مُوغَابِي: أَنَا الدَّوْلَة! .. L?état, c?est moi

كمال الجزولي
(1)
أخيراً .. وبعد كثير مطل ومطاولة، وإرجاء ومساومة، مع الجَّنرالات، تارةً، مستغلاً حرصهم على ألا يبدو تحرُّكهم “انقلاباً”، ومع “رفاقه” في حزب “زانو”، تارةً أخرى، متجاهلاً قرارهم بإقالته من رئاستهم، ومع قادة الدُّول المجاورة، تارةً ثالثة، مستثمراً خشيتهم من أن يروا إقليمهم يغرق في الفوضى، ومع الجَّماهير، تارةً رابعة، وقد رابضت في الشَّوارع، ليل نهار، تطالبه، على بكرة أبيها، بالرَّحيل؛ أخيراً .. وبعد أن عِيلَ كلُّ صبرٍ، وضاق كلُّ صدرٍ، وبلغت الأرواح الحلاقيم، وحزم البرلمان أمره، وقرَّر عقد جلسة مخصوصة لإقالته، بل وحتَّى بعد أن كادت الجَّلسة تبدأ فعليَّاً، وتهيَّأ مويندا، رئيس البرلمان، لإعلان افتتاحها، عندذاك، فقط، تحرَّك موغابي، متثاقلاً، ليستلم مويندا خطاب استقالته الذي زعم فيه أنه يترجَّل طوعاً، ليضمن انتقالاً سلميَّاً للسُّلطة .. وكذَب! فقد ظلَّ يعصلج، حتَّى الثَّانية الأخيرة، كأيِّ مقامر محترف، قبل أن يرمي على الطاولة بشرطه الأساسي للهبوط من عرشه السَّامق، بعد إذ بقى متشبِّثاً به سبعة وثلاثين عاماً، حتَّى تيبَّست أصابعه، أن يُمنح، هو وبعلته غريس، حصانة من أيِّ مساءلة!
كان أهمَّ ما أهمَّ الجَّماهير، لحظتها، حصولها على وثيقة استقالته بأيِّ ثمن! فما لبثت، حين جاءها الفرج، أن انفجرت، مساء 21 نوفمبر الجَّاري، من أقصى البلاد إلى أقصاها، بالطبول، والكرنفالات، وأبواق السَّيَّارات، وصيحات الابتهاج، وحلقات الرقص الشَّعبي، وهطل عليها فرح لم تشهد له مثيلاً إلا لدى استقلالها قبل زهاء الأربعين سنة، وقال أحد النوَّاب بعينين ترقرق في مآقيهما الدَّمع: “إذا استمسك الشَّعب بما يريد، تحقَّق التَّغيير”!
هكذا، وكما يحدث لكلِّ المستبدِّين بعد سقوطهم، لم يرتفع صوت واحد يذكر موغابي بالخير، فلكأنَّ نفس هذا الشَّعب ما كان قد سعد، نفس هذه السَّعادة، يوم تبوَّأ نفس الرَّجل رئاسة البلاد عام 1980م، باعتباره، آنذاك، البطل الذي قاد معركة الاستقلال عن الاستعمار البريطاني! فكيف، تراها، تستقيم هذه المفارقة عقلاً؟!
(2)
السُّلطة قوَّة معنويَّة قد تنفلت من عقالها، إذا لم يتمَّ ضبطها جيِّداً، فتنحرف بتفكير البعض وسلوكهم عن جادَّة الاعتدال العقلي، والسَّويَّة النَّفسيَّة. ذلكم هو درس اللورد أكتون في نهاية القرن التاسع عشر: “السُّلطة مَفسدة، والسُّـلطة المطلقة مَفسـدة مطلقة
(Power tends corrupt and absolute power corrupts absolutely”. to) فهل، تُراك، جرَّبت، مثلاً، أن تستدعي، من ذاكرة أواخر القرن 17، ومطالع القرن 18، لويس الرَّابع عشر، الخائض، أبداً، نزاعات لا تنتهي، وحروباً لا تضع أوزارها، المحبُّ للأعياد الباذخة، والاحتفالات المترفة، والمهرجانات المسرفة، في دولة تعاني الإفلاس، حتَّى لقد فشل كلُّ وزراء ماليَّته في توفير الأموال التي تلزمه، رغم أنه حكم أطول فترة في التَّاريخ الأوربِّي، متربِّعاً فوق الجَّميع، ومختزلاً فلسفة حكمه الإلهي المطلق، بكلمته الشَّهيرة “أنا الدَّولة والدَّولة أنا ـ L?état, c?est moi”؟!
إذا جرَّبت فسترى أمامك، على الفور، أبرز ملوك البوربون ذاك في صورة موغابي، الزَّعيم الزيمبابوي النَّزق، المغرور، المفارق للوقار مثل فتى مراهق، المتوهِّم، وعمره يقارب القرن، أن الموت نفسه ليس بقادر على اقتلاعه من قمَّة سنام زيمبابوي، حيث ظلَّ مغروساً هناك، كمسمار صدئ، زهاء الأربعة عقود، لدرجة أنه لم يعُد يتصوَّر “الدَّولة”، ذاتها، بدونه، فلكأنَّ التَّفريق غير وارد، البتَّة، بين “السُّلطـة” و “مَـن يتولاهـا”!
ولا تسَلْ، بعد ذلك، عن الفروق بين الرَّجلين، على اختلاف زمنيهما، فهي كذرَّات رمل الصَّحاري، بلا عدٍّ ولا حد، إذ ارتقى الأوَّل بفرنسا، قبل ما يربو على القرنين، في مجال الثَّقافة على الأقل، من دولة متخلفة، إلى قمة النفوذ العالمي، حتَّى لقد سُمِّي “الشَّمس”؛ بينما انحطَّ موغابي بزيمبابوي، مطالع الألفيَّة الثَّالثة، من قمَّة الأمل في أن تصبح سلة غذاء أفريقيا، إلى سفح اليأس من أن تنجو من مصير التَّسول، حتَّى لقد تحوَّلت من بلد منتج، وحاضن لملايين المهارات والقوى العاملة، إلى بلد طارد بلغت أعداد الهاربين من جوعه وعطشه وجفافه غير المسبوق، إلى جنوب أفريقيا المجاورة وحدها، أكثر من مليون مهاجر؛ بلد تخنقه الفاقة، ويطحنه الفساد، ويتفاقم تضخُّمه بمعدَّلات فلكيَّة، ويرتفع دَّينه الخارجي بنسب خرافيَّة، وتبلغ نسبة البطالة فيه94%، وتتفشَّى فيه الأوبئة والأمراض الخطيرة كالإيدز والكوليرا!
أكثر التَّقارير دقَّة تشير إلى السَّنوات الخمس الأولى، فحسب، من حكمه، باعتبارها شهدت إنجازات نسبيَّة، حيث أضحت زيمبابوي الأفضل، مثلاً، في التَّعليم، أفريقيَّاً على الأقلِّ، بنسبة أميَّة لا تتجاوز 10%. أما العقود التَّالية فسادتها سياسات منحرفة، وترتيبات دستوريَّة وقانونيَّة عشوائيَّة، أوخمها مصادرة 95% من مزارع السُّكَّان البيض، عام 2000م، وإعادة توزيعها على السُّكان السُّود، بدعوى الإصلاح الزِّراعي، قبل التَّحقُّق من مقدرة هؤلاء على حسن إدارتها، كما في السَّابق، مع حرمان 4000 متضرِّر من اللجوء للقضاء، الأمر الذي بدا كمحاربة للعنصريَّة بعنصريَّة أبشع، وأدَّى إلى أعمال عنف، ومذابح، واضطهاد بحسب لون البشرة. وقابل الغرب تلك الإجراءات بعقوبات لم يكن موغابي قد تحسَّب لها، فضلاً عن تأثيرها السَّالب على الزِّراعة، حتَّى لقد تحوَّلت زيمبابوي من بلد يصدِّر المحاصيل، إلى بلد يعاني المجاعة!
(3)
أولاد الرَّئيس الوالغون في حياة الصَّعلكة بحانات جوهانسبيرج هم، بالتأكيد، بعض محن هذا البلد المنكوب! على أن أكبر هذه المحن هي غريس، عقيلة أكبر الرُّؤساء سنَّاً، والتي تصغره بنصف قرن، وأوَّل الهاربين، مؤخَّراً، من سفينته الموشكة على الغرق، تاركة العجوز يواجه مصيره وحده؛ غريس التي لم تكتف بجعل “مليكها العريان” يخطر، في أخريات أيَّام “ملكه”، مجرَّداً من كلِّ فضيلة، ومتوهِّماً، في الوقت نفسه، أنه يرفل في التِّبر، والخزِّ، والدِّيباج، والقصب، بل وبجعله، حتف أنف التَّاريخ، والسِّياسة، والاجتماع، والشَّعب الزِّيمبابوي، يمهِّد لخلافتها له بأن أقال نائبه منانغاغوا، رفيق كفاحه القديم من أجل الاستقلال، ليعيِّن محله مفوكو الموالي لغريس، في خطوة مفضوحة اعتبرت الأخطر، حيث أفضت بالجنرال شيوينغا، القائد العام للجَّيش، لأن يقول فوراً: “كفى ـenough is enough”، وأن يدفع بدبَّاباته، في 15 نوفمبر 2017م، لاحتلال الإذاعة، والبرلمان، والمحكمة العليا، ومقرِّ الحزب الحاكم، وأن يضَعِ موغابي نفسه قيد الإقامة الجَّبريَّة، وهي “العمليَّة” التي ظلَّ العسكر ينفون عنها صفة “الانقـلاب”، معلنيـن أنهـا محـض “وسـيلة” لإزالة المجـرمين مـن حـول الرَّئيس!
وإذن، فمحاولة موغابي رفع زوجته إلى مقعد الرِّئاسة، كانت القشَّة التي قصمت ظهر بعيره! فهي سيِّدة بلا أيِّ تاريخ نضالي، أو حتَّى أبسط مؤهِّل أخلاقي، ولم يحملها إلى عضويَّة المكتب السِّياسي لحزب “زانو” الحاكم، أو تسنُّم رئاسة تنظيمه النِّسائي، سوى عشق موغابي لها، وزواجه منها، في حفل أسطوري عام 1996م، بعد أن قدَّموها له كموظفة آلة كاتبة في القصر الرِّئاسي! سيِّدة أقصى مواهبها جولات التَّسوُّق الباذخ في العواصم الكبرى، وترتيب الحفلات التي تنضح بالتَّرف، والمناسبات التي تضجُّ بالفخامة، والتي درجت فيها على تملق الزَّعيم العاشق، حدَّ المبالغة، كالحفل الذي أقامته في 2014م، ودعت الجَّماهير، خلاله، لإعادة انتخابه، حتى لو مات وصار جثة هامدة (!) وإحيائها، العام الماضي، عيد ميلاده الثَّاني والتَّسعين بحفل كلف مليون دولار، في بلد بات يتلقَّى المعونات!
مواطنو زيمبابوي يلقِّبونها بـ “غوتشي غريس”، إشارة إلى الماركة العالميَّةGUCCI، وكناية عن ولعها بأغلى المقتنيات على حساب المال العام؛ ويتداولون في ذلك قصصاً عجيبة، كإنفاقها، خلال ساعات معدودات، أثناء رحلة تسوُّق بباريس، مبلغ 120 ألف دولار أمريكي، وسحبها، مطالع التِّسعينات، ما يربو على 6 ملايين دولار أمريكي من البنك المركزي دون وجه حق، وامتلاكها قصرين مبهظين، باعت القذَّافي أحدهما، ويُسمَّى “غريس لاندز”، بينما كلفها بناء الآخر 26 مليون دولار أمريكي. وفي 2010م أظهرت بعض تسريبات “ويكيليكس” اسمها كمتَّهمة بتجارة الماس غير المشروعة blood diamond!
أمَّا حصولها على الدُّكتوراه في علم الاجتماع، من جامعة زيمبابوي، عام 2014م، فتظلُّ القصَّة الأكثر طرافة، إذ حصلت عليها بعد شهرين، فقط، من التَّسجيل .. دون أن توجد أطروحتها في أيِّ مكان!
وفي الرَّابع من أكتوبر المنصرم قبض على الصَّحفي كنيث نيانجاني لإيراده خبراً اعتُبر “مسيئاً” لها، حول “تبرُّعها” بملابسـها الدَّاخليَّة المستعملة لعضوات “رابطة المرأة” التي تترأسها في الحزب الحاكم!
وبالمناسبة، فإن زيمبابوي مصنفة في المركز/128، ضمن قائمة منظمة “صحفيون بلا حدود” لمؤشر حريَّة الصَّحافة العالمي للعام 2017م، والتي تضمُّ 180 دولة. وقد وصفت المنظمة الوضع الإعلامي هناك بكلمة واحدة .. “قمعي”!
(4)
أجبر موغابي، إذن، على التَّرجُّل مقابل حصانة ظلَّ يساوم من أجلها، حتَّى ورمت لهاته، له ولغريس. وفي الأثناء لم تعُد خافية علاقة منانغاغوا، أو “التِّمساح”، كما يلقِّبونه، بـ “عمليَّة العسكر”؛ فرغم أن موغابي أزاحه، قبل أيَّام، إلا أن العسكر والنُّوَّاب استهدفوا بالإزاحة موغابي نفسه. وجاءوا بمنانغاغوا، مساء الخميس 23 نوفمبر، ليؤدِّي القسم نهار الجُّمعة 24 نوفمبر كرئيس للبلاد، دون أن يفتقد أحد مفوكـو، نائب الرَّئيس الذي عومل كمحـض جردل لجمع القمامة بركن القصر الرِّئاسي!
فـي الأثناء راح موغابي يتلظـى فـي جحـيم وحـدته كجـنرال هابط مـن إحـدى روايات ماركــيز! فحـتَّى غـريس هربت، الله وحده يعلم إلى أين. وتخلى عنه أقرب الأقربين في الجَّيش، مثلما تخلى عنه الرِّفاق في رابطة قدامى المحاربين. أمَّا أعضاء الحزب الذي يرأسه فقد عقدوا اجتماعاً، بدونه، وأقالوه من رئاستهم؛ بل ووَرْوَرُوا له بالأعين الحمراء، وطالبوه، الضُّحى الأعلى، بالاستقالة من رئاسة الدَّولة كلها، هم الذين ما كانوا ليجرؤوا، يوماً، على رفع أعينهم إلى عينيه!
وبمناسبة ترجُّله أعلن الاتحاد الإفريقي، باللغة المداهنة، ذاتها، التي اعتاد عليها، ترحيبه بقرار الاستقالة “بعد حياة كرّسها لخدمة زيمبابوي”، معتبراً ذلك خياراً “سيحفظه له التَّاريخ” .. فتأمَّل! أمَّا الجنوب أفريقي جاكوب زوما فقد أبدى “تفاؤلاً حذراً” بهذه الاستقالة! وأمَّا البوتسواني إيان خاما فقد صرَّح، عديل كدا، بأن موغابي لا يتمـتع بأيِّ دعـم دبلوماســي، وأنه “ينبغـي ألا يبقـي رئيس فـي السُّــلطة لثلاثـة عقـود”!
حتَّى الصُّحف المحليَّة لم تخلُ من غمز “الشَّماتة” ولمزها. فعلى سبيل المثال عنونت “نيوزدي” عددها غداة الاستقالة: “وداعاً”! أمَّا صحيفة “الهيرالد” الرَّسميَّة فقد عنونته “وداعاً أيُّها الرَّفيق الرَّئيس”، بل ولم يفتها أن تكتب عن “أخطاء الماضي”!
وبدأت بريطانيا تتحدَّث عن مستقبل مستعمرتها السَّابقة بدون موغابي، معلنة أنها تريد لها أن تنضمَّ، مجدَّداً، إلى المجتمع الدَّولي، حيث يشكِّل “سقوط” موغابي “بارقة أمل”، وأن “الأولويَّة أن تكون لديها حكومة شرعيَّة منبثقة عن انتخابات حرَّة وعادلة”. كذلك عبَّرت أمريكا عن أن هذه الاستقالة “فرصة تاريخيَّة” للتَّغيير، وإنهاء “عزلة” زيمبابوي الدَّوليَّة.
أمَّا الصِّين، “الشَّريكة” الأبرز لزيمبابوي، فقد أثارت “الغارديان” البريطانيَّة شكوكاً جديَّة في علاقتها بالإطاحة بـ “صديقها” موغابي، حيث كشفت عن زيارة قام بها الجَّنرال شيونغا إلى بكين، في إحدى عتبات “الانقلاب”! واستنتجت أن العالم قد يكون شهد للتَّو أوَّل نموذج “انقلاب سرِّي” من النوع الذي كانت تفضّله “السي آي إيه” الأمريكيَّة، و”الإم آي 6″ البريطانيَّة، ولكن، هذه المرَّة، بملامح صينيَّة! وأسندت الصَّحيفة تحليلها إلى مصالح الصِّين الاقتصاديَّة ونفوذها السِّياسي في زيمبابوي منذ سنوات الصِّراع من أجل الاستقلال.
على أيِّ حال، وبصرف النَّظر عن تحليل “الغارديان”، فإن من الوارد، عقلاً، أن الصَّين التي اقتدت بالإمبرياليَّة الغربيَّة في استثمار اقتصاديَّات “البلدان النَّامية” لخدمة مصالحها، لا تستنكف من الاقتداء، أيضاً، بأساليب ومناهج المخابرات الغربيَّة في حراسة هذه المصالح، حتَّى لو اضطرَّت إلى .. صناعة الانقلابات!
(5)
مهما يكن من أمر هبوط موغابي “اضطراريَّاً”، وصعود “التِّمساح” على أسنَّة رماح العسكر، فإن ثمَّة من يعبِّرون عن الخشية، بحق، من ألا يتعدَّى ذلك ذهاب “قيصر” قديم، ومجئ “قيصر” جديد! فالتَّناوب الشَّكلاني الفوقي على سدة الحكم لا يعني، بالضَّرورة، مزيداً من الدِّيموقراطيَّة! كما وأن “الدَّولة العميقة” لن تتيح تحقيق تقدُّم طالما أن ثمَّة عناصر من الحزب الحاكم ما تزال في السُّلطة! وهذه الهواجـس السِّياسـيَّة ليسـت بعـيدة عن الحقيقة لعـدَّة أسـباب:
أوَّلاً: رصدت منظمات دوليَّة معنيَّة بالدِّفاع عن حقوق الإنسان، مثل “هيومن رايتس ووتش”، و”منظمة العفو الدوليَّة”، جمهرة وقائع قتل، وتعذيب، واختفاءات قسريَّة وقعت في عهد موغابي، دون أن يكون ثمَّة ما يبرِّر استثناء منانغاغوا من المسؤوليَّة عنها، فقد كان، دائماً، أهمَّ أركان جهاز الأمن، ونائباً لموغابي، وساعده الأيمن، ومستودع سرِّه، ورفيق دربه في الحرب والسِّلم، وأقرب حلفائه ومعاونيه إليه.
ثانياً: لم يُرصد لمنانغاغوا خلاف مع موغابي سوى كونه منافس غريس الأخطر، والمهدِّد الأكبر لفرصتها في خلافته؛ وليس ثمَّة سبب، سوى هذا، لإقالته.
ثالثاً: “صفقة” استقالة موغابي مقابل تحصينه، هو ورفيقته، من المساءلة كانت “أوَّل الوهن” الذي ستدفع زيمبابوي ثمنه غالياً، طال الزَّمن أو قصر، بينما تمثَّل البديل الثَّوري الأكثر سداداً في قول كريس موتسفانغوا، الزَّعيم الشَّعبي، ورئيس رابطة قدامى المحاربين، مومئاً إلى موغابي: “إذا لم يقدم استقالته، فسنطلب من الزيمبابويين أن يدلوه على طريق الخروج!”، ما يعني ردِّ الأمر إلى الشَّعب، لا التَّعويل على الانقلاب.
رابعاً: الدَّعوات التي ارتفعت من عدَّة جهات “لاستدبار تجاوزات الماضي، وإجراء إصلاحات أساسيَّة في جهازي الجيش والشُّرطة اللذين كانا أداتَي الشُّموليَّة الرَّئيستين”، أثبتت الخبرات التَّاريخيَّة لعشرات البلدان عدم جدواها إن لم تقترن بمشروع متكامل لـ “العدالة الانتقاليَّة” بهدف تصفية “تركة الماضي” المثقلة، بحيث يكون هذا “الإصلاح المؤسَّسي” أحد عناصرها، وليس هدفاً مفصولاً عن جماع هذا “المشروع المتكامل”. بدون ذلك لا يمكن حتَّى مجرَّد التَّفكير في “استدبار تجاوزات الماضي”.
خامساً: تدخُّل الجيش في الحياة السِّياسيَّة بهذا السُّفور يثير مشكلة في حدِّ ذاته. فرغم أن حزب “زانو” الحاكم أدان هذا التَّدخُّل، في بدايته، بل اعتبره “خيانة عظمى”، إلا أنه انتهى بموالاة الجنرالات، ومباركة خطوتهم! وللمفارقة، فإنه قد اعتبر التَّحرُّك العسكري “ضروري للدُّستور ووحدة الأمَّة”! كما عبَّر أحد قادته عن ندمه على موقفه الأوَّل الرَّافض للانقلاب، طالباً الصُّفح من الجنرال تشوينغا، بقوله: “ما زلنا صغاراً نرتكب الأخطاء”!
فكيف السَّبيل، بإزاء ذلك، للخروج بالبلاد، وحزب “زانو”، والحركة السِّياسيَّة الوطنيَّة من هذا الوحل اللبيك؟!
***
[email][email protected][/email]




العاقبة عندنا .. قولوا امييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييين .
مقال قمة الروعة شكرا استاذ كمال الجزولى متعك الله بالصحة وعقبال استقالة البشير.
وما الفرق بين (الدكتورة) وداد بابكر و(الدكتورة) غريس موقابى فالأثنتان حراميات وتمتلكن مئات الملايين من الدولارات وتعشقن التبضع في أفخم مولات لندن ودبى ولديهن درجات دكتوراة بالفهلوة ومتزوجات من جلاكين فات عليهم الزمن،، لا فرق بينهن وبين ليلى بن على التلى لهطت شركة طيران خاصة عديل كدة في تونس وأميلدا ماركوس التلا إمتلكت ثلاثة ألف حذاء وسوزان مبارك التي سعت لتوريث إبنها جمال زمارى أنطوانيت اللى قالت طيب ما ياكلوا جاتوه.
العبارة صحيحة ممكن L etat, c est moi
نعم يادكتور كمال
السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة
اتفضل اتذكر زولك نميري
حكاية مضت عليها، الآن، زهاء الاربعين سنة، لكنني ما زلت، كلما تذكرتها، أستعجب ولا أجد تفسيراً مقنعاً لملابساتها الغريبة!
كييف، مطلع نوفمبر عام 1969م. كنا، وقتها، طلاباً بجامعتها. وكانت أوربا بأسرها تشهد، ذلك الشتاء، صقيعاً غير مسبوق، حيث هبطت درجة الحرارة في العاصمة الاكرانيَّة إلى نحو من أربعين درجة، وأقل منها في موسكو التي كانت تتهيَّأ لأضخم أعياد الدولة السوفيتيَّة آنذاك .. الاحتفالات بالذكرى الثانية والخمسين لثورة أكتوبر الاشتراكيَّة العظمى، والتي تمتدُّ إلى خمسة أيام تذهب البلاد كلها، أثناءها، في عطلة رسميَّة.
كان انقلاب جعفر نميري في السودان قد وقع قبل ذلك بما لا يربو كثيراً على الخمسة أشهر. وكنا نتسقط أخباره من الاذاعات والصحف المحليَّة والاجنبيَّة، علاوة على الصحف السودانيَّة التي كانت تصلنا متأخرة من مكتب الملحق الثقافي بموسكو، لذلك لم تتجاوز معلوماتنا عنه الخطوط والعناوين الرئيسة التي لم تكن لتشبع أو تروي غلة الصَّادي، ومع ذلك فقد كانت كافية لأن تستثير حماسنا لـ (الثورة المظفرة!) بما يجلُّ عن الوصف، ونحن لمَّا نزل، بعد، أيفاعاً، نرفل، بحساب الخبرة والنضج، في عمر الفوران العقلي والوجداني!
تزامنت عطلة نهاية الاسبوع المعتادة مع بداية أو نهاية عطلة الاعياد، لا أذكر بالضبط. وبإضافة اليوم السابق عليها، والذي يمكننا أن (نأكله!) بسهولة، فقد صرنا موعودين بعطلة طويلة تستحق أن نرتب للاستمتاع بها بعيداً عن رهق الدراسة وروتينها المضجر، خصوصاً وقد استلمنا مرتب ذلك الشهر، والذي كان يعادل، بالمناسبة، مرتب طبيب سوفيتي!
كان التقليد المتبع أن يكون ثمَّة ضيف شرف على الاحتفالات في كل مرَّة. وفجأة، صباح اليوم السابق على بداية العطلة، علمنا من وسائط الاعلام السوفيتيَّة أن ضيف شرف ذلك العام هو .. جعفر نميري! فقرَّرنا، فوراً، أنا وصديقي وابن دفعتي الوحيد من السودان خالد عمر الريَّح، أن نشدَّ الرحال بقطار المساء، لنبلغ موسكو مع الفجر، يدفع خالداً الذي لا ينتمي لأيِّ حزب، حب الاستطلاع لرؤية (الرئيس الجديد)، أما أنا فيدفع غرارتي التشوق لرؤية ذلك الفارس المغوار الذي أعلن الاشتراكيَّة في السودان! هاتفت أبو ذكرى، كالعادة، أخطره بذلك. واجهتنا عقبة (الفيزا الداخليَّة) التي يتعيَّن على الأجانب الحصول عليها لزوم سفرهم من مدينة لأخرى، ولم يكن ليصعب علينا استخراجها، لولا ضيق الوقت. لكن صديقنا فيكتور، نجَّار داخليتنا، زلل المشكلة بأن اصطحبنا بعربته إلى محطة القطار، واشترى لنا التذكرتين باسمه.
قطار الشرق، أصلاً، مريح جداً. غير أننا ألفيناه، تلك المرَّة، ملوكيَّاً، فاخراً، شديد الرفاه، بل ولم تفتنا ملاحظة أن قيمة تذكرته نفسها كانت، على رخصها، أغلى بقليل من المعتاد! كان الثلج ما يزال، مثلما ظلَّ طوال الايام الماضية، يهطل نديفاً، يُغرق، في البياض المشوب بالزرقة، الميادين، والارصفة، وأسفلت الشوارع، وأسطح البنايات، وممرَّات الحدائق، وأغصان الشجر العارية. وتحت الأضواء الخافتة للمصابيح الصفراء المنتثرة في المحطة المُدَفأة المسقوفة، لمحنا، أمام باب العربة الملاصقة لعربتنا، ثلة من الرجال الملوَّنين في المعاطف وأغطية الرأس الصوفيَّة الداكنة. بدوا لنا من بعيد، ولأوَّل وهلة، طلاباً أفارقة أو هنوداً أو لاتينيين. ثمَّ، لمَّا اقتربنا منهم، وجدناهم أكبر سناً بكثير، فاعتقدنا أنهم ربَّما كانوا وفداً من الصومال، فقد كان الجنرال سياد برِّي أنجز، وقتها، (ثورته المظفرة!) هو الآخر، وأعلن (اشتراكيَّته العلميَّة!)، فصرت إذا رفعت حجراً، في أيَّة مدينة سوفيتيَّة، تجد تحته صوماليَّاً! لكن، باقترابنا منهم أكثر، صكت آذاننا اللهجة التي لا (تغبانا) .. لهجة مستعربي الوسط والشمال النيلي في السودان! فاندفعنا نحوهم بلا كثير تفكير:
ـ “السلام عليكم يا أساتذة”؟!
ـ “الله! إنتو طلبة هنا”؟!
وبعد فاصل من الاحضان والسلام الحار، إستحثنا أحدهم صائحاً، وهو يتقدَّمنا بخطو عجول وأنفاس مبهورة:
ـ “إتفضلوا تعالوا .. تعالوا .. الريِّس من الصباح عايز يقابلكم”!
من هو؟! ومن هؤلاء؟! وأيُّ ريِّس؟! ولماذا “عايز يقابلنا”؟! تزاحمت الاسئلة في رأسينا، والاجساد تدفعنا للصعود إلى باب العربة، بينما أحدهم يُبلِغ آخرين داخلها، عبر النافذة، بأنهم عثروا، أخيراً، على طلاب سودانيين!
خرج إلى الممر شابٌّ أسمرٌ، بجلباب أبيض، ورأس حاسر، و(شبشب) بيتي، وقد بدا كثير الوسامة، شديد الفتوَّة، جمَّ البساطة، وثمَّة فصدتان مضيئتان إلى جانب إحدى عينيه. عانقنا بحرارة، ومودَّة صادقة، ولهفة حقيقيَّة، ثمَّ ما لبث أن دعانا للدخول بحميميَّة، وأمر لنا بالضيافة .. كان ذاك هو النميري!
الأنوار الساطعة في الصالون (القيصريِّ) المترف سمحت لنا بأن نتفرَّس في الوجوه التي تحلقت في مجلس (الريِّس). لم نعرف منهم، في البداية، غير العم عبد الكريم ميرغني، لشهرته، والسَّمَّاني عبد الله يعقوب، خِرِّيج الاتحاد السوفيتي ومترجم الوفد. ثمَّ، بعد أن جرى التعارف، رسخ لدينا اسم منصور محجوب، وزير الخزانة آنذاك، فحفظناه، كان الوحيد الذي حفظنا اسمه لحظتها، ربَّما لأنه كان يضع قبعة تشبهها كثيراً قبعة سلفاكير الآن! ورويداً رويداً أدركنا أننا في حضرة (كبارات) رموز مايو الأولى! مع ذلك لم تتملكنا رهبة! وقد قرَّ في وعيي، من ليلتها، أن رهبة السلطان لا تتأتى إلا بفعل الاعتياد عليها. وبالحق، هل تتملكك، فوراً، الرهبة مِمَّن يلتقيك، عند أيِّ منعطف، ليبلغك، مثلاً، بأنه أصبح، للتو، وزيراً؟! لكن أمراً واحداً أصابنا بالذعر! فقد شرح لنا بعضهم أن الطائرة حُوِّلت لتهبط بمطار كييف، بدلاً من مطار موسكو الذي لم يمكنه استقبالها بفعل الثلج الكثيف ذلك الصباح، فنظم لهم مضيفوهم جولة نهاريَّة في المدينة، ريثما يحين موعد قطار المساء إلى موسكو. هنا تدخل (الريِّس) قائلاً، وقد علم أننا طلاب بجامعة كييف:
ـ “أيوه مرِّينا بيها، قالوا لينا فيها سودانيين، قلت ندخل نسأل عليكم، لكين السَّماني عقد المسألة .. قال البروتوكول ومش عارف إيه”!
ومع الرعدة التي سرت، خفيفاً، في أوصالنا، تبادلنا نظرة خبيثة، وابتسامة أخبث، بينما رحنا نحمد الله على (السلامة) في دواخلنا .. فقد كان ذلك هو اليوم الذي (دكينا) فيه الدراسة!
لكن ذلك الاحساس العابر سرعان ماتبدَّد عندما سألنا (الريِّس):
ـ “إنتو بالمناسبة بتقرو شنو”؟!
ولمَّا أخبرناه بأننا ندرس (القانون الدولي) صاح بحماس:
ـ “تمام! يللا خلصوا بسرعة .. أصلوا نحنا بعد شويَّة رايح يكون عندنا دُشمان مع العالم ده كلو”!
فانفجر المجلس بالقهقهات الصخَّابة!
إمتدت السهرة حتى وجه الفجر، وتشقق السَّمَر، بتلقائيَّة ، مراوحاً بين شئون مختلفات وأمزجة شتى، من (ساس يسوس)، إلى أغاني الحقيبة، إلى كرة القدم. وأذكر أن (الريِّس)، ما أن علم بأننا لم نسمع (البيان الأوَّل)، حتى انبرى يلقيه على مسامعنا، وقد حفظه، لدهشتنا، عن ظهر قلب (!) ويبدو أن تلك التلقائيَّة كانت بعض جاذبيَّة شخصيَّته الباكرة التي جعلت أفئدة من الناس تهوي إليه، خاصة صغار الضباط والجنود. وقد روى لي خالد الكد لاحقاً، في السجن، أنه شخصيَّاً، حين أقدم على انقلابه الخاطف أواسط الستينات، لم يتردَّد في وضع اسم النميري رئيساً لمجلس (ثورته)! كما ويبدو أن تلك التلقائيَّة هي التي شجَّعتني، تلك الليلة، على أن أفضي إليه بمسألة (الفيزا الداخليَّة)، وخشيتنا من التعقيدات التي يمكن أن تحدث لنا بسببها، فإذا به يلتفت، فجأة، إلى السَّمَّاني قائلاً:
ـ “أسمع .. سجِّلهم ضمن الوفد”!
أسقط في يد السَّمَّاني، فأومأ برأسه صامتاً، لكنه ما لبث أن اقترب منا هامساً:
ـ “طبعاً مش معقول”!
أنا نفسي كنت موقناً من أن هذا “مش معقول”، ومع ذلك فقد حدجت السَّمَّاني بنظرة خبيثة معناها أننا سنعلق المسئوليَّة على عنقك لو حدثت لنا مشكلة!
قبيل الفجر جاء العم عبد الكريم إلى حيث نجلس، وهمس لنا بأبويَّته المعهودة:
ـ “الراجل ده بالمناسبة عندو طاقة يساهر للصباح. ودِلوَكْت فضلت للوصول تلات ساعات، وحيكون في استقبال رسمي في المحطة، و(الترويكا) نفسهم حيكونو هناك، عشان كده حقو تستأذنو عشان ينوم شويَّة”!
خلفت تلك الليلة انطباعاً قويَّاً في نفسي، مثلما أن أحداث الايام التالية، ابتداءً من الاستقبال الحاشد بالمحطة، والذي قال السوفييت إنه لم يحدث من قبل إلا لكاسترو، وقد شاركوا فيه بمختلف قطاعاتهم، حتى تلاميذ المدارس، مثلما شارك الطلاب العرب والأفارقة واللاتينيين، بأهازيجهم ودفوفهم وآلاتهم الشعبيَّة، وانتهاءً باللقاء الضخم الذي نظم لـ (الريِّس) معهم بمسرح جامعة موسكو، كلُّ ذلك خلف انطباعات عميقة لدى كلِّ السودانيين هناك وقتها. وأذكر أنني كتبت، تحت ذلك الانطباع القوي، قصيدتي التي قلت في نهايتها: “وأهتفُ يا خرطومي/ أهتفُ حتَّى أشرَخَ حُلقومِي/ مايو .. مايو .. مايو”! كما أنشد أبو ذكرى: “آهِ يا خرطومُ يا ناري التي أحرُسُها بالبُندقيَّة/ كنتِ قبلَ اليوم شحَّاذاً زَريَّا/ كيفَ أصبَحتِ صباحَ الخمس والعشرين من مايو نبيَّا”!
والآن، ثمَّة أمران مهمَّان ما ينفكان يلوحان لي كلما جالت بخاطري بعض ذكرى تلك الملابسات:
أوَّلهما: أنني ما أن أطالع أو أسمع القول الشهير بأن “السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة”، حتى أعزو (الفضل) في استيعابي وفهمي له إلى المفارقة العميقة الكامنة في ذلك المشوار الذي قطعه النميري من أوَّل تلك الوقائع التي اتفق لي أن أكون شاهداً على طرف منها، إلى آخر المتغيِّرات الدراماتيكيَّة التي وقعت بعد ذلك بسنوات، علماً بأن المفارقة إما أن تفجِّر الضحك أو البكاء!
ثانيهما: أنني ، وبعيداً عن هذا الدَّرس، ما زلت لا أجد تفسيراً مقنعاً للسهولة التي تمكنا بها من الوصول إلى (الريِّس)، والالتحام به وبمعاونيه، في تلك الليلة الصَّقيعيَّة الكابية، تحت ضوء الفوانيس الصفراء الخافتة بمحطة قطارات كييف، دون أن يعترضنا حرس، أو يمنعنا رجال مخابرات، مِمَّا تحيط به أصغر دولة ضيوفها الكبار، دَعْ أن تكون تلك الدولة هي الاتحاد السوفييتي، وأن تكون تلك الشخصيَّة (ضيف الشرف الرسمي) على أضخم أعيادها طرَّاً!
لويس الرابع عشر لم يقل مطلقاً انه الدولة وان كانت تصرف فعلياً كأنه كذلك … هذه من أخطاء التاريخ التي نسبت اليه وسار بها الركبان
والتاريخ مليئ بمثل هذا حتى في الحاضر من المشهور ان روبيرت ميردوخ عملاق الإعلام الكبير من المشهور بين الناس انه يهودي وذلك أيضاً غير صحيح لأن الرجل كالفنست اي يتبع مذهب كالفن احد المذاهب المسيحية المتأخرة نسبياً. ..
والناس تصدق مايشتهر دون بحث وتمحيص..
العاقبة عندنا .. قولوا امييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييين .
مقال قمة الروعة شكرا استاذ كمال الجزولى متعك الله بالصحة وعقبال استقالة البشير.
وما الفرق بين (الدكتورة) وداد بابكر و(الدكتورة) غريس موقابى فالأثنتان حراميات وتمتلكن مئات الملايين من الدولارات وتعشقن التبضع في أفخم مولات لندن ودبى ولديهن درجات دكتوراة بالفهلوة ومتزوجات من جلاكين فات عليهم الزمن،، لا فرق بينهن وبين ليلى بن على التلى لهطت شركة طيران خاصة عديل كدة في تونس وأميلدا ماركوس التلا إمتلكت ثلاثة ألف حذاء وسوزان مبارك التي سعت لتوريث إبنها جمال زمارى أنطوانيت اللى قالت طيب ما ياكلوا جاتوه.
العبارة صحيحة ممكن L etat, c est moi
نعم يادكتور كمال
السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة
اتفضل اتذكر زولك نميري
حكاية مضت عليها، الآن، زهاء الاربعين سنة، لكنني ما زلت، كلما تذكرتها، أستعجب ولا أجد تفسيراً مقنعاً لملابساتها الغريبة!
كييف، مطلع نوفمبر عام 1969م. كنا، وقتها، طلاباً بجامعتها. وكانت أوربا بأسرها تشهد، ذلك الشتاء، صقيعاً غير مسبوق، حيث هبطت درجة الحرارة في العاصمة الاكرانيَّة إلى نحو من أربعين درجة، وأقل منها في موسكو التي كانت تتهيَّأ لأضخم أعياد الدولة السوفيتيَّة آنذاك .. الاحتفالات بالذكرى الثانية والخمسين لثورة أكتوبر الاشتراكيَّة العظمى، والتي تمتدُّ إلى خمسة أيام تذهب البلاد كلها، أثناءها، في عطلة رسميَّة.
كان انقلاب جعفر نميري في السودان قد وقع قبل ذلك بما لا يربو كثيراً على الخمسة أشهر. وكنا نتسقط أخباره من الاذاعات والصحف المحليَّة والاجنبيَّة، علاوة على الصحف السودانيَّة التي كانت تصلنا متأخرة من مكتب الملحق الثقافي بموسكو، لذلك لم تتجاوز معلوماتنا عنه الخطوط والعناوين الرئيسة التي لم تكن لتشبع أو تروي غلة الصَّادي، ومع ذلك فقد كانت كافية لأن تستثير حماسنا لـ (الثورة المظفرة!) بما يجلُّ عن الوصف، ونحن لمَّا نزل، بعد، أيفاعاً، نرفل، بحساب الخبرة والنضج، في عمر الفوران العقلي والوجداني!
تزامنت عطلة نهاية الاسبوع المعتادة مع بداية أو نهاية عطلة الاعياد، لا أذكر بالضبط. وبإضافة اليوم السابق عليها، والذي يمكننا أن (نأكله!) بسهولة، فقد صرنا موعودين بعطلة طويلة تستحق أن نرتب للاستمتاع بها بعيداً عن رهق الدراسة وروتينها المضجر، خصوصاً وقد استلمنا مرتب ذلك الشهر، والذي كان يعادل، بالمناسبة، مرتب طبيب سوفيتي!
كان التقليد المتبع أن يكون ثمَّة ضيف شرف على الاحتفالات في كل مرَّة. وفجأة، صباح اليوم السابق على بداية العطلة، علمنا من وسائط الاعلام السوفيتيَّة أن ضيف شرف ذلك العام هو .. جعفر نميري! فقرَّرنا، فوراً، أنا وصديقي وابن دفعتي الوحيد من السودان خالد عمر الريَّح، أن نشدَّ الرحال بقطار المساء، لنبلغ موسكو مع الفجر، يدفع خالداً الذي لا ينتمي لأيِّ حزب، حب الاستطلاع لرؤية (الرئيس الجديد)، أما أنا فيدفع غرارتي التشوق لرؤية ذلك الفارس المغوار الذي أعلن الاشتراكيَّة في السودان! هاتفت أبو ذكرى، كالعادة، أخطره بذلك. واجهتنا عقبة (الفيزا الداخليَّة) التي يتعيَّن على الأجانب الحصول عليها لزوم سفرهم من مدينة لأخرى، ولم يكن ليصعب علينا استخراجها، لولا ضيق الوقت. لكن صديقنا فيكتور، نجَّار داخليتنا، زلل المشكلة بأن اصطحبنا بعربته إلى محطة القطار، واشترى لنا التذكرتين باسمه.
قطار الشرق، أصلاً، مريح جداً. غير أننا ألفيناه، تلك المرَّة، ملوكيَّاً، فاخراً، شديد الرفاه، بل ولم تفتنا ملاحظة أن قيمة تذكرته نفسها كانت، على رخصها، أغلى بقليل من المعتاد! كان الثلج ما يزال، مثلما ظلَّ طوال الايام الماضية، يهطل نديفاً، يُغرق، في البياض المشوب بالزرقة، الميادين، والارصفة، وأسفلت الشوارع، وأسطح البنايات، وممرَّات الحدائق، وأغصان الشجر العارية. وتحت الأضواء الخافتة للمصابيح الصفراء المنتثرة في المحطة المُدَفأة المسقوفة، لمحنا، أمام باب العربة الملاصقة لعربتنا، ثلة من الرجال الملوَّنين في المعاطف وأغطية الرأس الصوفيَّة الداكنة. بدوا لنا من بعيد، ولأوَّل وهلة، طلاباً أفارقة أو هنوداً أو لاتينيين. ثمَّ، لمَّا اقتربنا منهم، وجدناهم أكبر سناً بكثير، فاعتقدنا أنهم ربَّما كانوا وفداً من الصومال، فقد كان الجنرال سياد برِّي أنجز، وقتها، (ثورته المظفرة!) هو الآخر، وأعلن (اشتراكيَّته العلميَّة!)، فصرت إذا رفعت حجراً، في أيَّة مدينة سوفيتيَّة، تجد تحته صوماليَّاً! لكن، باقترابنا منهم أكثر، صكت آذاننا اللهجة التي لا (تغبانا) .. لهجة مستعربي الوسط والشمال النيلي في السودان! فاندفعنا نحوهم بلا كثير تفكير:
ـ “السلام عليكم يا أساتذة”؟!
ـ “الله! إنتو طلبة هنا”؟!
وبعد فاصل من الاحضان والسلام الحار، إستحثنا أحدهم صائحاً، وهو يتقدَّمنا بخطو عجول وأنفاس مبهورة:
ـ “إتفضلوا تعالوا .. تعالوا .. الريِّس من الصباح عايز يقابلكم”!
من هو؟! ومن هؤلاء؟! وأيُّ ريِّس؟! ولماذا “عايز يقابلنا”؟! تزاحمت الاسئلة في رأسينا، والاجساد تدفعنا للصعود إلى باب العربة، بينما أحدهم يُبلِغ آخرين داخلها، عبر النافذة، بأنهم عثروا، أخيراً، على طلاب سودانيين!
خرج إلى الممر شابٌّ أسمرٌ، بجلباب أبيض، ورأس حاسر، و(شبشب) بيتي، وقد بدا كثير الوسامة، شديد الفتوَّة، جمَّ البساطة، وثمَّة فصدتان مضيئتان إلى جانب إحدى عينيه. عانقنا بحرارة، ومودَّة صادقة، ولهفة حقيقيَّة، ثمَّ ما لبث أن دعانا للدخول بحميميَّة، وأمر لنا بالضيافة .. كان ذاك هو النميري!
الأنوار الساطعة في الصالون (القيصريِّ) المترف سمحت لنا بأن نتفرَّس في الوجوه التي تحلقت في مجلس (الريِّس). لم نعرف منهم، في البداية، غير العم عبد الكريم ميرغني، لشهرته، والسَّمَّاني عبد الله يعقوب، خِرِّيج الاتحاد السوفيتي ومترجم الوفد. ثمَّ، بعد أن جرى التعارف، رسخ لدينا اسم منصور محجوب، وزير الخزانة آنذاك، فحفظناه، كان الوحيد الذي حفظنا اسمه لحظتها، ربَّما لأنه كان يضع قبعة تشبهها كثيراً قبعة سلفاكير الآن! ورويداً رويداً أدركنا أننا في حضرة (كبارات) رموز مايو الأولى! مع ذلك لم تتملكنا رهبة! وقد قرَّ في وعيي، من ليلتها، أن رهبة السلطان لا تتأتى إلا بفعل الاعتياد عليها. وبالحق، هل تتملكك، فوراً، الرهبة مِمَّن يلتقيك، عند أيِّ منعطف، ليبلغك، مثلاً، بأنه أصبح، للتو، وزيراً؟! لكن أمراً واحداً أصابنا بالذعر! فقد شرح لنا بعضهم أن الطائرة حُوِّلت لتهبط بمطار كييف، بدلاً من مطار موسكو الذي لم يمكنه استقبالها بفعل الثلج الكثيف ذلك الصباح، فنظم لهم مضيفوهم جولة نهاريَّة في المدينة، ريثما يحين موعد قطار المساء إلى موسكو. هنا تدخل (الريِّس) قائلاً، وقد علم أننا طلاب بجامعة كييف:
ـ “أيوه مرِّينا بيها، قالوا لينا فيها سودانيين، قلت ندخل نسأل عليكم، لكين السَّماني عقد المسألة .. قال البروتوكول ومش عارف إيه”!
ومع الرعدة التي سرت، خفيفاً، في أوصالنا، تبادلنا نظرة خبيثة، وابتسامة أخبث، بينما رحنا نحمد الله على (السلامة) في دواخلنا .. فقد كان ذلك هو اليوم الذي (دكينا) فيه الدراسة!
لكن ذلك الاحساس العابر سرعان ماتبدَّد عندما سألنا (الريِّس):
ـ “إنتو بالمناسبة بتقرو شنو”؟!
ولمَّا أخبرناه بأننا ندرس (القانون الدولي) صاح بحماس:
ـ “تمام! يللا خلصوا بسرعة .. أصلوا نحنا بعد شويَّة رايح يكون عندنا دُشمان مع العالم ده كلو”!
فانفجر المجلس بالقهقهات الصخَّابة!
إمتدت السهرة حتى وجه الفجر، وتشقق السَّمَر، بتلقائيَّة ، مراوحاً بين شئون مختلفات وأمزجة شتى، من (ساس يسوس)، إلى أغاني الحقيبة، إلى كرة القدم. وأذكر أن (الريِّس)، ما أن علم بأننا لم نسمع (البيان الأوَّل)، حتى انبرى يلقيه على مسامعنا، وقد حفظه، لدهشتنا، عن ظهر قلب (!) ويبدو أن تلك التلقائيَّة كانت بعض جاذبيَّة شخصيَّته الباكرة التي جعلت أفئدة من الناس تهوي إليه، خاصة صغار الضباط والجنود. وقد روى لي خالد الكد لاحقاً، في السجن، أنه شخصيَّاً، حين أقدم على انقلابه الخاطف أواسط الستينات، لم يتردَّد في وضع اسم النميري رئيساً لمجلس (ثورته)! كما ويبدو أن تلك التلقائيَّة هي التي شجَّعتني، تلك الليلة، على أن أفضي إليه بمسألة (الفيزا الداخليَّة)، وخشيتنا من التعقيدات التي يمكن أن تحدث لنا بسببها، فإذا به يلتفت، فجأة، إلى السَّمَّاني قائلاً:
ـ “أسمع .. سجِّلهم ضمن الوفد”!
أسقط في يد السَّمَّاني، فأومأ برأسه صامتاً، لكنه ما لبث أن اقترب منا هامساً:
ـ “طبعاً مش معقول”!
أنا نفسي كنت موقناً من أن هذا “مش معقول”، ومع ذلك فقد حدجت السَّمَّاني بنظرة خبيثة معناها أننا سنعلق المسئوليَّة على عنقك لو حدثت لنا مشكلة!
قبيل الفجر جاء العم عبد الكريم إلى حيث نجلس، وهمس لنا بأبويَّته المعهودة:
ـ “الراجل ده بالمناسبة عندو طاقة يساهر للصباح. ودِلوَكْت فضلت للوصول تلات ساعات، وحيكون في استقبال رسمي في المحطة، و(الترويكا) نفسهم حيكونو هناك، عشان كده حقو تستأذنو عشان ينوم شويَّة”!
خلفت تلك الليلة انطباعاً قويَّاً في نفسي، مثلما أن أحداث الايام التالية، ابتداءً من الاستقبال الحاشد بالمحطة، والذي قال السوفييت إنه لم يحدث من قبل إلا لكاسترو، وقد شاركوا فيه بمختلف قطاعاتهم، حتى تلاميذ المدارس، مثلما شارك الطلاب العرب والأفارقة واللاتينيين، بأهازيجهم ودفوفهم وآلاتهم الشعبيَّة، وانتهاءً باللقاء الضخم الذي نظم لـ (الريِّس) معهم بمسرح جامعة موسكو، كلُّ ذلك خلف انطباعات عميقة لدى كلِّ السودانيين هناك وقتها. وأذكر أنني كتبت، تحت ذلك الانطباع القوي، قصيدتي التي قلت في نهايتها: “وأهتفُ يا خرطومي/ أهتفُ حتَّى أشرَخَ حُلقومِي/ مايو .. مايو .. مايو”! كما أنشد أبو ذكرى: “آهِ يا خرطومُ يا ناري التي أحرُسُها بالبُندقيَّة/ كنتِ قبلَ اليوم شحَّاذاً زَريَّا/ كيفَ أصبَحتِ صباحَ الخمس والعشرين من مايو نبيَّا”!
والآن، ثمَّة أمران مهمَّان ما ينفكان يلوحان لي كلما جالت بخاطري بعض ذكرى تلك الملابسات:
أوَّلهما: أنني ما أن أطالع أو أسمع القول الشهير بأن “السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة”، حتى أعزو (الفضل) في استيعابي وفهمي له إلى المفارقة العميقة الكامنة في ذلك المشوار الذي قطعه النميري من أوَّل تلك الوقائع التي اتفق لي أن أكون شاهداً على طرف منها، إلى آخر المتغيِّرات الدراماتيكيَّة التي وقعت بعد ذلك بسنوات، علماً بأن المفارقة إما أن تفجِّر الضحك أو البكاء!
ثانيهما: أنني ، وبعيداً عن هذا الدَّرس، ما زلت لا أجد تفسيراً مقنعاً للسهولة التي تمكنا بها من الوصول إلى (الريِّس)، والالتحام به وبمعاونيه، في تلك الليلة الصَّقيعيَّة الكابية، تحت ضوء الفوانيس الصفراء الخافتة بمحطة قطارات كييف، دون أن يعترضنا حرس، أو يمنعنا رجال مخابرات، مِمَّا تحيط به أصغر دولة ضيوفها الكبار، دَعْ أن تكون تلك الدولة هي الاتحاد السوفييتي، وأن تكون تلك الشخصيَّة (ضيف الشرف الرسمي) على أضخم أعيادها طرَّاً!
لويس الرابع عشر لم يقل مطلقاً انه الدولة وان كانت تصرف فعلياً كأنه كذلك … هذه من أخطاء التاريخ التي نسبت اليه وسار بها الركبان
والتاريخ مليئ بمثل هذا حتى في الحاضر من المشهور ان روبيرت ميردوخ عملاق الإعلام الكبير من المشهور بين الناس انه يهودي وذلك أيضاً غير صحيح لأن الرجل كالفنست اي يتبع مذهب كالفن احد المذاهب المسيحية المتأخرة نسبياً. ..
والناس تصدق مايشتهر دون بحث وتمحيص..