المحلية الثرية.. الفقيرة غرب كسلا..”بين نهرين والناس تعاني الأمرَّين” .. نقص مياه الشرب وتفشي الفيروس الكبدي أبرز معاناة أهالي المحلية

كسلا: صديق رمضان
رغم أنني قررتُ الاكتفاء بمتابعة تانكر المياه من على البعد، وهو يتجول وسط عدد من المنازل بمنطقة الحفائر بمحلية ريفي غرب كسلا لبيع مياه الشرب، إلا أن مشهداً حدث على بعد مسافة لا تتجاوز الخمسين مترًا من وقوفي فرض عليّ أن أتوجه إلى حيث يقف التانكر، فقد دخل مواطن في مشادة مع السائق وارتفعت أصواتهما وكادا أن يشتبكا لولا أن الحضور أكثروا من ترديد المقولة التي تخفف من حدة الغضب لدى السودانيين وهي “صلوا علي النبي يا ناس”، سبب المشكلة ما اعتبره الشاب الثلاثيني مغالاة من السائق لسعر البرميل الذي حدد له أربعين جنيهاً، غير أن المواطن الغاضب أصر على دفع ثلاثين جنيهاً فقط.
وفي خضم هذا المشهد التراجيدي، قال شاب كان يقف على مقربة منهما “الناس زمااااان تجاوزت مرحلة أزمة مياه الشرب ونحن لسه”.
الضل الوقف ما زاد
حديث الشاب الذي كان مستاءً ربما جسد أزمة هذه المحلية، وعبر عنها بكلمات موجزة وعميقة المدلولات في ذات الوقت، فالسكان في هذا الجزء من البلاد ما يزالون كأولئك الذين عاشوا في القرون الوسطى، لم يعرفوا انسياب المياه عبر الحنفيات، ولم يشاهدوا شبكات المياه في باطن أرضهم، محلية تعتبر الأغنى من حيث الموارد والدخل الفردي لقاطنيها، إلا أنها الأفقر بامتياز من حيث الخدمات، فمياه الشرب لا تمثل هاجساً وحسب لأكثر من 120 ألف مواطن يعادل عددهم سكان حاضرة ولاية النيل الأبيض وينقص قليلاً عن تعداد مواطني دنقلا عاصمة الشمالية، بل باتت تمثل لهم أزمة تتشعب منها أزمات تتنوع بين النفسية والاقتصادية والصحية والاجتماعية. وهذا ما يؤكده الناشط محمود مسلم الرشيدي الذي يبدي حسرته على التهميش الكبير الذي ظلت ترزح تحت وطأته محلية ريفي غرب كسلا، وقال إن المواطنين ظلوا ومنذ أكثر من ثلاثة عقود ينشدون أن يأتي يوم تنتهي فيه أزمة المياه، ولكن تطاول أمد أيام تحقيق حلمهم، وقال إن السكان ما يزالون يعتمدون بشكل أساسي على مياه الشرب التي يتم جلبها من مناطق خارجها عبر التناكر، وقال إن هذا لا يمثل معاناة اقتصادية وحسب، بل له مهددات صحية أيضاً، ويقول محمود إنهم كانوا يتوقعون أن يتم توجيه إيرادات سوق الحفائر الضخمة إلى حل مشكلة مياه الشرب بالمحلية، بيد أنه يؤكد ذهابها بعيدًا عن المواطنين.
ويلفت إلى أن سكان المحلية هم الأكثر استجابة لتقنين العربات الواردة وأنهم بفعلهم الراقي هذا أيضاً أدخلوا موارد جيدة للدولة وخزانة الولاية، وأنه كان يجب أن يتم توجيه ولو جزء منها ناحية حل مشكلة مياه الشرب.
موارد مهدرة
في هذه المحلية، لا يميل السكان ناحية المطالبة لأنهم يعتمدون في كثير أحيان على مواردهم وعلاقتهم الخاصة في حل مشاكلهم الخدمية، إلا أن بعضاً منها استعصى عليهم، ومن هذه المشاكل مياه الشرب، وهنا يؤكد القيادي أحمد حميد أحمد “أبوحامد” الذي أشار إلى أن سكان محلية ريفي غرب كسلا يعانون كثيراً في الخدمات خاصة على صعيد مياه الشرب وسعر برميل المياه وصل إلى ثلاثين جنيهاً، وأردف: للأسف فإن المياه تأتي محمولة على التناكر حتى الآن ولا توجد شبكة، والمواطنون في حيرة من أمرهم، أما الكهرباء فقد باتت ترفاً ولا يحلمون بها، رغم أن المحلية كبيرة وإمكانياتها ضخمة وتتبرع لمشاريع الولاية، بل تعتمد عليها الحكومة، التي أزالت سوق منكوت وباعت الأراضي بأموال ضخمة، ولكن للأسف لم يتم توجيه هذه الأموال إلى الخدمات، ولفت إلى أن المواطنين كثيرًا ما يطالبون بخدمة المياه، ولكن المحلية لا تستجيب ، وما يثير الحيرة أن منطقة البراطيخ تم توصيل المياه إليها من نهر عطبرة، ويفترض توصيلها إلى باقي مناطق المحلية، ولكن للأسف هذا لم يحدث حتى الآن.
