أخبار السودان

هبة سبتمبر ومآلات النضال

فتحي فضل

رغم كل شئ و التصدع فى العمل المعارض من جراء الخلافات غير المبدئية خاصة وسط الأجنحة المسلحة والتي كانت لفترة تعتبر من أحد الركائز المهمة لحركة المعارضة في نضالها ضد نظام الانقاذ ومن أجل استرداد الديمقراطية، وإزاحة النظام الدكتاتوري، وبناء نظام وطني ديمقراطي بديل.

تحاول بعض القوى المعارضة التكيف بما يطرحه المجتمع الدولي والاستعانة به والاعتماد عليه، والتكيف مع شعارات”الهبوط الناعم” عبر الأشكال المتعددة ومن ضمنها “الحوار الوطني” وكأن نضال شعبنا قد وصل إلى نقطة الصفر وبالتالي تجب العودة إلى مواقف ما بعد 2005م.

وبالطبع هناك سلسلة من الهزائم أمام أعيننا، سببها الرئيسي تقاعس المعارضة، وتردد قياداتها. سلسلة من الهزائم على رأسها ارتدادات الثورة المضادة متمثلة في “انجازات” الانقاذ أكبرها انفصال الجنوب.

ففي الثلاث عقود الماضية استطاعت قوى الثورة المضادة ممثلة في نظام الانقاذ وتوابعه الخفية والمعروفة من الارتداد بانجازات شعبنا التاريخية، والتضحيات الجسام التي قدمها منذ معارك الاستقلال إلى الآن في النضال من أجل تنفيذ المهام الأساسية لمرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية وبناء التحالف الاستراتيجي لذلك الهدف النبيل.

وفي سبيل الموقف التاكتيكي الذي كثيراً ما يتحول لبديل للهدف الاستراتيجي تضييع الفرص بالنهوض بالحركة الجماهيرية وتختلف الصعوبات في وجه تقدم الحركة الجماهيرية نحو هدفها الأسمى، وهو اسقاط النظام، وبداية المسيرة الطويلة نحو البديل الوطني الديمقراطي.

وفي الثلاثة عقود الأخيرة لم يتوقف نزيف الدم ولا تضحيات شعبنا من أجل أهدافه النبيلة.

ومنذ الأيام الأولى لنظام الانقاذ ورغم بشاعة الإرهاب الذي أطلقه إلا أن كلمة المعارضة بناء على مبادرة حزبنا، اتخذت شكل وحدة العمل واستطاعت تنفيذ بعض الخطوات المشتركة.

لكن وكما أن الشمس لا يمكن تغطيتها بغربال فالحقيقة لا يمكن تغطيتها بالشعارات والكلمات المعسولة ولقاءات الصالونات المعزولة عن الجماهير. ورغم كل تضحيات شعبنا، وحلمه الأبدي في معاركه مع النظام. والاستعداد للمزيد من التضحيات والاقدام؛ إلا أن تردد بعض أطراف المعارضة وتغيير المواقف في لحظات الخيار الصعبة. حيث تغلب المصلحة الطبقية والحزبية والموقف الوطني العام. أدت محاولة التهرب من الموقف العام والمصلحة العامة، محاولات احتكار العمل المعارض والادعاء بمركزة العمل في يد النخبة بعيداً عن الجماهير هذه النخبة المسؤولة تاريخياً عن الفشل الذريع في النضال من أجل بناء السودان الجديد. والتي تحمل المسؤولية الأولى في مصادرة الديمقراطية والفشل في الدفاع عنها وحمايتها. والاستفتاء عن دور الجماهير. وتصديها لقيادة انقسامات المعارضة وإفشال وحدة عملها. قد خانت الشعب مرة ومرات دون ان تنتقد نفسها أو تعلن عن الأخطاء التي ارتكبتها.

والشئ الذي يثير الانتباه أن هذا السلوك هو ملازم لبعض أطراف المعارضة في الماضي ـ فكلما تضيق الحلقات حول عنق النظام، تنتقص تلك الأطراف التي تخاف الجماهير لتلعب دور المنقذ وتغبيش وعي الناس بشعارات مبهمة وتخويفها (باللبننة أو الصوملة).

إن من ضمن أخطاءنا الشائعة والمتكررة منذ انقلابا الانقاذ أننا ننسى ان واجب الشعوب المناضلة وقواه الحية محاسبة من يتصدى للزعامة ويفرض نفسه قائداً للأمة وللشعب. وأن نكشف كل كلمة وحركة وتصريح وموقف وخطاب وإضعاف للجماهير. فشعبنا لا يمكن استغفاله ولا تجب محاولة خداعه مثلما لا يمكن الاستخفاف بوعيه.

فإن الساسة الكبار والأحزاب التي تتغير مواقفها حسب الأجواء والحسابات الداخلية تجب محاسبتهم وبوضوح في كل ما يقولونه ويفعلونه، حتى لا يكون كلاماً في الهواء، بل المهم أن ينشغلوا بما يجري على الأرض. وإن لم يشعر المواطن بصحة المقولات وتطابقها مع السلوك. أي البيان بالعمل والتغيير في حياته. فيجب أن تحاسب الأحزاب والقيادات وان تدفع الثمن جراء سياسات الفشل والهزيمة التي فرضوها على المواطن وعلى الشعب. لكن المعادلة مقلوبة عند البعض، فيمكن تغيير الرداء والموقف السياسي والادعاء دائماً وأبداً أنه في مصلحة الشعب.

هذا السلوك يبنى على أساس كأننا شعب بلا ذاكرة ومعارضة تنسى التاريخ الثوري لشعبها وتبدأ في كل منحى بخطة جديدة تلائم تطلعاتها وتنسى ما كان.

وفي الثلاث عقود الماضية اختلفت تحالفات المعارضة مرة ومرتين وثلاثة وظهرت تحالفات وتجمعات ذات شكل أمييي، تتوالد حسب اهواء الأطراف المترددة التي تخرج من تحالف أو تنسيق لترتمي في اتفاق مع النظام. وتقع كصيد سهل لمراميه وأهداف المجتمع الدولي، لكن نفس القوى “المعارضة” تكشف المرة تلو المرة ومن تجاربها أن النظام لا يف بوعوده وإن ضمانات المجتمع الدولي لا تساوي “الحبر الذي كتبت به” لكنهم دائماً يفضلون التراجع ومحاولة جر حركة الجماهير إلى الخلف وتخويفها وذر الرماد في عيونهاوتغبيش وعيها.

تبقى مهمة القوى الوطنية والديمقراطية ومن ضمنها وعلى رأسها حزبنا ضرورة اتخاذ الموقف المبدئي دائماً وأبداً كشف العناصر الرخوة والتردد دون تخوف والانحياز بوضوح إلى الجماهير والالتحام بها ومعها، وبناء القواعد الجماهيرية التي تستطيع فرض مواقفها على قيادات المعارضة المترددة، هذا لا يعني الانقطاع أو الامتناع عن التعامل السياسي التكنيكي لكن يجب التركيز على المهم والأهم وهو العمل القاعدي.

لقد أثبتت تجربة تشييع الراحلة والقائدة الشيوعية فاطمة حب الشعب لقياداته التاريخية المناضلة واستعداده لحماية ذلك التاريخ المجيد، ليس فقط الموقف التلقائي لكن بربط كل ما هو إنساني وثوري وتاريخي، بلحظة النضال ضد نظام الانقاذ وزبانيته. ولذا يجب قراءة الواقع بطريقة أكثر واقعية والتعامل مع تراكم التجارب النضالية بشكل فعال يساعد في النهوض العام لحركة جماهيرية عارمة تقود إلى الهزيمة المتوقعة لنظام الانقاذ.

إننا مطالبون في الوقت الحاضر بالاعتناء اكثر بعملنا الجماهيري والتوجه بعمق وفعالية جدية لرفع قدرات الجماهير وتوجيهها في الوجهه الصحيحة بعد احترام رأيها ومقدراتها بدل تغبيش وعيها يجب علينا توضيح كل الحقائق أمامها، وكشف عيوب المعارضة المترددة ليس بقصد التشويه أو الاساءة لكن بقصد الأمانة الثورية تجاه حركة جماهيرية ديمقراطية تتصدى لتحقيق المهام الأساسية في إسقاط النظام وإقامة البديل الديمقراطي عبر بناء أوسع جبهة جماهيرية تضم كل القوى المناوئة للنظام. وفي قلب تلك القوى يبقى الدور المهم والأساسي لتحالف القوى الأكثر تقدماً وثباتاً في النضال من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والاشتراكية.

الميدان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..