عطلة تلاميذ السودان في الشارع

ما إن أغلقت المدرسة أبوابها وبدأت العطلة المدرسيّة (مارس/ آذار – يوليو/ تموز)، حتى حزم محمد (11 عاماً) أمتعته، لينتقل من قريته في ولاية الجزيرة (وسط السودان) إلى العاصمة الخرطوم، برفقة عدد من أبناء قريته وأقربائه. فخلال العطلة المدرسيّة، يعمل الأطفال في أسواق الخرطوم كباعة متجوّلين. ويقول لـ “العربي الجديد”، خلال تنقّله من سيّارة إلى أخرى في أحد شوارع العاصمة علّ أصحابها يقتنعون بشراء المناديل منه: “هذه المرة الأولى التي آتي فيها إلى الخرطوم برفقة عمّي”، مشيراً إلى شخص يكبره بعامين فقط، ويحمل بدوره صندوقاً فيه مناديل ورقيّة. يوضح أنّ والده طلب منه التوجّه إلى الخرطوم والعمل فيها خلال العطلة، حتّى يتمكّن من تأمين بعض مصاريف المدرسة، وشراء ملابس وحذاء وحقيبة جديدة، وتأمين احتياجاته اليوميّة. يضيف: “بالنسبة إلى والدي، الأفضل أن أذهب إلى الخرطوم لأنّني سأقضي الإجازة في لعب كرة القدم، وأتعرّض لإصابات يوميّة. لست وحدي، فقد رافقني نحو 20 شخصاً. نستأجر بيتاً، ونخرج للعمل منذ الصباح الباكر ونعود مساء ونكسب جيداً”. مع ذلك، كان يفضّل اللعب مع أصدقائه في الحيّ والفوز، لافتاً إلى أنّه يفوز عليهم دائماً رغم إقراره بتعرّضه لإصابات مقصودة، بسبب غيرة أصدقائه منه.

محمد هو أحد الأطفال الذين دفعتهم أسرهم إلى العمل كباعة متجوّلين في الخرطوم. وعادةً ما يرافقهم راشد ويوجّههم ويوفّر لهم وسائل العمل المناسبة، ليقضوا أوقاتهم في اللّحاق بالناس، والبقاء ساعات طويلة تحت أشعّة الشمس الحارقة، فيما يحتمي آخرون بظلال الأشجار.

وتُربك العطلة المدرسيّة عدداً كبيراً من الأسر السودانيّة التي تبدأ في التفكير في كيفيّة استغلال العطلة، فيختار عدد منهم توجيه أطفالهم نحو العمل كباعة متجولين أو مساعدة آبائهم في حال كانوا تجاراً. ويلجأ آخرون إلى إلحاق أولادهم بمخيّمات صيفيّة. أما الطبقة الأكثر يسراً، فتختار إلحاق أطفالها بنوادٍ ومراكز مختلفة لتعلّم الموسيقى أو السباحة أو كرة السلة وغيرها. كذلك، تختار أسر السفر، أو إرسال أبنائها لقضاء عطلتهم في منزل الجد والجدة في الريف.

تقول هناء، وهي موظّفة، ولديها ثلاثة أبناء أكبرهم في الصف السادس، إنّ العطلة الصيفيّة تربكهم، خصوصاً أنّها تضطرّ إلى تركهم في المنزل إلى حين انتهاء عملها. تضيف: “خلال ساعات عملي، لا أكون مرتاحة، إذ يقضون ثماني ساعات من دوني”. تضيف: “من حين إلى آخر، أرسلهم إلى والدتي”، لافتة إلى أنّها تعارض دروس التقوية خلال العطلة، وتفضّل أن يرتاح الأطفال”.

من جهتها، تقول أم كلثوم، التي تبيع الشاي، إنّها تنتظر الإجازة بفارغ الصبر، حتّى يتوجه أولادها إلى سوق العمل، ليساعدوها في تأمين مصاريف البيت، عدا عن اكتسابهم مهارات فرديّة، إذ يصبحون أكثر قوة وقدرة على تحمّل المسؤولية. أما إيثار، وهي ربّة منزل، فتقول إنّ أطفالها يمضون إجازتهم في المنزل، ويلعبون مع بعضهم بعضاً، لافتة إلى أنها لا تسمح لهم بالخروج إلى الشارع. وتوضح أنّ بعض الأسر تحرص على الدفع بأبنائها إلى الشارع، انطلاقاً من أنّ الشارع مدرسة بحدّ ذاته، لكنّ الوضع اختلف اليوم، وقد بتنا نخشى الشارع بسبب انتشار المخدرات وكثرة جرائم الخطف وغيرها. تضيف: “يمكن أن تنقضي الإجازة من دون أن نتمكّن من الذهاب إلى المنتزه، بسبب ضيق الوقت وسوء الأحوال المعيشية”.

إلى ذلك، ترى الباحثة الاجتماعيّة أسماء جمعة أنّ عدم وجود نوادٍ وأماكن ترفيه خاصة تؤدّي إلى ممارسات خاطئة قد يتضرر منها المجتمع في المستقبل. وتوضح أنّ الأهالي غالباً ما يخشون العطلة، مضيفة أنّه “قبل أيام، تحدّثت مع مسؤول في إدارة الدفاع المدني، وأبلغني أنّ شهر مارس/ آذار يقلقهم بسبب زيادة حوادث الغرق، إذ يلجأ الشباب والأطفال إلى السباحة في النيل هرباً من الحر”.

وترى جمعة أنّ لجوء العائلات إلى إرسال أطفالها إلى دروس التقوية خطأ، لافتة إلى أهميّة الإجازة وقضائها في نشاطات بعيداً عن الدراسة، إذ تساهم في تحضيرهم للعام الجديد بإيجابية أكبر. هنا، تتطرق إلى أهمية تحمّل الدولة مسؤولياتها في تأهيل نوادي تكون مناسبة لاستيعاب تلاميذ المدارس. بدورها، تشير الباحثة الاجتماعية آمنة عبد المطلب إلى “ممارسات خاطئة خلال العطل تؤثر على الأطفال، منها إرسالهم إلى الشارع من دون أيّة رقابة”. وترى أن فترة الإجازة حساسة وتتطلّب التعامل مع الأطفال بوعي.

العربي

زر الذهاب إلى الأعلى