120 عاما على ذكرها.. الفرص المهدرة في معركة كرري

د. محمد سيد أحمد ساتي
يصف السير ونستون شيرشل ، رئيس وزراء بريطانيا السابق ، المنظر بنثره البديع في كتابه “حرب النهر”  وهو من على قمة جبل “سركاب” وهو احد جبال سلسلة كرري ، وكان وقتها برتبة الملازم أول في فرقة الخيالة البريطانية  ، والتي كانت احد مكونات الجيش البريطاني الغازي بقيادة الجنرال هربرتكتشنر ورئيس مخابراته ريجالندوينجت:
“صدحت أصوات بروجي الإيقاظ في تمام الساعة والنصف صباحا في كل أرجاء المعسكر وعلي طول خط الأسطول النهري في النيل، بروجي الخيالة ، سلاح الفرسان ، وطبول ومزامير الفرق الاسكتلندية انضمت للكورس واستيقظ الجميع علي نغمات سعيدة متحدية ، ثم تدرج الصوت خفوتا مع امتطاء الخيالة خيولهم. استعد المشاة بأسلحتهم وذهب المدفعجية لبطاريات مدافعهم وطلعت الشمس فوق النيل العظيم وظهرت السهول الواسعة والتلال السوداء وقوات الجيش المنتظر. بدا أن كل التحضيرات قد انتهت وجهزت الأرض ولم يبق إلا الفصل النهائي وعنف اللعبة. وعندما اتت الساعة السادسة إلا ربعا كان الضوء خافتا لكنه يقوي مع مرور الوقت، كان العدو يملأ السهل ، ثقتهم لم تهتز ، خطوطهم الأمامية بطول خمسة أميال متصلة بعضها ببعض مع صفوف أقل كثافة ، وكانت على اجنحة التشكيل والمنطقة الخلفية قوات احتياط كبيرة بانت من علي المرتفع كخيط من الطمس الأسود، متباينة ومختلفة يشع ضوء غريب من أسنة رماحهم. حوالي الساعة السادسة كان واضحا أن الكتل البشرية بدأت في التقدم وبحركة سريعة ، كان كل أمير يعدو على فرسه أمام كتائبه وبعض أفراد الدوريات ينتشرون أمام خطوط الجيش البريطاني ثم بدئوا في التكبير. كانوا على بعدميل واحد من التل وتخفيهم عن الكتائب البريطانية الأرض المنخفضة ، سمعت القوات على النهر أصوات التكبير وإن كان الصوت خافتا ولكن الذين يراقبون من عند التل جاءهم الصوت كموجات هدير صاخبة كصخب الريح والموج قبل العاصفة”.
هذا الوصف من جانب الانجليز. اما شهود العيان من الجانب السوداني فقد كانت أصدق شهادة هي ما ادلت به الحاجة صفية بت الزبير من سكان حي العرضة بأم درمان قبل رحيلها في عام 1940م ” خرجت مع أبناء أختي حسونة إلى ميدان العرضة صباح الخميس بعد الفطور بعد أن جهزنا والدنا الزبير وصاحبه مرسال ووقفنا وسط حشود من النساء والاطفال نشاهد جيش الأنصار على خيولها وجمالها وأرجلها راية راية تكبر حتى جاء الملازمون ووسطهم شيخ الدين ود الخليفة عبد الله على جمل أبيض ناصع فانطلقت الزغاريد وهتافات النساء وزغردت حتي أندرش صوتي.. وفي يوم الجمعة وعند الصباح بدأنا نسمع دوي الرصاص والقنابل كنا نتوقع النصر وعند الضحى جاءت طلائع جيشنا أولهم على صهوات الجياد وبعضهم على رجليه، خرجت وأبناء أختيثم سألتهم يا أنصار الدين كيف الحال ورد بعضهم منصورين بأذن الله ولزم بعضهم الصمت ، ثم اختلط الحابل بالنابل وتأكدنا من خبر «الكسرة» أي الهزيمة ثم استمعنا إلى صوت موسيقى العدو وهو يقترب من أم درمان فخرجنا جميعاً واقتحمنا المراكب إلى الخرطوم بحري ودفعنا لأصحاب المراكب كل ما معنا في سبيل النجاة بأنفسنا.”
انتهت المعركة باستشهاد ما بين 10,000 إلي 16,000 من الانصار من جملة 42 الف فرد كانوا قوة الخليفة الضاربة ، بينما لم يخسر الإنجليز سوي 3 ضباط و25 جنديا بالإضافة إلي 460 من القوات الصديقة التي قاتلت إلي جانبهم. وهذا العدد اقل من خمس ما خسرته القوات الإنجليزية الزاحفة في معركة “عطبرة” حيث خسرت في مواجهة الأمير محمود ود أحمد ما مجموعه 20 ضابطا بريطانيا و 539 رجلا من جنود المشاة.
كان هنالك سؤال يؤرقني منذ المرحلة الابتدائية وهي السنوات الأولي لدراستنا لتاريخ الثورة المهدية لماذا خسرنا هذا العدد الكبير من الشهداء رغم تفوقنا العددي علي قوات العدو ورغم شجاعتنا التي كانت مضرب الأمثال وذلك بشهادة ونستون شيرشل نفسه في كتابه المذكور والذي قال فيه”كانوا–أي الأنصار-  أشجع من مشى على ظهر الأرض. نحن لم نهزمهم ولكن حطمنا قدراتهم بقوة السلاح”ويقول المؤرخ العسكري البريطاني فيليبوارنر” ربما وجدنا في تاريخ الإنسانية من ماثلت شجاعتهم بسالة الأنصار ، ولكن قطعا لن نجد شجاعة تفوقت عليها”.برغم هذه الشجاعة البالغة هزمنا وهنالك مقولة مشهورة تقول “التاريخ دوما ما يكتب بواسطة المنتصرون”. الهزيمة في كرري كانت مدوية رغم الشجاعة والتضحيات التي قدمها الأنصار ولكن لا بد من النظر للأمر بعد مرور 120 عاما على معركة كرري بعقل بارد يبعد عن الانفعال. لقد هزمنا لأننا لم نعط قوة العدو حق قدرها واستهنابامكانياته وتقدمه التكنولوجي علينا. كنا نحارب بأسلحةعفا عليها الزمن وذخيرة قديمة رديئة بينما العدو كان يملك رشاشات المكسيم الحديثة ومدافع الهاوتزروالنوردن فيلد التي تطلق قذائف “اللاديت” الحارقة وجنود مشاته يحملون بنادق المارتن هنري التي كانت تنطلق منها رصاصات “الدمدم” المحرمة دوليا في الحروب. هزمنا لأن الخليفة عبد الله رغم دهائه ومقدراته الإدارية فشل في توحيد الجبهة الداخلية في مواجهة الغازي الزاحف علي عاصمة ملكه. هزمنا لأن الخليفة رفض أن يستمع لاراء أقرب مستشاريه في مجلسه الحربي الأمير عثمان دقنة والأمير أبراهيم الخليل حين أشارا إليه بضرورة الهجوم على الجيش الإنجليزي وهو مرابط ليلة الفاتح من سبتمبر عند سفوح جبال كرري حيث قال الأمير دقنة ” يا خليفة المهدي أنا حاربت الانجليز 13 سنة وأعرفهم تماما ،سلاحهم دا ما بنقدر عليه اخير نهاجمهم بالليل أحسن”. وقال ونستون تشرشل في كتابه “حرب النهر” لو سمع الخليفة راي جنراله الداهية عثمان دقنة لتغير مجري تاريخ السودان وتاريخ الإمبراطورية البريطانية. لقد اهدر الخليفة الفرصة الذهبية بقراره الهجوم الصباحي علي الجيش البريطاني الغازي المدجج بأحدث ما انتجته ترسانة القرن التاسع عشر البريطانية من البوارج الحربية المدرعة التي كانت تجوب النيل وهي تحمل رشاشات الكاربينوالوردن فيلد الفتاكة ولو كان سمع راي مستشاريه لتغير وجه تاريخ السودان وربماتاريخ العالم وقتها لأن وينستون تشرشل ربما كان في عداد قتلي الجيش الأنجليزي في سفوح جبال كرري ولكن الاقدار كتبت له شيئا آخر في سجلاتها وهي ان مكنته من العيش ليخطط وهو رئيس وزراء بريطانيا العظمي بعد 40 عاما من احداث كرري الجسيمة ، كيفية مواجهة وهزيمةالنازية والفاشية في الساحة الأوربية!

‫9 تعليقات

  1. معركة كررى كانت الحد الفاصل بين السودان الدولة او بين اللا دولة , الانجليز ليسو اغبياء للدرجة التى يوقعهم فيها عثمان دقنة فى ورطة , هذا تضخيم للذات لا مجال له فى التاريخ , الفارق كبير بين جيش نظامى مدرب ومنظم وبين جيش همجى لا تنظيم له , المخابرات الانجليزية بقيادة السير ريجنالد ونجت كانت قد جمعت من المعلومات الكثيرة جدأ خصوصأ من السودانيين المعارضين لنظام الخليفة القبلى , كان من المستحيل الحاق اى اضرار بالجيش الانجليزى .
    اعتادت جيوش الخليفة على القتال ضد الاحباش وهم على نفس الشاكلة من عدم التنظيم وضد القبائل السودانية فى الداخل , لا خبرة ولا دراية لهم باساليب الحرب الحديثة لذا كانت هزيمتهم حتمية فى اى مواجهة مع جيش الامبراطورية البريطانية , ربما كان تكتيك الانسحاب من امدرمان افضل الخيارات المتاحة لهم ..فرص الانتصار لهم كانت اقل من 1% فى مواجهة كررى وهذه النسبة تعنى فقط ان ينسحب الجيش الانجليزى ويرجع الى مصر لاسباب غير عسكرية ..
    كررى كانت هى بداية بناء الدولة السودانية الحديثة دولة المواطنة القابلة للتطور وهذا ما كان فقد تم بعدها بناء السكك الحديدية وشبكة التلغراف والنقل النهرى واقامة المستشفيات الحكومية والمدارس فى كل بقاع السودان …

