تعاني من إشكاليات متعددة: الخطوط الحمراء تُضعف توزيع الصحف في السودان

صلاح الدين مصطفى

الخرطوم ـ : أجمع عدد من الصحافيين السودانيين على أن غياب حرية التعبير يعد سببا أساسيا لتراجع توزيع الصحف بجانب عوامل أخرى، وشكّك الكثيرون في الآليات المستخدمة في إعداد تقرير مجلس الصحافة الذي يصدر سنويا ويوضح أرقام التوزيع.
ويبلغ عدد الصحف التي تصدر في السودان 44 صحيفة منها25 سياسية و11 رياضية و8 صحف اجتماعية وتطبع حوالي 116مليون نسخة في العام وتوزع حوالي 72مليون نسخة سنويا، وتراجع توزيع الصحف في عام 2016 بنسبة 21٪.
واعتبر الصادق الرزيقي رئيس اتحاد الصحافيين السودانيين أن الإشكالية الكبرى التي تواجه الصحافة في السودان تكمن في الحرية والقيود التي تكبل الفضاء القانوني والتشريعي الذي تعمل فيه.
لكن الأمين العام لمجلس الصحافة يرى أن «الحرية المتوفرة للصحافة السودانية لا توجد في الكثير من البلدان» ودافع عن طريقة رصد المجلس لأرقام التوزيع مؤكدا أنها عملية يوميا يعدها مختصون وتوافق عليها الصحف.
وانتقد عبد العظيم عوض جهل الصحافيين بالتشريعات وقال إن بعض رؤساء التحرير طالبوا بإعادة الرقابة القبلية لتجنيبهم الكثير من الحرج.

تدخلات في عمل الصحف

ويقول الصحافي نور الدين مدني إن هناك تراجعا واضحا في توزيع الصحف ويُرجع ذلك لأسباب مختلفة منها «التدخلات المباشرة وغير المباشرة التي تحد من المصداقية والمتابعة المعبرة عن الواقع وهذا يضعف التنافس الإيجابي بين الصحف».
ويرى مدني أن كفالة حرية التعبير والنشر وعدم التدخل الفوقي في الأداء التحريري من العوامل المهمة ﻻسترداد جاذبية الصحف للقراء، إضافة إلى دعم الطباعة وتحرير الإعلان من اﻻستغلال السياسي. ويقول إن أغلب الإحصائيات التي تتحدث عن التوزيع غير دقيقة مشيرا إلى عدم وجود تدقيق في مدى صحة أرقام المطبوع والتوزيع.

الخطوط الحمراء

ويقول الصحافي حسن بركية إن معاناة الصحافة السودانية مركبة ومعقدة، ويضع غياب حرية التعبير في مقدمة المشاكل التي تعاني منها وعلى رأسها «تدخلات الإجهزة الرسمية بصورة مباشرة وغيرة مباشرة منها ما بات يعرف وسط الصحافيين بـ(الخطوط الحمراء) حيث تمنع الصحافة وعبر أوامر شفهية (بالهاتف)من تناول الموضوعات التي تقع في دائرة الخطوط الحمراء».
وهو يرى أن الحد من حرية الصحافة ساهم ضمن عوامل أخرى في تراجع الصحف وتراجع المطبوع منها والتوزيع وفيما يتعلق بتقرير المجلس القومي للصحافة والمطبوعات عن أرقام التوزيع والانتشار يقول: «للأسف المجلس لا يملك أي آليات مستقلة للقيام بالمهمة ويستقي المعلومات من شركات التوزيع والمطابع وهي مملوكة للصحف التي لها مصلحة مباشرة في أرقام التوزيع والانتشار وذلك بسبب تأثير تلك الأرقام على توزيع الإعلان».
وفي تقديره أن الحل يبدأ بأن تكف الدولة عن التدخلات والتأثير على عمل الصحافة والصحافيين وأن تكون الجهات الرسمية المعنية بحماية وتطوير الصحافة مثل المجلس القومي للصحافة واتحاد الصحافيين أجساما حقيقية فاعلة وتضطلع بمهامها بدل أن تظل مجرد هياكل فارغة المحتوى والمضمون وتقوم بتزيين التعدي على الحريات الصحافية.

