جريزلدا: عندما رأيت عبد الله الطيب أُعجِبتُ به وبابتسامته

بالرغم من أنه كان يشكو من الاستعمار الانجليزي, كان همِّي معلَّقاً به وبأسنانه البيضاء وضحكته وشخصيته
أنا من بادرت بالتواصل معه لأن والده توفي وهو صغير وحدثت له كارثة ويحتاج لشخص يكون قلبه معه.
لم أجد مضايقاتٍ من أسرتي ولا من أسرة عبد الله, وعندما علموا أنه يحضِّر للدكتوراة ومن أسرة المجاذيب قالوا: هذا الطالب لديه مستقبل ممتاز ومن أسرة محترمة
عندما اقترب من الانتهاء من الدكتوراة خَفْتُ أن يرجع إلى السودان ولا ألتقِيَه مرةً أخرى فقلت له: (شوف) يجب أن نتزوج.
بابتسامة الوضيئة وأسنانه البيضاء اجتذب الطالب السوداني بجامعة لندن (عبد الله الطيب), إعجاب واهتمام الفتاة الإنجليزية الحسناء (جريزلدا)، وعند اقتراب إكماله دراسة الدكتوراة بادرتُ بطلب الزواج منه خوفاً منأن يعود إلى بلاده ويتزوج من سودانية، لكنه رفض متعللاً بأنه يعُول أَخَواته الثلاثة بعد رحيل والديه، ونتيجةً لإصرارها وعزيمتها نجحت في تتويج حبِّها له بالزواج في نهاية أربعينيات القرن الماضي، ورغم أن رفيق دربها ينتمى إلى قارَّة متخلِّفة، تئنُّ تحت وطأة الفقر، لم تتردد الفنانة التشكيلية جريزلدا في ترك الترف والمستقبل المشرق في عاصمة الضباب والذهاب معه إلى قريةٍ نائيةٍ في قلب إفريقيا بعد عامين من زواجهما، وبعد وصولها في مطلع الخمسينات انبهرت بالزي والفلكلور السوداني لدرجة أنها أصدرت باللغة العربية والإنجليزية بعنوان(الخرطوم بعيون الرسامين)، ومنذ ذلك الوقت أصبح قلبها معلَّقاً بالسودان، وتحدثت جريزلدا, بمنتدى (كباية شاي) الذي تنظِّمه (التيار) كل خميس, بحسرةٍ بالغةٍ عن الظلم الذي تعرض له البروفيسور عبد الله الطيب, من الحكومات السودانية المتعاقبة، وقالت إن فصله من جامعة الخرطوم كان بدافع الحسد. إلى التفاصيل:
الخرطوم: عمَّار حسن
الحلقة الأولى
التوثيق للزي السوداني
شكراً لأسرة (التيار) التي استضافتني وأشكر كل الحضور، ربنا يرحم البروف عبدالله الطيب، بصفتي امرأةً عجوزاً عشتُ حياةً طويلةً ومررت بحواجز وتغييراتٍ كثيرةٍ منذ أن حضرت للسودان في أول مرة سنة 1950 إلى يومنا هذا، وتعرفت على الكثير من العادات السودانية والملابس الوطنية التي لفتت انتباهي مثل (دق الشلوفة والشلوخ والمركوب والتوب السوداني) وغيرها من الأشياء التي اختفت في هذا الزمان، وعندما حضَّرْتُ الماجستير في معهد الدراسات الإفريقية بجامعة الخرطوم كتبت رسالتي عن هذا الموضوع تحت إشراف دكتور سيد حامد, وكان قد أتى لتوِّه من أمريكا وهو أول سوداني يتخصص في الفلكلور وأشكره لأنه ساعدني في إكمال البحث، بالفعل قدَّمت البحث سنة 1975 في جامعة الخرطوم تركت 5 نسخٍ في مركز الدراسات الإفريقية بالجامعة وكلية الدراسات العليا، ثم أتت سيدةٌ ألمانية تبحث عن الفلكلور السوداني ولم تجد دراسةً سابقةً فقلت لها: أنا عندي أفكار عن الموضوع وذهبنا سوياً وبحثنا إلى أن أكملت الدراسة وذهبَت بالكتاب لسفير السودان في لندن الذي أعجب به وتكفل بالطباعة (كتر خيرو) ولابد أن أشكر شركة (دال) لأنها موَّلت هذا الكتاب.