    1. جيش همجي؟ الهمجية هي انك تعدي على بلد ما اعتدت عليك، اما لو قصدك همجية لافتقاد التفكير الصحيح لهزيمة العدو بتكتيك متطوز، ممكن اعزرك.
      كيف انتصر هوشي منه على طائرات الاباتشي وقنابل النابلام؟ لانه كان عنده عقيدة وتخطيط وكان ديمقراطي حتى في تخطيطه في المعارك، عكس الشخصية السودانية المستبدة برايها وده سبب هزيمتهم امام همجية المستعمر الانجليزي

  2. اصلا الهجوم ليلا لم يكن لينجح لأن انوار البوارج الكاشفة كانت تساعد الغزاة و تعيق جيش المهدية و كما قلت ياكاتب المقال الانسحاب من امدرمان كان أفضل خيار و هو ما لجأ اليه الخليفة و قادة جيشه و منهم عثمان دقنة و علي دينار و عثمان دان فوديو الذين كانوا معهم لآخر لحظة قبل مقتله في ام دبيكرات و لقد زاغوا منه و نجا كل منهم بنفسه

    1. تلميحك انه عبدالله كان ضحية مؤامرة عنصرية يفسر جزور اسباب الهزيمة بحسب ممارسة عبدالله للسياسة كحالك انت في تلميحك. سبب الهزيمة انه عبدالله كان يرمي بكل من يتعنصر عليهم في اتون المعركة لضرب عصفورين بحجر واحد (اذا هزمو الانجليز يكون قلل مع عدد من يتعنصر عليهم وتخلص من الانجليز، واذا تفوق عليهم الانجليز، هرب هو) وده سبب هروبه، ما لانه كان مخطط لاستدراج الانجليز لداخل المدن واعادة الكرة عليهم، لانه ببساطة كان يفقتد لمقدرة ادارة داخل مدن وهو فشل في ادارة معارك السهول.

  3. في الحقيقة إن وصول الجيش الانجليزي الى حدود عاصمة الدولة المهدية في ذلك الوقت هو في حد ذاته انتصار كبير للانجليز و كان نذير هزيمة للانصار و تنبيه قوي على ان ميزان القوى ليس في مصلحتهم.

  4. انتصار الانجليز كان حتمية ضرورية نتيجة لفهمهم لطبيعة من كانو يسيطرون على الامور (عبدالله) على راسهم، بعد السيطرة على الوضع السياسي لم تكن هنالك دولة لها مؤسسات ولا نظام سياسي مسنود من جانب المواطنين باختلافاتهم المتشعبة بخلاف التفافهم حول شي واحد وهو الدين والذي فتر وتهالك كمفهوم وعقيدة توحد الجميع (نفس الحالة الان في عهد البشكير)، المهدي كان يفهم نفوس المواطنين ويتعامل معها كسياسي بارع لدرجة انهم كانو يعطونه ارواحهم طواعية، لكن عبدالله لم تكن له ابعاد شخصية المهدي ولم يسبر اغوار المواطنين لينتقي منهم قادة كما فعل المهدي حينما كان يضم اليه من كانو مع اعدائيه كابو عنجة والزاكي طمل وابو قرجة، لكن كان عبدالله ياتي باقربائه كما يفعل البشكير.

  5. اتفق تماما مع كاتب المقال فالهزيمة كانت بالسماح ببناء الخط الحديدي مؤمنا خط امداد للغزاة وفرصة عبور البوارج لمنطقة الشلال لم تستغل لتدميرها .ونستون كان يدعو الله ان لا يهجم عليهم البرابرة(الدراويش) ليلا لان النتيجة كانت ستكون كارثية عليهم .علي الرغم من اننا لا نسنطيع محاسبتهم بمعايير هذه الايام .لكن هزيمة كرري نتيجة لتفكك الجبهه الداخلية (اولاد البحر واولاد الغرب)وهنالك قبائل سودانية كانت داعمة للغزاة للتخلص من حكم الخليفة وهذا ما استمر الي يومنا هذا

  6. أولا: رحم الله الخليفة فقد ترك لنا مجدا نفاخر به….وأعجب لقول من يقول بالهرب وترك بلاده غنيمة للكفار حتي ولو كان يعلم بفناء كل جيشه .
    ثانيا: لماذا لم تكن لنا فرصة الانتصار علي الانجليز وقد أبيد جيش هكس في شيكان تقريبا عن بكرة أبيه وقتل هكس وهزم الشلالي وراشد بك وقتل غردون.
    ثالثا: ان عثمان دقنة قائد شهد له الاعداء قبل الاصدقاء بدهائه ومهارته وفروسيته …وأتفق مع الكاتب لربما كان نصرا غير وجه التاريخ ….ولكن النصر من عند الله أولا وآخرا.

    1. بالله عليك .. أي مجد هذا الذي تركه لك تورشين؟!!! طيب إذا تور لم يهرب – بعد أن ورط السذج – فماذا فعل ؟!! ام يكن شرف لو مات برصاص الانجليز مع من غرر بهم من السذج؟!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..