بين نهرين
المفارقة لا تكمن في عدم وجود شبكة مياه أو أن المواطنين يشترون المياه عبر التناكر، ففي بحثنا عن أسباب هذه الأزمة، فقد وقفنا على توفر المياه بمدينة كسلا التي يفصلها الأسفلت فقط عن محلية ريفي غرب كسلا، وتقع أيضاً إلى الغرب من نهر العطبراوي الذي تجري فيه مياه عذبة، إذن فإنها مثل إبل الرحيل شايلة السقا وعطشانة، فالمياه تحيط بها شرقًا وغرباً.
في ذات الاتجاه يذهب القيادي والداعية الإسلامي محمد صالح الذي يؤكد أن أزمة المحلية تتمثل في ضعف الخدمات التي اعتبرها تراوح مكانها منذ سنوات طويلة، دون أن تجد حلاً نهائياً، وقال إن حكومات الولاية المتعاقبة ظلت تهمش المحلية، وأضاف في حديثه لـ(الصيحة) مبدياً دهشته وحيرته من أن يعاني السكان من ندرة وشح في مياه الشرب والمحلية تقع بين نهرين وهما القاش والعطبراوي، ورغم ذلك يعاني السكان العطش الدائم، مبيناً أن قضية مياه الشرب بالمحلية مرّت بعدد من المحطات لمعالجتها، ولكنها باءت بالفشل ومنها محطة الدعم الليبي الذي أكد الداعية الإسلامي محمد صالح أنه لم يتم توجيهه بالشكل السليم، وقد صاحبه إهمال واضح وسوء إدارة، كاشفاً عن أن المواد التي تم استعمالها في توصيل المياه كانت “مغشوشة” وغير صالحة وسرعان ما انهار المشروع.
ومضي في حديثه مبيناً أن المحطة الثانية تمثلت في دعم محطة الـ”سي دي إف” لمنطقة أبودهان وبلغت 204 ألف جنيه، وكان وقتها مبلغاً ضخماً ، ولكن المشروع أيضاً بحسب محمد صالح لازمه الفشل الذريع .
تواضع الخدمات
ويمضي القيادي محمد صالح في حديثه، ويقول: للأسف المحلية مواردها ضخمة، ومن قبل تمت الاستفادة من جبل أبودهان، وذهبت موارده ناحية الولاية، وبعد ذلك تمت أيضاً الاستفادة من تربته في تشييد الطرق ليخلف ذلك حفيراً ضخماً تسبب في وفاة اثنين من أبناء المنطقة.
ويشير الشيخ محمد صالح إلى أن التعليم والصحة يمثلان هاجساً للمواطنين بداعي تواضعهما، ويشدد الشيخ محمد صالح على أن محلية ريفي غرب كسلا بكل مناطقها وقراها تعاني فقراً شاملاً في الخدمات.
جهد مجتمعي
من ناحيته، يذهب الأمين العام لمنظمة التكامل الاجتماعية، الدكتور حامد أحمد حميد النبيش في اتجاه آخر، ويكشف عن أنه وفي سبيل حل مشاكل المحلية، فإن المنظمة تعمل على ترقية الخدمات خاصة الصحة والتعليم ومياه الشرب، مع التركيز على محاربة الأمراض المنقولة وأبرزها مرض الفيروس الكبدي، ويكشف في حديث لـ(الصيحة) أن والي الولاية آدم جماع تكرم مشكوراً باستثناء المنظمة والمصادقة بعملها ولم يكتف بذلك، ويقول إن الوالي وجه وزارة الصحة بالعمل معهم في محاربة التهاب الكبد الوبائي وأنهم قدموا دراسة شاملة عن المرض وتم تسليمها للوزارة للدراسة والتنفيذ، مبيناً أن المجتمع في المحلية يحتاج إلى نشر ثقافة العمل الطوعي رغم أنه متجذر بالمنطقة، ولكن يهدفون إلى إشراك اكبر عدد من المواطنين، وشدد على أنهم لا يريدون الخلط بين السياسة والعمل الطوعي.
