أخبار السودان

(الناهِب العام)..!!

عثمان شبونة

* في نوفمبر من العام الماضي؛ كانت هنالك جلسة لا طعم لها؛ تفوح منها رائحة غير محببة..! الجلسة خصِصت ــ في البرلمان ــ لتعديل الدستور؛ واعتذر عن حضورها المحامي الشهير كمال الجزولي؛ ملخصاً لا جدواها بالكلمات المحكمة التالية: (بما أن الالتزام بالدستور أهم من تعديله، وأن الإنشغال بالتعديل في هذه الحالة مضيعة للوقت والجهد، فإنه يرفض قبول الدعوة).. وزاد على ذلك بحجج في قمة (الوجاهة) والوعي..!
* تساءلنا وقتئذ وقلنا: دعونا ــ بحسن الظن ــ نفترض أن الجزولي لبى الدعوة وسُمِح له (مقاماً ومقالاً) بفعل ما يشاء؛ و(فقهوا قوله) ثم أيدوه؛ وصفقوا له ــ صدقاً أو بهتاناً ــ فهل بعد ذلك سيكون النظام الحاكم في عصمة (من الزلل)؟! هل سيمشي على صراط مستقيم ولا ينزلق في دروب الانتهاكات (الوعرة)؟! هل بلادنا بحاجة إلى تعديلات دستورية مادام الدستور نفسه ينتهك من أعلى سلطة؛ ومادامت المحسوبية تصل ذروتها إذا تم القبض على كادر ينتمي للتنظيم الحاكم؟! الخ.
* وقلنا أيضاً: مع كل الهرج السياسي والفوضي المتصلة بوجود الحزب الحاكم وأجهزته حول الدستور؛ تظل قضية السودان (سياسية) تتعلق بالطفيل نفسه..! فلم يكن الدستور الذي يضعه البشر عقبة لأمة من الأمم (صياغة ــ وتنفيذاً)؛ إنما العقبة الأولى والأخيرة في (إرادة الطغيان) حينما يحكم أمة (على هواه) وترى بعض أجهزته أنها فوق الدستور والقانون..!
* في عدد الأربعاء 25 يناير الجاري؛ خصّ المحامي صالح محمود صحيفة (الجريدة) بحديث مهم لزميلتنا سعاد خضر؛ فحواه (نقد موضوعي) بعدم جدوى استحداث منصب النائب العام في ظل غياب الديمقراطية ووجود القوانين المتعارضة مع الدستور..! فوق ذلك إشار إلى الحصانات التي لا تنفع معها الإصلاحات..!
* حديث المحامي صالح لخص الأزمة ــ بلا كلفة ــ وهي أصلاً واضحة؛ ابتداء من رئيس السلطة الذي (يحكم ويتاجر في ذات الوقت!!) وعليه ما عليه من (الأثقال) المتعلقة بحقوق العباد.. و.. لا يخضع للمحاسبة في (كبيرة أو صغيرة) كأنه ليس ابن آدم وحواء..! لا برلمان أو غيره يجرؤ لمحاسبته أو لمجرد إشارة (خجولة) تخدشه..! فهو (لا يأتيه الباطل) كما يخبرنا حال الحكومة وذراعها الأيمن (البرلمان)..!
* وبعيداً عن (القيادات) التي بنيت على باطل منذ سرقتها لحكم السودان؛ فإن أجهزة السلطة المنتهكة لحقوق الإنسان (فعلاً وقولاً)؛ ثم تتجمل سلطتها خارجياً (بالأكاذيب والفضيلة!)؛ هذه الأجهزة تظل أكبر من أي دستور (بحصاناتها) وألاعيبها الأخرى التي تفضحها الممارسة العلنية؛ دون الحاجة لأمثلة (مكررة)..!
* محمود أشار إلى خلاصة جوهرية بالقول: (إن من صلاحيات النائب العام ملاحقة أي مجرم حتى لو كان مسؤولاً حفاظاً على حقوق الشعب، والنظام الحاكم ليس من أولوياته ملاحقة المجرمين؛ بدليل عدم تقديم المسؤولين المتورطين في قضايا فساد الى محاكمة عادلة، وشدد محمود على أن الحصانات لا تمكن من تحقيق اصلاحات أساسية في النظام العدلي بالبلاد، وتمسك بأهمية تطبيق اصلاحات تساهم في تحقيق متطلبات البند العاشر الخاصة بقرار مجلس حقوق الإنسان؛ والتي تتمثل في تقديم مساعدات ضرورية لاجراء اصلاحات في القوانين بالإلغاء أو الإضافة والتعديل حتى تتواءم مع الدستور والمعايير الدولية). انتهى.
* ما أعلمه جيداً أن أذرع الدكتاتورية (القابضة) المسيطرة على بلادنا؛ لا تحترم (معايير دولية) أو حقوق إنسان؛ بل يبوح بعض سدنتها متفاخرين بذلك دون مبالاة (من خلال تجارب شخصية وعامة!) بينما الحكومة (المُستعبَدَة) لها وجه آخر يطأطئ وينكسر سراً وجهراً أمام الخارج؛ ثم نراه يستأسد داخلياً على الدوام.. فهل ننتظر من استحداث منصب النائب العام تغييراً لطِباع المنافقين؛ الجهلة؛ والمجرمين؟!
* إن الدكتاتورية ستظل دائماً فوق النقد؛ فوق الدستور؛ وحقوق الإنسان (ترف) بالنسبة لديها؛ فالأصلح البحث عن سبل أبعد من (شكليات) مؤسساتها الموضوعة تحت (مركوب) الدكتاتور..! أعني سُبل جماعية تدك هذا الواقع السياسي الذي لا يشرف (الموتى) ناهيك عن الأحياء..! ولا سبيل أوسع من العصيان والثورة..!
* بإختصار: حاجة السودان إلى قائد شرعي (لا شق فيه) وحكومة محترمة (بلا عصابات) تظل ماسة أكثر من حاجته إلى (دواوين) يصفعها الطغيان والفساد المحصَّن (بالحديد المسلح)..! السودان ظل يفتقد النائب العام (الحق) هذا صحيح.. ولكنه في أشد الافتقاد لجهة تردع (الناهِب العام)..!!
أعوذ بالله
الجريدة (النسخة الممنوعة).