آليات المجلس غير دقيقة

ويقول الصحافي ايمن مستور: «من الواضح أن تقارير مجلس الصحافة حول انتشار وتوزيع الصحف لا تحصل على الرضا من قبل عدد من الصحف والصحافيين، لأنه يحصل على هذه المعلومات من شركات التوزيع والصحف نفسها». ويقول إن «ما يصدره هو ما توفر له من معلومات وهذه الآلية ليست دقيقة كفاية لتحديد نسب التوزيع والانتشار للصحف في السودان، كما أن هناك صحفاً مدعومة من الحكومة وأخرى محرومة حتى من الإعلانات الحكومية وهذا يحدث خللا في عدالة المقارنة حول الانتشار، في الحقيقة المجلس لا يملك آلية دقيقة لاصدار أرقام مؤكدة لمثل هذا الرصد».
ويرى أيمن ان تكاليف صناعة الصحافة في السودان أصبحت باهظة كما يشكو الناشرون، ولهذا تقلص عدد المطبوع وعدد الكوادر المحترفة وكاد ان ينعدم التجويد، بجانب ارتفاع سعر النسخة إلى خمسة واربعة جنيهات كل ذلك أدى إلى فقد الكثير من القراء الرغبة والثقة في متابعة الصحافة، وفي رأيه أن الحل لاستعادة هؤلاء القراء هو تحسن الأوضاع المعيشية أولاً للقارئ الذي يدفع ثمن الصحيفة من قوت قومه، ثم صحافة حرة على الأقل وذات مؤسسات قوية بعيدة من الهيمنة والتدخلات الحكومية.

مناخ غير مناسب

ويقول الكاتب والمحلل السياسي عبد الله رزق: «من الطبيعي، ان تتمكن الصحف من استعادة علاقتها بالقراء، عندما يتوفر لها مناخ ديمقراطي، فالمناخ السياسي والقانوني الآن غير موات».
وهو يرى أن تجاوز الصحافة لكل المعوقات التي تواجهها حاليا رهين بتغيير جذري في الأوضاع العامة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد حاليا. ويضيف أن ليس من المتوقع، في ظل الأوضاع الراهنة، ان يكون دمج الصحف، الذي يبدو ان التقرير، يمهد له كحل تتبناه الحكومة، يمكن ان يكون حلا جذريا، يحقق استجابة معقولة للتحديات التي تواجه الصحافة.
ولا يعتقد رزق ان تقرير مجلس الصحافة والمطبوعات الأخير عن انتشار الصحف يعطي أساسا متينا لرؤية وضـــع الصــحـــافة، وتـحـــديد مستقبلها. ويقـــول إن آليات المجلس للاستقصاء عن واقع الصحافة وانتشارها، ربما شابها نوع من القصور.
ويفسر بقوله إن التقرير تجاهل بعض أهم العوامل التي تحكمت في عملية التوزيع والانتشار في الآونة الأخيرة. «فقبل عدة شهور من صدور التقرير، اضطرت الصحف لزيادة أسعارها، وهي زيادة سبقتها زيادات في السنوات القليلة الماضية، ترتب عليها بشكل تلقائي، خفض المبيعات إلى جانب خفض كمية المطبوع لتفادي زيادة الخسائر».

إزالة أكشاك التوزيع

ويورد عبد الله رزق سببا آخر لانحسار توزيع الصحف «فقد شهدت الشهور الأخيرة، في العاصمة على الأقل، عملية إزالة واسعة لأكشاك الصحف، التي تمثل النوافذ الرئيسية لبيع الصحف في العاصمة، من قبل المحليات بحجة تنظيم الأسواق، وهو أمر له تأثير على سوق الصحف».
زيادة أسعار الصحف، في ظل تدني الدخول والأجور، وضعف القوى الشرائية للمواطنين، كان لها أكبر الأثر على المبيعات. ويقول رزق إن هذا الأمر لا يتعلق بمقروئية الصحف «ففي وقت سابق اشتكى ناشرو الصحف من من يسمون بالسريحة، وهم الباعة المتجولون، حيث يقومون بتأجير الصحف، بدلا من بيعها للقراء، ومن ثم اعادتها لمراكز التوزيع». وحسب رزق فقد تراجع توزيع الصحف في العاصمة من 76٪ في المئة قبل خمس سنوات إلى 70٪ حسب التقرير، وكانت نسبة 14٪ حينذاك هي نسبة توزيعها في الأقاليم، وفق تقرير سابق.
ويرى عبد الله أن التوزيع في الأقاليم تواجهه مشكلة لوجستية. «ففي الفاشر مثلا كانت الصحف تصل بعد منتصف النهار، وتتحمل، مع ذلك، زيادة في السعر عن ارتفاع تكلفة النقل الجوي. وهي كلها أسباب لاعلاقة للصحف بها، أسباب موضوعية، تضاف لها».

قبضة القوى الأمنية

ويرى الصحافي محمد الفاتح يوسف أن الأسباب الحقيقية لتدهور الصحافة في السودان تعود بشكل مباشر لوقوعها تحت قبضة القوى الأمنية المسيطرة على الدولة، مشيرا إلى أن هذه القوى أصبحت تحرر الصحف بطريقة غير مباشرة حيث «أصبح جهاز الأمن يعين رؤساء التحرير لتمرير الخط التحريري الذي يرغب فيه إضافة إلى استخدام الرقابة الناعمة عبر التلفون والاجتماعات الدورية مع ناشري الصحف ومناقشة القضايا التي لا يرغب الأمن في نشرها.»
وهو يرى أن هذا السلوك حول 80٪ من عمل الصحافة إلى أداة لبث الدعاية الحكومية وما تبقي لرصد ونقل أخبار لا تهم المواطنين لذلك «تحولت الصحافة لجهاز يعمل بطريقة الإذاعة والتلفزيون الحكوميين نفسها لذلك عزف القراء عنها إضافة إلى ضعف المحتوى الذي لا يتناول قضايا الناس وارتفاع سعر الصحفية خاصة في الولايات».
وبخصوص تقرير مجلس الصحافة والمطبوعات عن أرقام توزيع الصحف يقول إن «المجلس لا يملك آلية مستقلة للتحقق من التوزيع لأنه يعتمد على معلومات من المطابع والشركات التي يسيطر عليها الأمن ويمكن ان تتلاعب في المعلومات كما أن الناشرين لا يصرحون بأرقام التوزيع والنشر خوفا من الضرائب والجبايات».
ويرى الفاتح أن استعادة القراء تتطلب تحرير الصحافة من قبضة جهاز الأمن الذي أصبح يمتلك مطابع وصحف ويقول إن تهيئة بيئة الحريات تبدأ بوقف الاجراءت الاستثنائية التي تمارس من قبل القوانين الأخرى تجاه الصحافة مثل قانون الأمن وإعفاء مدخلات صناعة الصحافة من الرسوم والجبايات الحكومية.

تأثير الصحافة موجود

أما الصحافية والكاتبة شمايل النور فترى أن تراجع التوزيع الورقي أصبح واضحاً خلال السنوات الأخيرة، لكنها تعتقد أن هذا التدهور لا يعني تراجع تأثير الصحافة في أي حال.
وتقول:» الإعلام الرقمي خصم من التوزيع الورقي، ولم يخصم من الإعلام الورقي، لأن الإعلام الرقمي، أو ما نسميه النشر الإلكتروني يعتمد على ما يُنشر ورقياً لحد كبير، مثلاً، الآن بإمكاني أن أتصفح مواد منشورة في عدد عشرة صحف، لكن هذا يكلفني أقل من سعر صحيفة واحدة، هناك مواقع إلكترونية تخصصت في جلب المواد المنشورة ورقيا من كل الصحف وتقديمها عبر نافذة واحدة».
وتُرجع شمائل النور ضعف ارتباط المواطن بالصحافة باعتبار «أنها لا تعبر عن قضاياه بالحجم الذي يراه هو، فهي غارقة في الشأن السياسي الصفوي».
وبخصوص آليات مجلس الصحافة والمطبوعات لرصد توزيع الصحف تقول: «ما أعلمه أنه يأتي بأرقام المطبوع والتوزيع من المطابع وشركات التوزيع، لكن هذه الآليات طبعا لا تشمل النشر الإلكتروني للمطبوع ورقياً، هناك مواقع توفر لك إحصائية التصفح، هذه لا يشملها تقرير المجلس، ولا يمكن تجاهلها، أعتقد أن المجلس يحتاج لتطوير آلياته لتستصحب معها إعادة النشر الورقي إلكترونيا. لكن بالآليات الحالية، من الصعب أن نقول ان الصحافة تراجعت أعني التداول والتدوير الذي يتم للمواد عبر المواقع التفاعلية، وفيسبوك وواتساب على وجه خاص».

الرقابة الأمنية

شبكة الصحافيين السودانيين كيان حر يدافع عن حرية النشر، الصحافي خالد احمد من أبرز القائمين على أمر هذه الشبكة يرى أن أسباب إنحسار توزيع الصحف مختلفة ومن ضمنها «الرقابة الأمنية والخطوط الحمراء وسيطرة رجال مال الحزب الحاكم على الصحف وبذلك أصبحت نوعية المادة الصحافية وملامستها لقضايا الناس ضعيفة وأصبحت أغلب الصحف تعبر عن النظام لذلك تراجع المواطنون عن شرائها».
ويضيف إلى ذلك ضعف المادة الصحافية أيضا لتراجع مستوى الصحافيين نتيجة لانعدام التدريب وهجرة الكفاءات المتميزة، ومن العوامل الأخرى حسب خالد أحمد: «الوضع الاقتصادي المتدهور بشكل عام في السودان والذي يؤثر على صناعة الصحف حيث اثر ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنية السوداني في مدخلات الصحافة خاصة الورق وهذا أثر في حجم المطبوع وأدى إلى ارتفاع أسعار الصحف وأصبح المواطن يجد صعوبة في شرائها، إضافة لزيادة الضرائب المفروضة على الصحف».
وهو يرى أن الحل يكمن في تحسين أوضاع المهنة وتدريب الصحافيين ورفع القيود عن العملية الصحافية لتكون معبرة عن الشعب والمواطن البسيط وان تكون سلطة رابعة بشكل حقيقي بجانب تخفيض الضرائب. على الصحف، مشيرا إلى أن شبكة الصحافيين السودانيين ظلت تضغط لأجل تحقيق ذلك باعتبار ان الصحافة الحرة هي صوت الناس الوحيد للتعبير ولكشف الحقيقة.
القدس العربي

تعليق واحد

  1. كلهم داروا حول نقطه واحده هي السلطة والأمن وليس هناك حل لأن الفساد يزداد كل صباح فهل يعقل أن يفك الأمن قبضته على الصحف مش ممكن ولكن التحدي ان تستمر الصحف حتى تسجل نضالها ضد الطغمة الحاكمة فقد اشترت الحكومة الذمم كالصحفي البوني أما أن تستمر الصحف أو تركن للدنيا مثل البوني ومني أبوزيد وكابو وفرفور وهلم جرا

  2. ويبلغ عدد الصحف التي تصدر في السودان 44 صحيفة منها25 سياسية و11 رياضية و8 صحف اجتماعية . كمية هائلة من الصحف وضياع ورق وتلوث بيئة وتكلفة توزيه ولمة مافي ليها داعي وهلم جرا انتهي عهد الورق الصحف العالمية اصبحت علي النت ممكن اشتراك في الموقع وعلي النت والاعتماد علي الاعلانات ايضا .

  3. المجهر السياسي ، أخبار اليوم ، الدار ، الإنتباهة وجرائد ضياء الدين بلال و محمد عبد القادر و جميع الجرائد الرياضية .. والله العظيم لو يرسلوهن لي كلهن كل يوم لحدي بيتنا و يدوني ليهن بالمجان ما أقرأ منهن حرف واحد !! خليك من أضيع قريشاتي و زمني فيهن !!!

  4. كلهم داروا حول نقطه واحده هي السلطة والأمن وليس هناك حل لأن الفساد يزداد كل صباح فهل يعقل أن يفك الأمن قبضته على الصحف مش ممكن ولكن التحدي ان تستمر الصحف حتى تسجل نضالها ضد الطغمة الحاكمة فقد اشترت الحكومة الذمم كالصحفي البوني أما أن تستمر الصحف أو تركن للدنيا مثل البوني ومني أبوزيد وكابو وفرفور وهلم جرا

  5. ويبلغ عدد الصحف التي تصدر في السودان 44 صحيفة منها25 سياسية و11 رياضية و8 صحف اجتماعية . كمية هائلة من الصحف وضياع ورق وتلوث بيئة وتكلفة توزيه ولمة مافي ليها داعي وهلم جرا انتهي عهد الورق الصحف العالمية اصبحت علي النت ممكن اشتراك في الموقع وعلي النت والاعتماد علي الاعلانات ايضا .

  6. المجهر السياسي ، أخبار اليوم ، الدار ، الإنتباهة وجرائد ضياء الدين بلال و محمد عبد القادر و جميع الجرائد الرياضية .. والله العظيم لو يرسلوهن لي كلهن كل يوم لحدي بيتنا و يدوني ليهن بالمجان ما أقرأ منهن حرف واحد !! خليك من أضيع قريشاتي و زمني فيهن !!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى