كيف انتقم الرئيس البشير من المناصير. نزيف الروح… وداعاً بلابل الدوح

علي عسكوري

مدخل
منذ العام 2003، دخل ديكتاتور السودان وأسوء من حكموه منذ تاريخ ما قبل الميلاد، في تحد صريح ومواجهة مفتوحة مع المناصير عازماً على إخراجهم من أرضهم بكل السبل وبأكثرها خِسة ولؤم! خسر الديكتاتور المعركة فلجاء كعادة الطغاة للانتقام مِن مَن مرّغوا أنفه في التراب أمام مستثمرين وعدهم بتسليمهم الأرض! آفة البشير، مثله مثل كل الطغاة، أنه لم يقرا التاريخ، ولو قرأه لما دخل في ذلك التحدي ابتداء، فقد عمّد أجدادنا تلك الأرض بدمائهم الطاهرة ورووها حتى فاضت، وليست عزيمة الأحفاد بأقل من أسلافهم، فتلك الأرض هي ارضنا ووطننا ليس على النيل فحسب بل أينما رعى اسلافنا انعامهم ووقفت خيولهم وجمالهم، لا يهم ماذا يفعل الطاغية وزبانيته وفى ماذا يفكرون وعلى ماذا يتآمرون! تعادل أرضنا خمسة اضعاف مساحة إمارة قطر، دافع عنها أجدادنا في السابق أمام إمبراطوريات عاتية حتى شهد لنا مؤرخوها بذلك، وسندافع عنها ونموت دونها متى ما دعي الداعي، اليوم وغد وبعد غد والى يوم النشور. وكما قال صديقنا نميري أحد قادة المناصير: “حتى يوم البعث سنكون آخر من يغادر أرضه”. ذلك هو موقف المناصير ومبدأهم في التمسك بأرضهم. تلك الرسالة الواضحة لم يفهمها الطاغية، ربيب الإسلام السياسي وصنعة الترابي وخادمه، فجاء ليحاول ما فشل فيه من سبقوه، فحصد الهشم ومُرّغ أنفه في التراب، و “ماص وشرب” كامل قراراته.
من ناحية تاريخية بحتة في تاريخ الهجرة القسرية المصاحبة للسدود، يعد انتصار المناصير على البشير وبقائهم في أرضهم أول انتصار على مستوى العالم لمجموعة متأثرة بخزان تفرض خياراتها على الدولة وتقرر مصيرها بكامل إرادتها. وفى حقيقة الأمر سبق تقرير المناصير لمصيرهم، تقرير المصير لجنوب السودان.
إن عزيمة أهلنا وإرادتهم في التمسك بالأرض مثل صخور المنطقة، لا يكسرها سلاح ولا ينال منها وعيد اوتهديد ولا يهزها صراخ طاغية متهور خائن للعهود تآمر حتى على من أحاله من لا شيء الى رئيس دولة! وما كان البشير ليكون شيئاً لولا حسن الترابي الذي أعماه حبه للسلطة فنصّب فيها أقل السودانيين فهماً ومروءة وخلقة وأخلاقاً، وما درى الترابي أن الرجل فوق كل ذلك خائن للعهود يكذب كما يتنفس! إن الفاجعة التي نكب بها مجتمعنا الأسبوع الماضي ليست قضاء وقدرا كما حاول الطاغية وزبانيته وإعلامه الكاذب أن يضلل السودانيين، إنما في حقيقتها جريمة متعمدة كاملة الدسم، خطط لها الطاغية قبل أكثر من خمسة عشر عاما، لكسر إرادة أهلنا لإخراجهم من الأرض ولكنه حصد الهشيم.
يؤلمنا ويحزننا ويفجعنا فقد أطفالنا، لكنه لا يفت من عزيمتنا في التمسك بالأرض ولا ينالها ولا يزعزعها قيد أنملة، فالأرض دونها المهج والأرواح وكل شيء! نحن قوم أُولى بأس وشمم وكبرياؤنا فوق الثريا السماك الأعزل.
وسيعلم الطاغية ولو بعد حين موقفنا، فاليوم ورغم الفاجعة نحن اشد مراساً واصلب عزيمة بعد وقفة السودانيين والعالم معنا.

