أخبار السودان

في التميُّز

تحقيق : أسماء ميكائيل اسطنبول

شاب يصيح بأعلى صوت وسط تجمع من الشباب الذين يجلسون أمام ست شاي بجوار مستشفى “التميُّز” بالخرطوم، ويقول: يا أهل المروة يا من كانت له مروة، وظل يردد يا أهل المروة، فاستوقفه أحد الجالسين يدعى أسامة قال: نحن أصحاب المروة ما الأمر؟ قال: لقد جئت بوالدتي من منطقة حلفا الجديدة، وهي في أشد مرضها، وطلب الأطباء دم وليس لديّ شخص في الخرطوم ولا أعرف شخصاً.

دفع في كل شيء

قال أسامة: أخذنا الشاب ودلفنا نحو بوابة “التميُّز”، أنا ورفيقي، وعندما وصلنا نحو غرفة بنك الدم (في داخل مستشفى التميُّز) وبعد ملء بيانات الاستمارة من العمر والسكن وغيرها من بيانات، هنا أصبنا بدهشة بالغة عندما طلبت الطبيبة الذهاب لدفع الرسوم، فقلنا لها: أي رسوم؟ قالت: هنالك رسوم لابد من دفعها لكل شخص أتى من أجل التبرع بالدم، ففي هذه اللحظة لم أعرف ماذا أفعل، هل أضحك أم أزعل، قلت لها: هذا لم يحدث من قبل، نحن متبرعين بالدم، وفي ذات الوقت ندفع قروش، فهذا موقف غريب، وبعدها أخذنا الورقة ثم ذهبنا إلى المدير الطبي من أجل الاستفسار عن هذا المبلغ، وكان قدره سبعة جنيهات ونصف، (ولكن يجبر ويصير ثمانية جنيهات)، فوقفنا أمام المدير الطبي ما يقارب الخمس دقائق، ولكن لم يعرنا اهتمام لإنشغاله بالهاتف، وبعد الانتهاء وجهنا له سؤالاً، كيف نتبرع بالدم وفي ذات الوقت تدفعونا قروش؟ فلم نجد رداً، فكان هذا جزء من الشكوى التي وردت من المواطنين، مما يجدونه في مستشفى “التميُّز” من دفع مبالغ في كل شيء وأي شيء، على حد قول المواطنين.

المريلة بالقروش

وأما الموقف الثاني فكان لأحد سكان المربع المجاورين لمستشفى “التميٌّز”، حيث سرد العم إسماعيل قصة أخاه عندما توجه نحو مسجد الحي، وكان يسير بكل حزن، قال: لقد خرج كل المصلين الموجودين في داخل مسجد الامتداد مربع6، وهم في حالة فزع لما أصاب أحد المصلين، وكان ذلك عند صلاة الظهر، ويواصل العم إسماعيل قائلاً: رجال كبار في السن ذرفوا الدموع لما أصاب شقيقي سيد حسن، نتيجة لحادث ركشة في أثناء ذهابه إلى المسجد كالمعتاد لأداء الصلاة، وعندما أصابه ما أصابه حملناه على أكتافنا نحو مستشفى “التميٌّز” (بالقرب من المنزل)، وكان تجمع رهيب من المصلين، وحاله يرثى له، فتفاجأنا عندما طلب الأطباء إحضار عشر قزازات دم، فقلنا لهم: من أين نأتي بها ؟ردوا بكلمة: اتصرفوا، فالحمدلله ابنتي تعمل في الحقل الطبي، استطاعت أن تجلب خمس قزازات دم، وأوعدوها بأن تأتي غداً سوف يوفر لها الخمس الأخرى، لأن المريض لا يحتاج لكل هذا الدم، ورغم ذلك سنجهز لك الخمس قزازات الأخرى، وكانت المفاجأة الكبرى عندما جاء الطبيب مرة أخرى وهو يطلب منا شراء اثنين من مرايل العملية، وقدرها تقريباً 500 جنيه، وقالوا: واحد من أجل الطبيب عندما يدخل للعملية والأخرى نلبّسها للمريض عند دخوله غرفة العملية، فصمت برهة ثم انفعل قائلاً: هل يعقل يا جماعة في هذه المستشفى أن يحضر المريض أو أهل المريض حتى لباس العملية؟ ثم واصل حديثه مستغفراً قائلاً: استغفر الله العظيم، ولكن ما يجري في مستشفى “التميُّز” غير موجود حتى في الأرض، والشيء المؤسف أن مأمون حميدة صرّح بمجانية العلاج في “التميُّز” أو بمعنى أصح في المستشفيات الحكومية، وقبل ما يدخل أخي للعملية توفي فأصبحت لدى مستشفى التميز مريلتان وخمس قزازات دم.