تجربة مفيدة
أنا وُلِدت وتربيت في لندن لكن عندما جاءت الحرب العالمية رُحِّلْنا، فتجد أن بعض الناس رُحِّلوا بعيداً عن أهلهم والتقوا بأشخاص لا يعرفونهم من قبل، حدثت هذه الحكاية غصباً عنَّا بسبب الحرب، لحسن حظي كان أبي أستاذ لغة فرنسية وأرسلني إلى أسرة في فرنسا وقضيت هناك حوالي أربع سنوات وكانت هذه تجربة بالنسبة لي تعلمت من خلالها اللغة الفرنسية، بعد تلك الفترة رجعت إلى لندن وكان أبي (مبسوط خالص) على كل حال أنا أحببت هذه الأسرة فكنت أزورهم كلَّ عام فجاءت الحرب العالمية الثانية وأخذت كلَّ شئ، لكن بعد الحرب تواصلتُ معهم مرةً أخرى، الشئ الجميل الذي حدث أن نفس الأسرة التي نزلت معها في السبعينات كان والدهم يسمي باتريس مانيج, جاء ابنه أستاذاً إلى جامعة لندن وتزوَّج من تاريزا هوب, وإلى الآن لي علاقة معهم ونتواصل دائماً، هذه التجربة نفعتني عندما جئت إلى السودان وفهمت أن هناك أناساً مختلفين لهم أنواع مأكولاتٍ وسلوكٌ وبرتكولٌ مختلف، فعندما جئت السودان جاءوا بي إلى الدامر وأنا لا أعرف (ولا كلمة عربي), وإلى الآن أنا وسط أخوات عبد الله الطيب.
اللقاء بعبد الله الطيب
درست أربعة سنين فن الفلكلور في كلية الفنون الجميلة وكنت أتمنى أن أكون أستاذةً في هذا التخصص وهناك معهد يلتحق به أصحاب هذا التخصص لسنة ليصبحو مدرسين، انظر إلى الـ(قسمة) التي قادتني إلى كلية التربية بجامعة لندن كان عندي زميلان في قسم الفن هم عبد الرازق عبد الرحمن, وجمال مبارك, عليهم الرحمة وكان لدى عبد الرازق, أصحابٌ في قسم آخر من بينهم المرحومان أحمد الطيب وعبدالله الطيب, وهو الذي عرَّفني بالدكتور عبد الله، “يا سلام!” عندما رأيته ورأيت إبتسامته أُعْجِبت به لكن هو يحكم عليَّ باستمرار ويقول لي: (أنتو فعلتو كذا وسويتو لينا كذا).
همي معلق به
وبالرغم من أنه كان يشكو من استعمارنا بلده كان همِّي معلَّقاً به وبأسنانه البيضاء وضحكته وشخصيته وذات مرةٍ شاهدت في التلفاز حماسته, وموهبته في كسب الناس وجعلهم متحمسين للغة العربية والأدب العربيِّ, وأتمنى أن يأخذ الناس هذه الحماسة منه, ورأيته يفعل ذلك في الدروس الخاصة بالملك وكان كلُّ الناس يجلسون على الأرض في حضرة الملك الذي يستمع إلى المحاضرات من العلماء من داخل البلد وخارجها وكل واحد يجلس في الكرسي أمامه وأستمرت هذه الحكاية لمدة 8 سنين وبعد هذه الفترة السفير السوداني أبلغ وزيره في السودان أنَّ عالماً فذاً موجودٌ في بريطانيا اطلبوه, وبالفعل جاءته دعوة من وزارة الأوقاف وطلبو منه أن يكتب لهم عن عدة مواضيع ثم يسلِّمها للوزارة لتقوم بتصحيحها.