الموقع والجغرافيا والتاريخ

في صبيحة الثلاثاء 15 أغسطس 2018، ذلك اليوم النحس المشؤم عندما بلغني خبر ذلك المركب المنكوب، أصابتني الصدمة بحالة وجوم وارتعاش كمن ضربته صاعقة من السماء، وطفقت أدور في المنزل من غرفة لأخرى محاولاً تكذيب ما سمعت، وبدأت أتحسس نفسي إن كان ما سمعته حقيقة علىّ تقبلها والتعامل معها أم كابوسا مخيفا، ولكن كيف يستوعب الإنسان أن يغرق جميع أطفال قريته تقريبا في لحظة واحدة! أن تتحول قرية من مكان ملئ بالحياة يتقافز الأطفال في أزقتها وساحاتها، الى صمت مطبق، فذلك أمر – اعترف – استصعب علىّ استيعابه.. اين ذهبوا! أي نوع من المأساة هذه !!!!؟
ورغم تواتر الأخبار الحزينة والصادمة عن الكوارث والمآسي والنكبات والموت والأشلاء الممزقة في الحروب العبثية والخراب والدمار التي كانت وماتزال تمثل الأخبار الرئيسية لنظام الإنقاذ في الثلاث عقود الأخيرة التي ظل يقذفنا بها كل صباح حتى لم يبق في الخاطر موضع لحزن إضافي، إلا أن هذه النكبة وهي الثالثة التي يرتكبها البشير في مجتمعي الصغير، فطرت قلبي وارتجف لها كبدي وخنقتني العبرة وطغى علىّ حزن وأسى لم أعرف لهما مثيل من قبل، رغم ما مررت به من أحزان ونكبات في حياتي.
قرية الكنيسة (ينطق اسم القرية بكسر الكاف كتصغير لكلمة الكنيسة). قرية صغيرة جدا وهي جزء من قرية “كبنة” (بفتح الكاف وتشديد الباء وفتح النون)، تقع على بعد يقل عن الثلاثة كيلومتر في الجزء الجنوبي الغربي من كبنة أعلى النهر (لاحظ المسافة لأنها ترتبط بالمأساة وسنتعرض لها لاحقا).)
تتكون الكنيسة من سبعة بيوتات رئيسية (أولاد عطا المنان، الطهراب، ابوشورة، أولاد عبد المجيد والولى، أولاد عوض الله، الكلوسة، البصرا). ربما لا يتعدى عدد الاسر في هذه البيوتات العشرين اسرة خاصة بعد هجرة بعض الأسر الى مشروع التوطين في المكابراب بالقرب من الدامر. بيتين فقط من هذه البيوت (ابوشورة، واولاد عبد المجيد) نجيا من حادثة الغرق، ربما السبب في ذلك يعود انه ليس لهما أطفال في سن المدرسة، إذ لو كان لهم أطفال لكانوا قد استغلوا ذات المركب المنكوب، لأن أطفال القرية يذهبون للمدرسة سوياً.
ذكر لى جدي رحمه الله أن القرية سميت بالكنيسة لوجود كنيسة بها أيام دويلات النوبة المسيحية، ففي مقابل القرية على الضفة الأخرى للنيل يقع ” جبل الصالح” وهو جبل معروف أعلى قرية “الكراع”. يذكر أجدادنا ان الروايات المتواترة تقول إن الكاهن في العهد الكوشي كان يسكن أعلى الجبل حيث يوجد كهف منذ ذلك الزمن والى اليوم، ثم حسب الرواية أصبح ذلك الكهف مسكناً للراهب أيام المسيحية، حيث يعبر الراهب النهر الى موقع الكنيسة بقرية الكنيسة الحالية ليؤدي الصلوات ويعود لإنقطاعه بالكهف. ويمكن استنتاج ان الوضع تغير بعد انتشار الإسلام وأصبح الجبل يعرف بـ” جبل الصالح”، دون أن يعرف من كان ذلك الصالح ومتى عاش، ورغم سؤالي لأهلنا لمعرفة ذلك ” الصالح” الذى أخذ الجبل إسمه منه، إلا أنى لم احصل على إجابة محددة، يكتفى الناس فقط بإضافة كلمة “الصالح” دون معرفته، والراجح عندي أن الجبل كان مقرا للكهنة منذ العهد الكوشي، ثم ورثه الرهبان المسيحيين، وآل الأمر بعد الأسلمة الى المسلمين، وهذه دعوة للباحثين والمؤرخين لزيارة الجبل خاصة وانه لا يبعد كثيرا عن ضفة النيل.