التهاب الكبد الفيروسي
وحول التهاب الكبد الفيروسي، قال إن هذا المرض منتشر في كل العالم وبالسودان وأي بقعة لا تخلو منه، ولأنه خطير وانتقاله خفي فإنهم اختاروا التنبيه والتنويه إليه حتى تتم مكافحته والوعي به، معتبره مشكلة كبيرة وأن مكافحته تحتاج إلى الوقاية والتثقيف في كل المجتمع بالسودان، ولفت إلى أنهم يريدون تقديم نموذج في هذا الصدد.
ويكشف الدكتور حامد أحمد حميد أن المياه الملوثة تعتبر من أبرز أسباب الإصابة بالمرض إضافة إلى تلوث البيئة ونزوح المجتمعات المصابة به إلى الولاية التي تستقبل أجانب من دول الجوار، عطفاً على وجود مصابين بمحال المأكولات.
المحلية تقر بالأزمة
سألتُ معتمد ريفي غرب كسلا محمد العبيد عن حقيقة وجود أزمة في مياه الشرب، فأقر بها وأكد على أن الأسرة الواحدة في محليته تحتاج في اليوم إلى شراء مياه مقابل متوسط من المال لا يقل عن ستين جنيهاً، ويرجع مشكلة المياه في المحلية التي تبلغ كثافتها السكانية 120 ألف نسمة إلى عدد من الأسباب، ويقول في حديثه لـ(الصيحة) إن الدراسات الفنية التي تم إجراؤها من قبل أوضحت ضعف المياه الجوفية، غير أنه يلفت إلى دخول أربع آبار الخدمة الأسبوع الماضي، رغم أن المعتمد يوضح أن ضخها ليس غزيرًا والمياه مصحوبة بشيء قليل من الملوحة، إلا أنها صالحة للشرب، ولكن لا يمكن مقارنتها بمياه العطبراوي والقاش.
ويمضي المعتمد الشاب في حديثه مشخصاً قضية مياه الشرب في محلية ريفي غرب كسلا التي ظلت تشكل هاجساً يؤرق السكان، ويشير إلى أن أكبر المشاكل التي ظلت ترافق مشاريع المياه في المحلية وجود قصور في التنفيذ أو التشغيل ، مؤكداً على تنفيذ العديد من المشروعات التي تستهدف وضع حد لأزمة المياه إلا أنها لم تكتب لها الاستمرارية .
في انتظار الصندوق
ويمضي المعتمد محمد العبيد في حديثه، مبيناً أنهم ورثوا ثلاثة مشاريع متوقفة عن العمل منها اثنان تم تنفيذهما بداية هذه الألفية ولم يعملا سوى أشهر معدودة وتوقف ضخ مياههما لعدم وجود خطة واضحة للتشغيل، غير أن المعتمد يكشف عن تنفيذ صندوق إعمار الشرق لمشروع توصيل المياه من نهر العطبراوي، ولكن وبحسب المعتمد ورغم انتهاء العمل فيه لم يتم تسليمه للولاية والمحلية حتى الآن وأن إدارة الصندوق أفادت باقتراب تسليمه بعد إخضاعه لمزيد من المراجعة ، وحول إيرادات المحلية الضخمة خاصة تلك المتعلقة بتخطيط وبيع سوق الحفائر، قال المعتمد إن هذا شأناً ولائياً وإن المحلية مثل غيرها من محليات كسلا مخصص لها دعم محدد للتنمية، وقال إن مشروع الكهرباء سيشهد بعد ثلاثة أسابيع توصيل الخطوط الناقلة وإن المستشفى سيتم افتتاحه في الفترة القليلة القادمة.
أزمة وحل
من ناحيته، فإن وزير التخطيط والمرافق العامة بولاية كسلا المهندس محمد سعيد محمود، وفي حديث لـ(الصيحة) يعترف بوجود أزمة مياه شرب بمحلية ريفي غرب كسلا، ويلفت إلى أنه سبق وقد تم تنفيذ عدد من المشاريع لوضع حد نهائي لمعاناة السكان مع مياه الشرب، إلا أن النجاح لم يكن حليفها، وكشف أن الخط الناقل بالمحلية تعرض للتلف كلياً وأن الولاية ممثلة في الوزارة تعمل على تشييد خط ناقل جديد للمياه ، ويلفت إلى أن المنطقة تأثرت أيضاً بقرار حل هيئة مياه الريف، حيث انتقلت المسؤولية إلى أفراد يتحصلون رسوم المياه رغم قصورهم في التشغيل وعدم التأهيل، وقال إن الوزارة ولمعالجة هذا الأمر تعمل على إدراج مياه المحلية ضمن هيئة مياه المدن.
الصيحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..