السودان وبدء المهمة الشاقة

إقامة دولة جديدة ربما تكون مدعاة للتفاؤل. لكن جنوب السودان سيبحر فى مياه مضطربة وعميقة عند إعلان الاستقلال رسميا غدا، ليقسم أكبر بلاد أفريقيا إلى بلدين.
وفى حين ستتصدر الحكومة الاحتفالات فى العاصمة الجديدة، جوبا، فإن حياة معظم المواطنين ستظل على صعوبتها، بينما يخيم القلق على حدود الدولة الجديدة. لقد زرت السودان مرات عديدة عندما كنت أعمل مساعدا للأمين العام للأمم المتحدة للشئون الإنسانية، وكانت دارفور وما زالت أكبر عملية إنسانية فى العالم، حيث يظل الصراع المميت قائما دون حل. وفى الجنوب، وبرغم إنهاء اتفاق السلام للحرب الأهلية الطويلة والدموية بين شمال وجنوب السودان عام 2005، فإن عشرات الآلاف من المدنيين ما زالوا يعانون من اندلاع القتال من حين لآخر، بينما تقف المنطقة دائما على حافة الكارثة بفعل دورات الجفاف والفيضان.
وفيما تراجعت الآمال العريضة فى أن يكون الاستقلال بداية لمستقبل أفضل للجنوب، فإن بعض الإشارات الحالية تنذر بالشؤم. فقد أدى استيلاء جيش الشمال على منطقة أبيى الحدودية المتنازع عليها فى مايو الماضى، والقتال فى جنوب كردفان بين القوات الشمالية والميليشيات المحلية، إلى فرار أكثر من 186 ألف شخص، حسب إحصاءات الأمم المتحدة. ولم يتوصل الفرقاء حتى الآن إلى حل لقضايا مثل الحدود واقتسام عائدات النفط. وسرعان ما تبخر القدر القليل من الثقة.
وتذكِّر التقارير الواردة من جنوب كردفان بالأعمال الوحشية التى شهدها الماضى: سقوط ضحايا للقصف الجوى وسحب الناس من بيوتهم لإعدامهم. وقد تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وهناك اقتراح بإرسال قوة حفظ سلام إلى أبيى، لكن إيصال المعونات الإنسانية إلى هذه المناطق لا يزال مقيدا بشدة.
ويواجه الآلاف من الرجال والنساء والأطفال الآن، ممن فروا نجاة بأرواحهم، خيارا مرا بين العودة إلى منطقة الحرب الدائرة أو البقاء فى معسكرات مؤقتة خلال موسم الأمطار تحت تهديد الأمراض ونقص الغذاء والماء.
وقد جعلت اضطرابات الحدود، التى امتد لتشمل النيل الأزرق كذلك، شمال السودان وجنوبه أقرب ما يكون إلى الحرب الشاملة خلال فترة عملى بالمنظمة الدولية بين 2007 و2010. ولم يكن من الممكن تخيل آثار ذلك ــ إذ حصدت الحرب الأهلية بين شمال البلاد وجنوبها، التى استمرت عشرين عاما، أرواح أكثر من مليونى شخص. وقد بذل الاتحاد الأفريقى والأمم المتحدة والضامنون لاتفاقية السلام فى السودان الكثير من أجل تقسيمه.
وبحسب تقرير جديد بعنوان «ما وراء التعهد» صدر فى الأول من الشهر الجارى، يرى ائتلاف عالمى يضم منظمات المجتمع المدنى فى أنحاء السودان والدول المجاورة له وأوروبا والولايات المتحدة أن التعهد الدولى المطرد والقوى بكل من شمال السودان وجنوبه مهم لوضع حد لسلسلة العنف. وهم على حق تماما، حيث سيؤكد إعلان الدولة غدا على ضرورة ألا يتوقف الالتزام الدولى المكثف بعد الاستقلال.
وحتى فى ظل عدم وجود الصراع الحالى والمحتمل، فإن جنوب السودان، كدولة جديدة، ستواجه تحديات إنسانية ضخمة. فغالبية سكانه تعيش على أقل من دولار يوميا، بينما لا يزال الكثير من الأمراض منتشرا، مع الارتفاع الكبير فى نسب الوفيات بين الأطفال والأمهات، فى الوقت الذى تشكل فيه المجاعة خطرا حقيقيا قائما. وهذه التحديات شاقة بالنسبة لحكومة راسخة.
وبالنسبة لحكومة شابة لا زالت تعمل على إقامة مؤسسات فاعلة وتواجه بالفعل الاتهامات بسوء الحكم والفساد والاستبداد.. تبدو المهمة شاقة، مشقة تسلق قمة جبل إفرست.
من هنا، فعلى المجتمع الدولى أن يكون صديقا أمينا ثابتا لجنوب السودان خلال العملية الشاقة لبناء الدولة، والمساعدة فى انتشاله من الفقر، وإقامة بنى حكومية قوية وخاضعة للمحاسبة. ولا ينبغى للمشكلات أن تحول دون التعهد والدعم بل يجب أن تعزز أهمية الحب الشديد فى هذه المرحلة. ولا ينبغى اعتبار التاسع من يوليو ذروة الجهود الدولية حول السودان، بل بداية لفرصة أبعد مدى لتعزيز السلام والاستقرار فى إقليم مضطرب. وهى فرصة لا ينبغى تفويتها.
الشروق