تحية الملك
بعد ذلك جاءت الجلسة كان الملك يجلس على بلاطه وبجانبه كل وزراءه جالسين على الأرض بجانب العلماء المدعوين وكل سفراء الدول الإسلامية, وفي البرتكول: عندما يستعد كل الموجودين في بلاط الملك يحيُّونه قبل المغادرة وعندما همَّ عبدالله, بالمغادرة قام الملك من كرسيِّه ونزل من بلاطه وسلم على عبدالله الطيب، نفس الأشياء التي جذبتني وأعجبتني في الدكتور عبدالله, هي التي أعجبت الملك وهي نفسها الأشياء التي جعلت الناس تحبُّه وتحبُّ كلامه وشخصيته.
الذهاب لصلاة العيد
عندما نتكلم عن تمسُّك عبد الله الطيب بالدين والبيئة الدينية في الدامر في ذلك الوقت كان النساء منفصلين عن الرجال في البيئة ولا يذهبون إلى المسجد ولا يشتركون في حلقات الذكر ولا غيره، لكن في صلاة العيد بدأ النساء يذهبون إلى المسجد رويداً رويداً وأنا كنت أذهب معهن ولاحظت في كل سنة أن عدد النساء يزداد مع نقصان واضحٍ في عدد الرجال، طبعا بعد الصلاة هناك خطبة لكن الرجال يغادرون عند انتهاء الصلاة مباشرةً لأن عندهم مسئوليات بينما ينتظر النساء حتى انتهاء الخطبة وفي اعتقادي أن هذه فرصة للنساء لأنهم يخرجون للصلاة مرتين فقط في السنة ويرتدون أحسن الثياب لكن الرجال يرتدون الجلابية ويذهبون إلى المسجد كل أسبوع لذلك نجدهن يهتممن بهذه المناسبة.
أنا بادرت
في قصة ملاقاتي مع عبدالله الطيب أنا من بادرت بالتواصل، هناك شيءٌ لابد أن تفهموه وهو أن عبد الله توفي والده وهو صغير عمره 14 سنة وبعد فترة قصيرة توفيت والدته ثم جدته وحدثت له كارثة، وأصبح هذا الشاب الصغير مسئول عن شقيقاته الثلاثة اللائي يحتاجون له لكنه كان يحتاج لشخص يكون قلبه معه، فوجدت لنفسي هذا الدور في حياته مثل صديقه وأخيه وأخته وسكرتيره، رويداً رويداً شعر أنني مستعدةٌ أن أكون معه في كل شئ، المشاكل المالية والأسرية والكتابية، هو كان يدرس في كورس لنيل الدبلوم وأنا كنت أدرس في كورس آخر لإتمام الشهادة حتى أصبح أستاذة، وقبل نهاية السنة قال أحد المدرسين أن عبد الله (شاطر) ويستحق درجة أعلى من الدبلوم وتحدث مع الوكيل في السودان بأن يمكث عبد الله في لندن حتي يحصل على البكالريوس فسمحو له بالبقاء في إنجلترا حتى إكمال دراسته ثم العودة إلى السودان، وذهب وعمل تمهيد للبكالريوس وعند حصوله على البكالريوس قال الأساتذة: هذا الشخص يعرف اللغة العربية أكثر منَّا يجب أن يحصل على الدكتوراة وفجأة وجد نفسه مسجلاً للدكتوراة وكان فرحاً جداً ويريد أن يدخل مجال الحكومة وكان ذلك قبل الاستقلال ويسيطر الإنجليز على الحكم وحاز على منحة من الحكومة لعمل الدكتوارة، وعندما بدأ يكتب رسالته بالانجليزية كلَّ مرةٍ يقول لي: (تعالي شوفي الكلام دا صاح ولا في إسلوب إنجليزي أحسن من كدا) وأنا كنت لا أعرف أي شئ وعرفت أن أبو العلاء المعري, شاعر لكنه لم يعجبني مع أنه كان شخص كفيف لكن لم يعجني لا أدري لماذا، على كل حال أنا كنت أراجع له اللغة في رسالة الدكتوراة، أبو العلاء المعري, أيضاً كان يكره النساء ولمست هذا الشئ من كتاباته فيما بعد، بالمناسبة في عصر آبائي كانت المنافسات على النساء تتم عبر التصويت وانتهت هذه العادة بعد الحرب العالمية وأمي كانت تجتهد عند ذهابها إلى المدرسة في الحصول على الماهية التي يحصل عليها الرجال وهذا الشئ يحدث هنا، وأنتم تقولون أن وراء كلِّ رجل عظيم امرأةٌ دائماً تكون بجانبه.
قصة زواجنا
بعد الانتهاء من الكورس الخاص بي بحثت عن عمل ولم أجد عملاً إلا خارج لندن في مدرسة مختلطة بنين وبنات على بعد مسافة 50 كيلو متر تقريباً، وكان لابد أن أزور أهلي كلَّ سبت وأحد, لكني كذبت عليهم وقلت لهم أن عندي موضوعاً في المدرسة وكنت أذهب لأهلي كل 15 يوم وبقية الفترة أذهب لعبد الله، في ذلك الوقت كنت أراجع معه رسالة الدكتوراة (وحبينا بعض) نتيجة لذلك عندما اقترب من الانتهاء من الدكتوراة خِفتُ أن يرجع إلى السودان ولا ألتقيه مرة أخرى (قبضته) وقلت له: (شوف) يجب أن نتزوج، قال لي: أنا عندي أخوات لن تستطيعي أن تعيشي معهم، بعد ذلك ذهب إلى السودان وزوَّج إحدى أخواته ورجع إلى لندن، وتزوجنا في البلد التي كنت أدرس فيها ولم أخبر أهلي بهذا الزواج وأخبرتهم فيما بعد، لم يكن زواج في السر وإنما زواجٌ مدنيٌّ يتم عبر مكاتب الحكومة بعد التأكد من الاسم كاملاً واسم الأسرة بوجود شهود.
لم نجد مضايقات في زواجنا
عندما أردنا أن نعود إلى السودان بعد سنتين من زواجنا عبد الله, قال لي: بعد أن نصل (نعمل عرس تاني، دهب ورقيص وكلو)، وبعد عودتنا ذهبنا إلى الشيخ المجذوب قمر الدين وهو من المجاذيب المعروفين وكان يوجد معه خمسة مشايخ وتكلم معهم عبد الله بالعربي، سألوه الزواج في إنجلترا كان كيف والبرتكول والطريقة التي تم بها؟ فأجابهم فقالو له الزواج صحيح ومقبول، فقلت له: (وين الدهب وباقي الحاجات)، بعد أن أعلنَّا زواجنا لم أجد مضايقات من أسرتي ولا من أسرة عبد الله، بل على العكس عندما علموا من وكيل السودان أن عبدالله, يحضِّر للدكتوراة ومن أسرة المجاذيب قالو أن هذا الطالب عنده مستقبل ممتاز ومن أسرة محترمة.

التيار

تعليق واحد

  1. عبد الله الطيب راجل عنصري كان يري الجنوبين اقل من الشمالين و الطيب مصطفي زعيم العنصرييين يشتشهد بعبد الله الطيب في اكثر من موضوع. اتمني ان يصفح اخواننا الجنوبين عنه

  2. عبد الله الطيب راجل عنصري كان يري الجنوبين اقل من الشمالين و الطيب مصطفي زعيم العنصرييين يشتشهد بعبد الله الطيب في اكثر من موضوع. اتمني ان يصفح اخواننا الجنوبين عنه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..