في عقد الستينات من القرن الماضي انتقل والدي رحمه الله بالأسرة الى قرية الكنيسة نسبة لظروف الزراعة متخذاً من منزل عمنا الحسن الكليس ـ والد صديقنا مصطفى الكليس قائد المركب المنكوبةـ مسكنا، إذ كان قد هاجر بأسرته قد هاجرت الى منطقة “قلع النحل” بالقرب من القضارف وعاشت هناك لفترة من الزمن، وكان منزلهم شاغراً. أمضينا هناك حوالي العامين وكنت مع أخي الأصغر نأتي للمدرسة مع أطفال القرية راجلين كل صباح ونعود ظهرا. ربما لا تزيد الرحلة بالأرجل عن نصف ساعة للأطفال وتقل عن ذلك للكبار، ولذلك فهي مثلها مثل أي رحلة يومية للمدارس يقوم بها الأطفال في أرياف السودان الأخرى.
لم تتأثر قرية الكنيسة كثيرا بمياه بحيرة المناصير التي تكونت نتيجة لبناء خزان الحماداب خاصة المساكن التي لم تبلغها المياه نتيجة لارتفاعها وإن غمرت المياه كامل الأرض الزراعية وقضت على أشجار النخيل الكثيفة تحت القرية كما قضت على أشجار الفواكه والأخشاب وغيرها. في مقابل ذلك، كما حدث في قرى أخرى من المنطقة استفادت القرية من الأراضي الواسعة، إما تلك التي كانت موجودة أصلا او التي أضيفت للرقعة الزراعية بفضل عملية الأطماء الضخمة التي اصابت المنطقة نتيجة للسد – وهذه دعوة للمختصين في علوم المياه والزراعة لزيارة المنطقة للوقوف على حجم الأطماء التي يجبلها النيل سنويا، فهو أمر لا يمكن تصديقه -. ظل سكان القرية يستفيدون من هذه الأراضي لزراعة المحاصيل والخضروات والعلف عند انحسار مياه البحيرة في الفترة من فبراير حتى مطلع أغسطس.
وبالرغم من قرب المسافة بين الكنيسة وقرية كبنة (حيث توجد الخدمات الأساسية، مدارس، مستشفى ومتاجر) يوجد وأدى ضخم يعرف بـ “وادي كبنة” وهو وادي مشهور. وجود هذا الوادي قاد لتعقيدات في الحركة ومشاكل “لوجستية” بعد ملء البحيرة قادت للكارثة كما نوضح. الوادي عرضه حوالي 50 متر وعمقه حوالي ثلاث أمتار تزيد أحيانا عند انحدار السيول نسبة لعملية الجرف التي تحدثها السيول لقاعه خاصة وأن السيول تأتى مندفعة بسرعة فائقة الى أن تصل النيل ويسمع دويها بالضفة الأخرى. يمتد الوادي ربما لأكثر من 50 كيلو في صحراء بيوضة الى الجنوب الشرقي حتى ينتهي في منطقة تعرف بـ “الفِشاقى” حيث يتحول انحدار الأرض في اتجاه منطقة الشريك في أرض الرباطاب. تصب في مجرى الوادي من جنبتيه العديد من الأودية والخيران أصغر حجما منه. تجلب كل هذه الأودية سيول بكميات مختلفة من مياه الأمطار لتلتئم في الوادي الذي يأخذها بدوره الى النيل. وبالنظر لكمية المياه التي تجلبها السيول باندفاع هائل وفى فترة قصيرة (في اغلب الأوقات ينتهي السيل في ثلاث او أربع ساعات ويضعف جريانه كثيرا بعدها). وكنتيجة لظواهر الطبيعة هذه، حافظ الوادي على عمق مجراه عبر الحقب.
يظل مجرى الوادي جافاً أغلب شهور العام، وفى السنوات قبل أن تغير الإنقاذ مواعيد العام الدراسي، لم يواجه طلاب الكنيسة مشكلة في الوصول للمدارس، لأنهم في العطلة أيام الخريف، وفى مطلع سبتمبر عند بداية العام الدراسي تكون السيول قد توقفت إلا في حالات نادرة.، وحتى عندما تحدث هذه الحالات النادرة تكون ليوم أو يومين على الأكثر وتعود الحياة لطبيعتها فيذهب الطلاب للمدرسة بصورة طبيعية. يصح هذا الوضع على كل القرى التي تجاور الوديان على طول المنطقة وعلى ضفتي النيل.
كان ذلك هو الوضع ودورة الحياة قبل بناء خزان الحماداب وملء بحيرته.

