرته ولترحل معه الاحزاب التي لم تستطع تحقيق طموحاتنا وليحل محلها احزاب جديدة وفق اسس جديدة وبرامج جديدة وليس وفق ايدلوجيات أو قبلية وعرقية ولا يسمح لكل من تشدق في السابق باسم السودان ان يعود مرة أخرى معاً لاللبشير ولا للمؤتمر الوطنى ولا للأمة ولا للاتحاد ولا للشيوعين ولا الناصييين ولا البعثيين ولا كل قديم نريد كل شيء فرش .

  2. في فقه الاخوان ان الشعب ليس سوي قطيع من الأغنام ورجرجه لايستشارون في أمورهم بل يقادوا كما يقاد القطيع والدليل ماقاله المدعو ابوقرون صاحب مايسمي بتزكية المجتمع بان الرجرجه لايستشارون ! فالشعب في أدب الكيزان ليسو سو أغنام ! ونحمد الله الذي كشف لنا هذه الجماعه الغبيه حتي لايكون لها وجد بعد الانقاذ في سودان المستقبل ، لن يكون هناك حزب ديني بعدها بإذن الله

  3. يا إلهي …. عندما جرت مقابلات تلفزيونية مع جعفر نميري بعد رجوعه للسودان ، كنت أشعر بالخجل لأن بلدنا لم تجد من يحكمها 16 عاما غير هذا الرجل …كأنما عقمت بلادي من الإنجاب إلا من أمثال ذاك الذي يصيح بأعلى صوته أمام كل العالم : ( …. لا أريد أسيرا و لا جريحا …) أو : ( … أمريكا و انجلترا و فرنسا تحت جزمتي ) أو يروي عنه شيخه لمدة تقارب الأربعين عاما قوله ذاك الذي لم يسبقه إليه أفحش الفحشاء و أسوأ العنصريين حينما قال قولته المنكرة : (الغرباوية كان ركبها جعلي ، ده شرف ليها أم اغتصاب ) ….. لو كنت في حزب كان مستوى رئيسه هكذا لتركته غير آسف …. حظ بلادي أن يتقدمها أصحاب الرؤوس الفارغة الضخمة و الأيادي الملطخة بالدماء و يقوم بتلميعه أصحاب المصالح و أهل الوعي المثقوب …… متى يقيض الله لنا زعيما مقداما عفيفا مثقفا أمينا ؟؟ متى ؟؟؟ …

  4. صبرأ ايها الشعب السودانى الحر الكريم ان أوان رحيل هؤلاء السفلة ارازل القوم فى مؤتمر السجم والندم قد حان وسوف يزهبون قريبأ بأزن الله الى مكانهم الطبيعى فى براميل القازورات انه زمن المهازل ان يحكم السودان البشير الهارب الراقص ومعه حفنة من اللصوص الاوغاد حثالة البشر أرزل من مشى عللى ارض السودان الرعاع امثال نافع وبكرى ومصطفى عثمان وعبد العرب الاصليين الطيب مصطفى وكمال عبد اللطيف وصلاح قوش وعلى كرتة ومندور المهدى وقطبى المهدى وكل سافل ينتمى للمؤتمر الواطى لقد اطلوا علينا بأوجههم القبيحة وأياديهم القزرة فى غفلة من الزمن لكن قؤيبا بأزن الواحد الاحد سوف تصيبهم سيئات ما مكروا بأزن الله سبحانه وتعالى اللهم دمرهم وشتت شملهم اللهم اجعل كيدهم فى نحرهم اللهم اجعل دائرة السوء عليهم بقدر ما تلاعبوا وكزبوا ونهبوا وقتلوا بأسم دينك الحنيف هؤلاء الاوباش الاوغاد

  5. الغباء قد يكون نقص في التعليم او العقل لاسباب عده اما رئيسنا المغوار هذا اقل ما يوصف به انه اسود القلب و حاقد علي المجتمع مع الجهل و العنتره في الفاضي

  6. أبشر الجميع من داخل السودان ان الغضب وصل مداه والناس أصبحت تتناول موضوع التغيير فى كل مكان فى الجامعة وفى مكان العمل وفى المناسبات وفى المساجد ، والحكومة أصبحت تتخذ فى خطوات اذا دلت انما تدل على ان الخوف أمتلكها كموضوع حل اللجان الشعبية فى السودان والسعى لتشكيل لجان جديدة ، وفصل أكثر من مائتان وخمسين ضابط جيش للتشكك فى إنتمائهم للمؤتمر الشعبى ، وفتح ملفات الفساد

  7. ابو شلاليف قصر الله عمره مدعي الاستعراب…….. في حين ان مواطني الدول العربيه حين يذكر اسم السودان يشيرون الا افريقيا … أما هم فجعلوا انفسهم في شبه جزيره الاعراب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..