دمغة اجتماعية ودمغة ولاية

أما الموقف الثالث فحدث للمواطن أبو بكر، قائلاً: عندما مرضت أختي وكانت تعاني أسعفت إلى مستشفى “التميُّز” فمنذ دخولنا وحتى خروجنا قروش في قروش، والمعروف أن “التميُّز” حكومي والعلاج مجان، وإذا كانت هنالك رسوم من المفترض أن تكون رمزية قطعت حديثنا والدته قائلة، وهي تقسم والله، (كذابين ناس “التميُّز” لو ما دفعت قروش مايهبشوك هبش لو كسرتي رقبتك)، ثم وصل حديثه قائلاً: والشيء الذي جعلني في حيرة من أمري عندما ذهبت للشباك من أجل الحصول على إيصال لدخول المريض، وجدت شيء غريب فاندهشت عندما وجدت كتب على الورقة بعض أسماء رسوم، وكانت غير مقنعة، حيث كتبت رسوم دمغة ولاية، وقيمتها جنيه، وأيضا هنالك رسوم كتب عليها دمغة اجتماعية، فأصبحت في حالة سؤال، ولايوجد مجيب من فرض هذه الرسوم؟ والغرض منها شنو؟ رغم أن القيمة قليلة جنيه فقط، ولكن كم شخص سيدفع هذا الجنيه، وذاك الجنيه (دمغة اجتماعية ودمغة ولاية)، ومن حقنا أن تبرر الجهات المسؤولة هذه الرسوم.

شباك واحد

وأما الموقف الرابع حدث لربة المنزل ندى عبدالله، قالت: عندما مرض ابني قبل يومين، وكان يعاني من حمة شديدة واستفراغ، فعندما ذهبت به إلى “التميُّز” وجدت تجمعاً رهيباً من الناس، أما شباك التذكرة، فهنالك من يريد أخذ تذكرة من أجل زيارة مريض له، وآخر من أجل الدخول للطبيب، والبعض منهم للفحص، وكل هذه العددية في شباك واحد، فحاولت جاهدة أن أحصل على تذكرة، ولكن لم أستطع، وبعد طول انتظار بدأ طفلي في الاستفراغ، فجاء أحد الشباب وأخذ مني المبلغ ثم حصل لي على تذكرة للدخول، فهل يعقل أن يكون هنالك شباك واحد في مستشفى كبير مثل “التميٌّز”؟ فهذه المستشفى من ناحية النظافة ما شاء الله عليها، وخدمات متوفرة، ولكن كل شيء بالقروش، من الدخول وحتى الخروج بقروش.