الفاجعة

بعد ملء البحيرة تغيرت طبوغرافية المنطقة وتغيرت دورة الحياة فيها ايضاً.. صارت الشهور من سبتمبر حتى فبراير شهور بلا نشاط زراعي يذكر – ما عدا القليل في الأراضي التي استصلحها المواطنون في التروس العليا – لأن مياه البحيرة تغمر كامل الأراضي الزراعية. في السابق كانت هذه الشهور هي شهور النشاط الزراعي والإنتاج، لكنها الآن أصبحت ميتة يمارس فيها أغلب المواطنين نشاطات أخرى غير الزراعة (حاليا تعدين الذهب). في مقابل ذلك تحولت الشهور من فبراير حتى نهاية أغسطس (قبل ملء البحيرة) شهور للنشاط والإنتاج الزراعي عندما تنحسر مياه البحيرة عن الأراضي الزراعية.

يجب على التوقف هنا ولفائدة القارئ غير المتابع أن أشير الى أن حياة المجتمع وفي المنطقة ورغم الإغراق المتعمد وكنتيجة لإصرار المواطنين للبقاء في أرضهم، ظلت كما هي وإن تغيرت الطبوغرافيا. فالقرى القديمة التي أغرقتها مياه البحيرة أعاد سكانها بنائها من جديد اعلى موقعها القديم في الأرض المرتفعة واحتفظوا باسم قريتهم كما هو! ولذلك فبالمسبة للمجتمع ومواقع القرى لم يتغير شيء، كل قرية في موقعها، فقط رفعت القرى الى أعلى، واستمرت الحياة. قام الأهالي أيضا، بعد رفض الدولة المتعمد بإعادة بناء المدارس والخدمات من جديد اعتمادا على مجهودهم الذاتي دون انتظار لحكومة فاسدة تجيد فقط بيع الوعود، وقد تفاجا البشير وزبانيته وصدموا بحقيقة إن كل الإغراق واسع النطاق لم يعطل الحياة في المنطقة. كان الإغراق في شهر أغسطس والعام الدراسي قد بداء، توقفت المدارس لأقل من أسبوعين فقط، ثم فتحت في مواقع موقتة، ثم في اقل من ثلاثة أشهر اكتمل تشييدها من جديد بالمجهود الذاتي وواصلت عملها. تلك كفاءة وفاعلية وإنجاز لم تسمع بهم حكومات السودان عبر تاريخها (لمن يرغب يمكن مراجعة كتابي: خزان الحماداب: نموذج الإسلام السياسي للإفقار ونهب الموارد).
رافق أيضا عملية الإغراق حيث طمرت المياه جميع الطرق الممهدة، تحول جديد في حياة السكان، فاستبدلوا وسائل النقل من الدواب والسيارات الى مراكب المكنة، وهى مراكب صغيرة تصنع من البراميل يدفعها محرك ” ياماها” صغير. وجد الناس أن هذه المراكب عملية وسريعة ومريحة وأصبحت وسيلتهم المفضلة للتنقل في المناسبات الاجتماعية والأعياد وخلافها. تجوب البحيرة يوميا مئات المراكب شرقا وغربا وعلى الضفتين. رغم لك لا اذكر حادثا واحدا خلال العشر سنوات الماضية (2008 – 2010) تسبب في فقد أرواح.
لذلك التحوّل في وسائل النقل سبب موضوعي واحد وهو أن مياه البحيرة ملأت الأودية والخيران التي سبقت الإشارة لها، وذهبت المياه بعيداً في الصحراء الى مسافات تصل كما في حالة وادي كبنة الى أكثر من 5 كيلومترات. هذا الواقع الجديد جعل من الانتقال بين القرى المتجاورة على ضفتي الوادي أمراً شاقا، إذ أصبح على أي شخص يود الانتقال من قرية الى أخرى يفصل بينهما وادى أن يسير الى مسافة بعيد في الصحراء حتى يعبر عند نهاية المياه في باطن الوادي ثم يعود راجعا على الجنب الآخر من الوادي، وهذا بالطبع أمراً شاقاً خاصة للأطفال صغار السن والنساء وكبار السن من الرجال. هذه المجموعات الثلاثة تمثل أكثر من 90% من سكان المنطقة، لأن اغلبية الشباب مهاجرين خارج المنطقة بحثاً عن الرزق. لكل ذلك أصبح استخدام المراكب يمثل ضرورة عملية ووسيلة انتقال مريحة بين القرى، فالانتقال بين القرى المتجاورة لا يستغرق سوى دقائق معدودة جداً بالمركب.
كانت قرية الكنيسة أكثر القرى تضررا من هذه الطبوغرافيا الجديدة، فقد فصلتها المياه التي صعدت في وادي كبنة الى أكثر من 5 كيلومترات عن الخدمات في القرية الأم (كبنة) وواجه سكانها حقيقة أن على أطفالهم الذهاب يوميا للمدارس في كبنة وعليهم عبور الوادي الضخم. والحال كذلك، لم يكن أمام تلك الأسر خيار آخر غير نقل الأطفال بالمراكب، وهو ليس انتقال عبر النيل من ضفة لأخرى كما نقلت بعض القنوات وبعض الناشطين، بل انتقال على ذات الضفة، ذهابا مع التيار، وعكسه في العودة. لم يكن خيار نقل الأطفال بالسيارة متوفرا أصلاً، نسبة لعدم توفر السيارات بصورة دائمة، بجانب أن عليها في حال توفرها ان تذهب في الصحراء لمسافة طويلة حتى تستطيع عبور الوادي لوعورة جنبتيّ الوادي بالقرب من مقدمة المياه، ثم عليها أخذ لفة طويلة حسب ما يقتضي الطريق الوعر حتى تستطيع الوصول الى مكان المدارس. وعلى كل لم يكن هذا الخيار متاحاً اصلاً.
قبل ملء البحيرة قامت لجان المتأثرين المختلفة بالتأكيد للحكومة أن الغالبية الساحقة من المواطنين عازمة على البقاء في أرضها مهما حدث، وتحت كل الظروف والتحديات، وأنهم لن يرحلوا الى مشروعات التوطين، وطالبتها بتشييد معابر وكباري خشبية على الوديان والخيران حتى لا تنقطع القرى عن بعضها البعض. غير أن البشير ومن خلال إدارة السد كان عازما على إخراج المناصير من أرضهم لالتزامه لبعض المستثمرين من الشرق الأوسط بتسليمهم الأرض (أكثر من 180 كيلومتر على طول مجرى النيل بالضفتين بجزرها وشلالاتها) دون سكان. وهكذا، أصر البشير على موقفه بإخراج المواطنين وقرر حرمانهم من أي خدمات ودخل في تحد صريح من أهالي المنطقة كاد أن يقود الى حرب أمكن تفاديها بعد أن “ماص البشير كامل قراراته بنزع الأرض وشرب مويتها” (راجع التفاصيل في كتابي المشار إليه).)
بعد أن خسر تحدى المواجهة العنيفة، اعتقد البشير أن المياه ستكون كافية لإخراج المناصير من أرضهم بعد أن يتم طمرهم وحرمانهم من الخدمات، وستفعل في المناصير ما فشل زبانيته أن يفعلوه، في إشارة لتلك النوايا المبيتة قال المدير السابق للخزان:” سنخرجهم كالفئران”!

انتقام الطاغية

فرض صمود المناصير وتمسكهم بأرضهم على البشير حقائق لا يرغب فيها ابتداء. فالرجل يرفض بقائهم في الأرض ابتداء وفاء لالتزامات كان قد أبرمها سراً، يضاف لذلك الصمود، أن دولية البشير ولظروف تاريخية معروفة لا يمكنها إشعال حرب في الشمال كما ان قعقعتها بالشنان لم ترهب المناصير الذين كانوا يتحسبون لأسواء الاحتمالات وأن البشير يمكن أن يهاجمهم، واتخذوا ما يستطيعون من تحوطات للنزال، ثم مضوا وعقدوا تحالفات سياسية مع المجتمعات من حولهم لنصرتهم في حالة وقوع قتال. بل بلغت تحالفاتهم مناصير كردفان وأبناء عمومتهم في الجزيرة (الكواهلة) وغيرها من المناطق، وتحالفوا مع الجيش الشعبي لتحرير السودان الذي قام بتدريب العديد من أبنائهم. كانت أجهزة مخابرات البشير تراغب تحركات المناصير بصورة لصيقة، وانتشر مخبروه في المنطقة وما حولها وتم اعتقال قيادات المناصير أكثر من مرة. نقل المخبرون كل ذلك للبشير وانه في حالة اندلاع قتال لإخراج المناصير من أرضهم بالقوة فسيكون مصير الدولة بكاملها في كف عفريت وستكون عواقبه وخيمة غالبا ستعصف بالدولة بكاملها. والطاغية كما هو معروف عنه يخاف ولا يستحى، تجرع الهزيمة كالسم، لكنه قرر الانتقام من المناصير فحرمهم من جميع الخدمات المستحقة للمنطقة، كان أولها حرمانهم من كهرباء السد الذي أغرقهم بينما أوصل البشير الكهرباء لمناطق السودان المختلفة. أكثر من ذلك، قام البشير بفعل أمر يكشف الحقد الأعمى على المناصير ويفضح طبيعة نفسه المنتقمة حتى وإن كان الفعل مفضوحا أمام جميع خلق الله. فطريق الاسفلت الذى يربط بين الخرطوم ومدينة اسوان في مصر يجب أن يمر بمنطقة المناصير لأنها ببساطة تقع في شمال السودان وعلى النيل ومن الضرورة أن يمر بها الطريق. لكن البشير في حقده الأعمى لم يكن يهتم حتى إن فضح تصرفه الحاقد عن نفسه المريضة. كان قرار البشير ألا يرصف الطريق عبر المنطقة. فالمنطقة الوحيدة في شمال السودان التي لم يتم رصف ذلك الطريق القومي عبرها هي منطقة المناصير. في تنفيذ لحقده على أهلنا تم رصف الطريق حتى منطقة ابوحمد جنوب منطقة المناصير، حيث تم وقفه هناك حتى لا يعبر منطقة المناصير وهي المنطقة شمال ابوحمد مباشرة، وتم أيقاف العمل هناك ليتم حرمان المنطقة بالكامل، ليبدأ العمل في الطريق مرة أخرى من منطقة السد في نهاية منطقة المناصير الشمالية، ليصل الى مدينة اسوان. وهكذا بدت المنطقة وكأنها لا علاقة لها بالمناطق من حولها ولا علاقة لها بالدولة وهو حرمان متعمد من دولية البشير بعد ان مرّغ المناصير أنفه وأجبروه على ابتلاع قراراته أمام العالمين. ذلك هو موقف الطاغية من المناصير الذين جاء ليذرف دموع التماسيح على أطفالهم الذين تسبب حقده في غرقهم، معتقدا ان أهلنا سيصدقونه، وقد كانت زيارته للمنطقة مثل إضافةً الملح على جراح أهلنا الغائرة!
وإمعانا في الانتقام من المناصير، ظل البشير يرفض الى اليوم دفع التعويضات المستحقة عن الأراضي والنخيل واشجار الفواكه والمساكن التي أغرقتها البحيرة، وهو أمر لا أجد له تفسيراً سوى الانتقام للهزيمة التي حاقت به.
وأمام رفض البشير لبناء المعابر على الأودية والخيران، لم يكن أمام أهل الكنيسة وغيرهم سوى الاعتماد على المراكب لنقل أطفالهم للمدارس، وقد ظلوا يفعلون ذلك طوال العشرة أعوام الماضية لم يتركوا خلالها مسؤولا او واليا لم يطرقوا بابه حتى بداء الأمر وكأنه استجداء أكثر منه مطالبة بخدمة مستحقة. لذلك كان وقوع هذه الكارثة مسألة وقت، وكان جميع المسؤولين ابتداء من عساكر وضباط الأمن المنتشرين في المنطقة، مرورا بالمعتمد والوالي على علم تام بالمخاطر التي يواجهها الأطفال يوميا في التنقل وقد شاهدوا ذلك مرارا بأعينهم، ولكنهم لم يحركوا ساكنا، لأنهم يعلمون مسبقاً أن البشير لن يوافق على شيء من شأنه حل أي مشكلة داخلية في المنطقة!
رغم كل إهمالهم المتعمد، تدافعوا بما فيهم كبيرهم الذي علمهم السحر، بعد وقوع الكارثة، ليذرفوا دموع التماسيح على أطفالنا، فالبشير وزمرته جماعة نزع منها الله شيمة الحياء، لذلك استمرأوا ممارسة “قتل القتيل والسير في جنازته”.”
ثلاثة وعشرين طفلا ذهبوا ضحية لحماقات وجهالات ديكتاتور مجنون اعتقد أن باستطاعته من خلال أجهزته الأمنية إخضاع الشعب السوداني لإرادته! فبدلاً من صرف الأموال لتشييد المعابر الخشبية في الوديان التي لا تكلف شيئاً يذكر بالنسبة لما يصرفه على بطانته، يذهب هو واسرته لصرف أموال الشعب السوداني لمشاهدة نهائي كاس العالم وينهبون الذهب الذى تنتجه الولاية، وبالطبع بوسعنا أيراد مئات الأمثلة عن كيف يبدد الديكتاتور أموال الشعب السوداني وينهبها مع زبانيته، وهذا أمرم معروف للسودانيين لا أود الاستفاضة فيه!
إن هذه الجريمة الموجعة ليست في جوهرها سوى واحدة من جرائم خطيرة ظل البشير يرتكبها منذ انقلابه المشؤم، فما فعل في جنوب السودان معروف، وجرائمه في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وشرق السودان وقتل النوبيين في كجبار، وأهلنا في أمرى، ثم اغتيال أكثر من 280 طالب في العاصمة نفسها، وغيرها من الجرائم مما يطول حصره، كلها جرائم يسأل عنها الرجل. لذلك لم يعد أمام السودانيين خيار سوى التخلص منه ونظامه بأي وسيلة متاحة، أياً كانت! في غير ذلك سيستمر الطاغية في ارتكاب الفظائع في مناطق أخرى أو ذات المناطق، معتمداً على ذاكرة عامة ضعيفة تنفعل لعدة أيام ثم تنسى، وعلينا ألا ننسى شهدائنا منذ 1989 حتى 15 أغسطس 2018، بصرف النظر عن الوسيلة التي قتلهم بها البشير.
ستظل هذه الجريمة جرحاً غائراً في ضمير كل الأحرار نساءً ورجالاً وستذكر السودانيين بضعفهم وعجزهم عن منازلة هذا الطاغية الذى فعل بهم الأفاعيل.
وداعا أطفال قريتي، غرقتم بعد أن كانت دموعي قد نضبت بكاءً على أطفال الجنوب، فاستلفت دموعاً لأبكى أطفال دارفور وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق، وليس لى الآن دموعاً لأبكيكم، فقط تنزف روحي أسىً ولوعة، كيف سأعود للقرية وكيف سأنظر لمراتع لعبكم، لمن سنوزع الحلوى…!

[email protected]

‫6 تعليقات

  1. تعازينا الحارة من ارض كوش النوبية من ضفاف شلال كجبار .. نحي صمودكم اهلنا بالمناصير .. الموت للمشير الفاسد والحياة والتجلة لشهداءنا ابائنا في المناصير وكجبار ومن هنا نعيد ونكرر لا للسد ولا لمحو تراثنا وحضارتنا …
    فليذهب الدكتاتور الي الجحيم وتبقى ارضنا الي يوم الدين

  2. تعازينا الحارة من ارض كوش النوبية من ضفاف شلال كجبار .. نحي صمودكم اهلنا بالمناصير .. الموت للمشير الفاسد والحياة والتجلة لشهداءنا ابائنا في المناصير وكجبار ومن هنا نعيد ونكرر لا للسد ولا لمحو تراثنا وحضارتنا …
    فليذهب الدكتاتور الي الجحيم وتبقى ارضنا الي يوم الدين..

  3. يقول الحق سبحانه وتعالي (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب اللـه عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيمـاً)…..
    وأيضاً (من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنمـا قتل الناس جميعـاً)…..

    الآيتان تبينـان بوضوح أن قتـل النفـس جـرم (إثـم) عظيم لا علاقـة لـه، ولا يمكـن تبريره
    بالقضاء والقـدر…..

    البشكير تسبب في قتل مئات الألاف من السودانيين بمن فيهم أطفال أهلنا في المناصير، وأنا علي يقين أنه إن أقدم الأهل في المناصير علي قتله ومن معه، فإنهم
    لن يأتوا أبداً علي ذكر القضاء والقدر، وإنما سيعيثوا في الأرض فساداً علي فسادهم.

    الغريق شهيد عند ربه، وهذا هو عزاءنا الوحيد.

    بـــلاء لا يغــادر منهــم كــوزاً.

  4. التحية واحر التعازي لك سيدي ولكل اهلنا في المناصير (وانا لست منهم) ولكن جرح النفس كان عميقا” بهذه المأساة، وانا اقول أهلنا المناصير (كمنطقة وليس كقبيلة).
    والجديد في الأمر ان الكاتب المفجوع قد وضع يده على الجرح تماما” حينما قال:( ان ماحدث ليس قضاءا” وقدرا” وانما جريمة)، هذا التوصيف الصحيح وليس ما نردده في غباء (مع الاعتذار) بان الأمر كله قضاء وقدر)، وقد كتبت عدة تعليقات بهذه الصحيفة استنكر القول انها قضاء وقدر.
    في احدى تلك التعليقات تساءلت اين شباب المناصير ومتعلميهم ومثقفيهم من هذه الكارثة، ما هو دورهم؟ ما هو رد فعلهم؟ ما هو حراكهم؟ حتى اني قلت انه لا فائدة ترجى منهم ان لم يثأروا لاطفالهم من الذين قتلوهم باهمالهم.
    واعود واقول والله لو كنت من ابناء تلك المنطقة لقلتها للبشير في عينه عندما زارهم اخيرا” للعزاء، انت يا البشير القاتل وليس القضاء والقدر، وكنت والله لطردته من قريتنا، ولكن مع الاسف استقبلتموه بكل الاحترام وجلستم على الارض وهويتحدث اليكم.
    ما هذه الخيبة يا شباب المناصير، لقد كانت فرصتكم ان تشعلوا فتيل الثورة مثل ما فعل شباب مصر عندما مات احد المعتقلين تحت التعذيب، او مثل ما فعل شباب تونس عندما احرق احد الشباب اليائس نفسه، لماذا نحن دائما” منكسرون وخانعون ومنبطحون.
    لا خير فينا ان لم نقلها يا شباب المناصير ، ولا خير فيكم ان لم تسمعوها،، وصدقوني ما دمنا نكرر في غباء ونعزو كل ما يصيبنا للقضاء والقدر كما هو فهم حبوباتنا فلن تقوم لهذا البلد قائمة.
    متى نفهم ما هو القضاء والقدر؟؟؟ انا لله وانا اليه راجعون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..