تعليق واحد

  1. القانون لا وجود له إن لم يطبق وكذلك الدستور ، وحالة السودان الراهنة لا وجود لقانون أو دستور ، لأن أي فرد ينتمي للحاكم وإن كان قريب جار حرسه فهو فوق القانون .إذن القانون لا وجود له إلا في الكتب

  2. قسما عظما انك رجل خرجت من صلب رجل ايها الصاطع بالحق في كل حين غير مبالي من عصبة الديكتاتور وليت كل الصحفيين يقتدوا بك شجاعة وجهرا بالحق.سلمت ياعثمان شبونة وسلمت يداك.

  3. بشهادة فقهاء وخبراء فى القانون ان دستور 2005 الذى تحكم به الدوله الان هو من اعدل الدساستير لو طبق تطبيقا عادل وبنيه خالصه وضمير حى . ولكن يا ابوعفان اين النيه الصادقه والضمير الحى؟ فقد دفنت مع الراحل القائد الوطنى واحد رواد التنوير وحملة مشعل الوعى ابن السودان البار جون قرنق . كان قرنق احد مهندسى دستور 2005 . ولو كتب له ان يعيش لرأيت ياعزيزنا الدستور وقد طبق بحدافيره وبالشوله والنقطه ولكان سودان موحدا . . ولكنها ارادة الله والله غالب.الغد للحريه والجمال واطفال اصحاء

  4. يتقازم الرجال أمامك أيها الأسدالجسور
    دمت فخرا للسودان وللمناضليين
    ولابد من ديمقراطيه وإن طال السفر
    كما يقول المناضل فتحى الضو

  5. تعرف يا شبونة انت جدير بالاحترام وصدقنى لو اتت الديمقراطية والتى اراه راى العين فسيكون لك شان فى ادارة هذا السودان العظيم الذى يحوى امثالك وان شاء الله لن يكون لمثل هؤلاء الاراذل الحرامية سارقى قوت الشعب وسوف يذهبون الى مزبلة التاريخ باذن الله وسيظل السودان شامخا يمثله امثالك ايها البطل

  6. الدستور يا شبونة ناموس يحكم مجتمع لو فى المجتمع متسلط و تبيعة تملك القوة رغم محدوديتها الحجمية فلو كنا نخشاهم خوفا فسوف يستمرأون
    لممارسة العتيفة ظنا منها بالقوة الوهمية التى يمنحها لها ضعف الممارس عليهم لكن لو تصدى كل فرد لدرأ الظلم عن محيطه لما سيطر علينا الوهم و الخوف
    عزرا لعدم الترتيب

  7. الاستاذ عثمان شبونة وصف من الصميم تجسيد للواقع والمطلوب لاعداد الوقود وتزويد اشعال ثورة التغيير التي اصبحت على مرمى حجر والثورة آتية وغدا ستشرق الشمس طالما تخطينا نجاح العصيان المدني والجوع يلهب في البطون ولا تهمنا السجون غدا الثورة فإما نكون أو لا نكون ولنا في شهدائنا قدوة وأمامنا عدو لئيم لا يستجيب ولا يلين ولا يغادر في سكون… هم ينوون محرقة البلاد واهدار الكرامة والاقتصاد فلا ذهب يفيد ولا بترول ولا زراعة ولا ماء ولا أرض تبقت … الصمت الرهيب على الوضع العجيب … لقد آن الاوان للثورة على اللئام.

  8. هذا المقال أروع من كل تعليق! البرلمان بالنسبة للنظام الفاسد مجرد ديكور لتمرير قرارات الدكتاتور الحاكم ومسئوليه الفاسدين بانتزاع المزيد من أموال الغلابى وزيادة المشقة عليهم بمختلف المسميات لزيادة رفاهية الطغمة الحاكمة وتابعيها وزيادة الإنفاق على أمن النظام الظالم، أما حاجة النظام الفاسد إلى الدستور فلا تتعدى حاجته إلى تعديله كلما عنَّ للدكتاتور الحاكم أن يخرق الدستور ليفعل ما يوافق هواه وإن أضر ذلك بالأمة بأكملها، ولن يتردد الدكتاتور الحاكم ونظامه الفاسد في خرق الدستور حتى بعد تعديله ليوافق نزوة أخرى من نزوات الدكتاتور الحاكم .. آل تعديل الدستور آل!

  9. سؤل للأخ البدون ..
    ما علاقة الكاتب عثمان شبونة ب حسين خوجلى .. ؟؟؟
    وكيف ولماذا حكمت على عثمان شبونة بالجنون ؟؟

  10. السودان ظل يفتقد النائب العام (الحق) هذا صحيح.. ولكنه في أشد الافتقاد لجهة تردع (الناهِب العام)..!!
    انتهى
    الثانية معلومة فما بال الاولي ؟؟؟

  11. وبدلاً من أن يعدل الدكتاتور الحاكم قراراته هو لتناسب الدستور، يعدل الدستور ليناسب قراراته هو! حكمة والله وحكاية! ولماذا يسمونه دكتاتوراً إذاً؟ عشان بعمل كده!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..