جرجرة ومماطلة

فحملت كل هذه التساؤلات واتجهت نحو مكتب المدير الطبي بمستشفى “التميُّز” وبعدما عرّفته بشخص، وأنني من صحيفة (التيار) بادرني بسؤال لماذا تقوم الجهات بإغلاق الصحيفة باستمرار؟ فلم أجد له رداً، ثم قال: خير يا ناس (التيار) لقد جاءت شكوى من المواطنين بخصوص مستشفى “التميُّز” رد قائلاً: لا أستطيع الإجابة على الشكوى، (من قبل أن أعرف مضمون الشكوى )، فقلت له: سوف أذهب وأسرد الشكوى في تحقيق، ولكن في نهاية الأمر يجب ألا تعتذر المستشفى، وتقوله: ليس لدينا علم بخصوص هذه الشكوى، صمت برهة ثم قال: دقائق، لابد أن اتصل بالمدير الطبي لأنني ليس مخوّلاً لي بالحدث، وفي ذات الوقت أنا مدير طبي بالإنابة، وبالفعل حاول الاتصال كذا مرة بالمدير، ولكن لم يوفق في الرد، فاعتذر وقال: المدير الطبي لا يرد، ولكن ضعي الأسئلة ورقم الهاتف سوف نتصل بك، فقلت له: سوف أعطيكم فرصة من هذا اليوم السبت إلى الثلاثاء، وحتى الثلاثاء لم يتصل بي أحد، فذهبت مرة أخرى إلى مستشفى “التميُّز” فوجدت ذات الطبيب عندما وجدني أمامه تعذّر بأنه نسي أن يخطر المدير الطبي، وبعدها أجرى كذا اتصال ثم قال: شبكة الهاتف هنا غير جيدة، فخرجنا سويا إلى خارج المستشفى، وحاول كذا مرة، ولكن ظل الأمر كما، هو ثم رجعنا مرة أخرى إلى مكتب المدير الطبي، فانتظرت فترة من الزمن، ثم قال: انظري لهذه المستشفى كيف نظيفة، هل قابلتي مستشفى حكومي نظيفة بهذه الطريقة؟ فقلت له: الشكوى لم تأت عن نظافة المستشفى، بينما جاءت عن الرسوم التي تفرضها المستشفى سواءً أكانت قليلة أو كثيرة، رد قائلاً:(أنت قايلة القروش دي بتمشي جيوبنا)، قطع حديثنا أحد الأطباء عندما دلف إلى المكتب، فقال له المدير الطبي بالإنابة: هذه صحفية وجاءت تسأل عن رسوم الدم، وقبل أن يكمل حديثه رد الطبيب: أنت جاية تسألي من الرسوم ما تمشي أسالي عن إبراهيم مالك، لماذا مغلق قسم الجراحة وله أكثر من ثلاثة أيام؟، وهنا رد المدير الطبي: مغلق من أجل التعقيم، ثم وجه لي سؤالاً: أكيد بتعرفي يعني شنو تعقيم، وبدأ يشرح، وفي أثناء شرحه حاول هاتف المدير الطبي مرة أخرى، وعندما رد بدأ هو بالحديث وطرح الأسئلة ويعطي الأمين العام الإجابة، فاستأذنته ممكن أن أتحدث معه، وبالفعل أخذت من الهاتف واتفقت معه على يوم الأربعاء.

فرضها المجلس التشريعي

ففى يوم الأربعاء اتصل الأمين العام، فطرحت له كل الأسئلة، قائلة: هنالك رسوم تفرضها إدارة المستشفى على المريض وهي اثنان جنيه كالآتي: جنيه دمغة ولاية وجنيه دمغة اجتماعية، ماذا تعني ؟ ومن فرضها ؟ ومن أجل من؟ قال: قام بفرضها المجلس التشريعي، وهذه سياسة دولة لا نستطيع التدخل فيها، ثم وجهت له سؤال أيضاً، هنالك رسوم تفرض على المتبرعين بالدم وهي ثمانية جنيهات؟ قال: رسوم فحص قد يكون المتبرع لديه مرض، فلابد من الفحص. باغته بسؤال: هل في كل المستشفيات توجد رسوم للمتبرعين؟ رد: لا علم لي، وبالنسبة لرسوم المريلة وهي 500 جنيه، للمريض وللطبيب الذي يجري العملية، وقال: هذه الرسوم كانت ليومين عندما حدث عطل في جهاز التعقيم وتوقف، فبدلاً من تحويل المريض إلى مستشفى آخر وقد يقبل به أو لا يقبل به، والحمدلله الآن الجهاز اتصان وأصبح يعمل، أما بالنسبة للشباك فهنالك ثلاثة شبابيك وليس واحداً.

يجب أن نتكافل

ثم حملت هذه التساؤلات إلى الأستاذ التجاني وزون رئيس الاقتصاد بالمجلس التشريعي، قال: بالنسبة للدمغة الاجتماعية وهي قيمتها جنيه تدعم بها وزارة التنمية الاجتماعية، ونحن مجتمع يجب أن نتكافل، وهذه الدمغة من الدورة الفائتة، أما بالنسبة لدمغة الولاية، ففي الأصل هي دمغة لذوي الاحتياجات الخاصة، ولاختصار كلمة ذوي الاحتياجات الخاصة سميت بدمغة ولاية، أما بالنسبة لرسوم المتبرعين بالدم يجب أن تتصلي بالأستاذة زهو الصادق وهي رئيس الصحة بالمجلس التشريعي، وعندما اتصلت بها كذا مرة أجابت بأنها مشغولة فعاودت الاتصال مرة أخرى، ولكن لم أجد رداً، فهل هذه الرسوم مقنعة حتى وأن كانت بسيطة؟، فأين دور ديوان الزكاة؟ بل أين نتائج المشاريع التي تديرها الرعاية الاجتماعية؟.

الصيحة

تعليق واحد

  1. احد اهم انجازات دولة المشروخ الحضاري انها رفعت يدها عن الصحة و التعليم، فبعد ان كان العلاج مجاني لكل المواطنين ايام الفساد اصبح المواطن يدفع مقابل العلاج كراعه في رقبته في عهد الحكومة الاسلاموية ذات المسيرة القاصدة!
    و الجبايات في عهد الاسلامويون اصبحت ذات طبيعة مركبة و متشابكة اذ ان مقابل اي خدمة رسوم و مع الرسوم تلك جبايات اخرى من جنس دمغات و دعم و خلافه .. يعني انك تدفع للخدمة و مع الدفع تدفع تاني لعدة جهات ف نفس الفاتورة!
    و من اغرب ما راينا لما كنا نعمل في الصحة ان المريض يدفع رسوم كشف ثم يدفع رسوم ملف ثم اذا تقررت له عملية يدفع رسوم العملية و لكن مع دفع رسوم العملية فانه مطالب بان يشتري الشاش و المشمع و اليود او اذا كان مكسور فعليه احضار الجبس و القطن غير الرسوم طبعا… ثم يدفع رسوم المختبر و يشتري الدواء و عليه احضار اكله بنفسه و احضار ملاية السرير و المخدة و كيسها و لان العنابر مسخنة فعليه احضار مروحة
    التحية للمشروخ الحضاري و الدولة الرسالية ذات المسيرة القاصدة

  2. احد اهم انجازات دولة المشروخ الحضاري انها رفعت يدها عن الصحة و التعليم، فبعد ان كان العلاج مجاني لكل المواطنين ايام الفساد اصبح المواطن يدفع مقابل العلاج كراعه في رقبته في عهد الحكومة الاسلاموية ذات المسيرة القاصدة!
    و الجبايات في عهد الاسلامويون اصبحت ذات طبيعة مركبة و متشابكة اذ ان مقابل اي خدمة رسوم و مع الرسوم تلك جبايات اخرى من جنس دمغات و دعم و خلافه .. يعني انك تدفع للخدمة و مع الدفع تدفع تاني لعدة جهات ف نفس الفاتورة!
    و من اغرب ما راينا لما كنا نعمل في الصحة ان المريض يدفع رسوم كشف ثم يدفع رسوم ملف ثم اذا تقررت له عملية يدفع رسوم العملية و لكن مع دفع رسوم العملية فانه مطالب بان يشتري الشاش و المشمع و اليود او اذا كان مكسور فعليه احضار الجبس و القطن غير الرسوم طبعا… ثم يدفع رسوم المختبر و يشتري الدواء و عليه احضار اكله بنفسه و احضار ملاية السرير و المخدة و كيسها و لان العنابر مسخنة فعليه احضار مروحة
    التحية للمشروخ الحضاري و الدولة الرسالية ذات المسيرة القاصدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى