حكومة البصيرة أم حمد

سلمى التجاني

واصلت الأجهزة الأمنية حملة إعتقالات جديدة في صفوف القوى السياسية المعارضة، فاعتقلت مساء أمس الأول خالد عمر يوسف نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني. وقد بدأت هذه الحملة بعد دعوة الأحزاب للمواطنين للإحتجاج على السياسات الإقتصادية الأخيرة، التي جاءت لمعالجة الفوضى الإقتصادية في أسعار السلع وتهاوي قيمة الجنيه السوداني أمام الدولار الأمريكي، فوضعت البلاد على حافة الإنهيار الإقتصادي.
ويمكن قراءة الاستمرار في إعتقال القيادات والكوادر الوسيطة للأحزاب، والإبقاء على المعتقلين الذين تم احتجازهم خلال حراك يناير الماضي، ضمن خطة جهاز الأمن للسيطرة على الشارع، في ظل تخبط الحكومة وانشغالها بتغييرات داخلية لا تعدو أن تكون مجرد نشاط يمكِّن الرئيس من البقاء في الحكم والترشح في انتخابات الرئاسة المزمع عقدها في العام 2020 م.
وتتضح محاور خطة جهاز الأمن لمنع الاحتجاجات في ثلاث نقاط :
محاولة شق صفوف المعارضة وذلك باطلاق معتقلي بعض الأحزاب دون الآخرين، وقد أثبتت هذه الخطة فشلها وتعاملت معها قوى المعارضة قيادةً وقواعد بوعيٍ كبير أماتها في مهدها.
المحور الثاني هو تعطيل عمل قوى المعارضة باجراء مزيدٍ من الإعتقالات في صفوفها وكوادرها الوسيطة التي يُتوقع إدارتها للعمل القاعدي بالأحياء، وذلك لشل حركتها، ما يضمن عزل الأحزاب عن قواعدها وعامة الشعب. لذلك جاءت اعتقالات كوادر الحزب الشيوعي ببعض محليات أمدرمان، وهي وسيلةٌ وإن أشعرت النظام بنشوة النصر لفترة، إلا أنها، ولكونها حل فوقي لا يتعامل مع الأسباب الحقيقية لغضب الشارع وخروجه في يناير الماضي، تظل الأزمة قائمة، ويبقى الإحتجاج وربما الأسوأ منه من مظاهر الفوضى محتملة، فالمواطن المعدم لن يفكر في عواقب خروجه للشارع إن كان لا يجد ما يقدمه لأطفاله وأسرته من كفاف قوت.
وتتضح معالم المحور الثالث في محاولة شغل الرأي العام عن الأزمة الإقتصادية، وذلك بتدفق الكثير من أخبار التغييرات داخل الحكومة، فيجد المواطن نفسه في دوَّامةٍ من أخبار ظاهرها عزم الحكومة على معالجة الأزمة الإقتصادية وضرب أوكار الفاسدين بداخلها، أما حقيقتها فهي مجرد إلهاء وكسب للوقت حتى تعيد الأجهزة الأمنية ترتيب نفسها في عهدها الجديد، وتحكم من قبضها على الشارع. وقد توقَّع الإقتصادي معتصم الأقرع في مقالٍ له بعنوان (إقتصاديات البصيرة ام حمد) نتائج محاولات الحكومة لمعالجة الأزمة الإقتصادية بقوله (إذا استمر النظام في حلوله الأمنية لمشاكل علمية… فإن النتيجة الحتمية على المدى البعيد تتجلى في هبوط الإنتاج في قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات والتجارة وانهيار النظام المصرفي).
سيوسع جهاز الأمن من حملة الإعتقالات، وسيزيد من مظاهر البطش بالمعارضين رغم إدانات المنظمات الحقوقية الدولية وسفراء الإتحاد الأوروبي، وسيستمر نشر أخبار التعديلات في أجهزة الحكومة وحزبها، لكن الأزمة الإقتصادية تبقى كما هي، وكلما زادت محاولات الإلتفاف والمعالجات الخرقاء، كلما اقتربنا أكثر من لحظةٍ حاسمة، لحظة اختيار بين الموت جوعاً أو برصاص أجهزة قمع النظام.

* مروية شعبية تقول أن البصيرة أم حمد أرادت إخراج رأس الماعز من برمة العجين، وعندما عجزت قطعت رأس الماعز فسقط بداخل البرمة، ولتخرجه حطمت البرمة، فأضاعت الماعز والبرمة والعجين.

زر الذهاب إلى الأعلى