ثقافة وفنون

الأليغوريا الجِنسية وآليات التمثِيل الرمزي في «موسم الهجرة إلى الشمال»

محمد عرعاري

الرواية ككــل أنماط التعبير الرمزي ليست تعبيرا مباشرا عن العالم وقضاياه، وإنما تبني الرواية مضامينها في انفصال تام عن هذه المكونات المباشرة والمألوفة، لأن «التعيين التقريري المباشر للأشياء لا يشكل سِوى حالات استثنائية تحيل على أكثر المناطق فقرا في الوجود الإنساني، وهو ما يوحي بأن المعرفة الحقيقية لا تكمن في ما تقوله الأشكال الظاهرة ولا في ما قِيل بِشكل مباشر، بل في ما لم يقل أو في ما تغطيه الرموز وتخفيه» (سعيد بنكراد، «سيرورات التأويل من الهرموسية إلى السيميائيات» منشورات الاختلاف 2012) وهذا دال على قدرة اللغة على استِنباتِ مرجعيات دلالية غير مطروقة وامتلاكها أبعادا أخرى جعلتها تنتقل بين آفاق دلالية متنوعة.

نقوم مِن خلال هذا المبدأ الأليغوري بِقراءة الدلالة في رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح وبِبِنائها وتنظيمها وِفق سياق اقتضته لأن هذا المبدأ بوابة لتحيين الموارب والمسكوت عنه، وتلعب الوسائط الرمزية التي يطل منها هذا المعنى الأليغوري دورا حاسما في تحديد الدلالة، استنادا لِما توفره اللغة من قدرات على خلق معانٍ مضافة ومضاعفة، وإن كنا لا نزعم أن هذا المعنى بنية جاهزة يلجأ إليها المبدع في شيء من التعمد والقصدية، فإننا لا ننكر أن المعنى يمكن أن ينشأ في فلك «حمولة ثقافية» وحضارية تدعمه وتشد مِن أزره.

نهتم في هذا المقام بِرصد رمزية الجنس وأشكال حضوره في الرواية، لأن الجِنس في هذا المِضمار ليس تجربة خرساء، بل هو عصب الرواية، هو أمِير الدوال بِوصفِ مجتلب من رولان بارت، لأن الرواية تغتني باستمرار من هذه التجارب الجنسية المتكررة، انخرط الجنس بِحكم موقعه المتميز في الرواية وبِحكم المساحات التي يشغلها فيها في إدراج المعنى ضمن هذه الصور الجنسية المتواترة، أي النهل مِن مستودع إيروسي جعل الدلالة حبِيسة جِنسية مثخنة وعميقة، ومِن أيقنةِ الجنس في دلالات مخصوصة، خلقت الرواية لِنفسها إحالة أخرى ثاوية داخل النسيج السردي لا تختزل التجارب الجنسية التي خاضها البطل «مصطفى سعيد» في صورة رغبوية محمومة، بل تجعل فيه متسعا لا تحكمه الشهوات والغرائز فالجنس في سِياق الرواية وفي سياق «حمولتها الثقافية» والحضارية ليس في طقوس الرغبة وفي تأجج المشاعر واشتداد أوارِها، وليس في المد والهزات والرجات فقط، بل في جانب آخر حيث الإحساس بِنشوة النصر لا نشوة الأجساد الفوارة المشدودة الضاجة بالنشاط الحار، إن الجنس يشير إلى أبعد من هذا، إنه في تكثفه إحالة رمزية ووِعاء لقضية حضارية، حيث يتحرر من كونه ممارسة حميمية ليصبح قادرا على استيعاب ألوان الصراع واستِثارة لنزعات عدوانية انتقامية بين الأنا والآخر، وكل حالات السرد في الرواية شاهدة على أن هذه التجارب على تنوعها مع: «آن هنمند، إيزابيلا سيمور، شِيلا غرين وود، جِين مورس» تقبع خارج حرارة العلاقة وخارج منطقها وقوانينها.

وِفق هذه المحددات نقرأ الجنس باعتباره معركة وانتقاما حضاريا، والرواية حاملة في طياتها لعلامات هذا الصراع الحضاري الذي نهض الجنس بالتعبير عنه أحسن تعبير وأبرعه، لأنه يندرج ضمن ما أفرزه هذا الواقع الثقافي المتأرجح بين الاستعمار والاستعمار المبطن، بين التبعية والاستقلالية بين ثقافتين يكون بينهما الجنس أكثر من مجرد علاقة، إنه تلبية لحاجيات أخرى إذ تتخلص العلاقة الجنسية حِين تحتدِم من شكلها الرغبوي لتتحول إلى سلوك انتقامي يعلن فيه البطل نهاية الغزاة الفاتحين في حالات الرهز والطعن والاستيعاب صونا للهوية من أي غزو جديد، وهذا ما عبر عنه مصطفى سعيد بهذه العبارة الموحية: «نعم يا سادتي إنني جِئتكم غازيا في عقر داركم قطرة من السم الذي حقنتم به شريان التاريخ … سأحرر إفريقيا ب…ي»، انتصب أمامهم وفي عقر دارهم كأنه عضو مستثار غازيا بسيفه البتار الذي سيستأصِل به استعمارا تشعبت جذوره وتوطدت دعائمه، سيف بتار ينزعه وينزع حضارته من براثن مستعمر دمر كل شيء، يقاوم به هذا الوجه الحضاري المناوئ وينتقم من صروفه، هو انتقام أيضا لهذا الشرق الضائع المبدد المنهوب على نحو جعل تِكرار هذه التجارب يشكل منعا لخيبات كثيرة، وانتقاما لأخرى على طريق النصر يبلورها الجنس في نهاية كل علاقة تنتهي بالانتحار أو بالقتل، حيث تستحيل هذه التجارب بِمقتضى ذلك إلى موقف عدمي ينتهي إلى رفض الآخر وإنكاره واغتياله في متاهة الرغائب الجنونية يقول في هذا السياق: «الطريق الذي سِرناه معا إلى غرفة النوم كان بالنسبة لها طريقا مضِيئا بِعبير التسامح والمحبة، وكان بالنسبة لي الخطوة الأخيرة قبل الوصول إلى قمة الأنانية».

بدأ هذا المثير الجنسي عندما احتضنته مِسز ربنسون بِذراعيها أثناء استقبالِه قادما من الخرطوم إلى القاهرة، بعد أن وجد الخرطوم «لا تتسع لذهنه وليس عند المعلمين شيء يفيدونه به بعد الآن». مع ذهابه إلى إنكلترا أخذ هذا المثير يتعاظم ويعمق يوما بعد يوم يحوله إلى»دنجوانٍ» آسِرٍ يجذب نِساء إنكلترا، فرغم نباهته ورجاحتِه كان في ميعة الصبا، كان لا يبصِر في المرأة إلا الناحية الغرائزية، يلمحها من خلال طقس يمارس فيه بطولته ينظر إليها على أنها خيول جامحة تحتاج إلى من يعتليها ويروضها، وكان الجنس أولى مطايا هذا الترويض. كانت أول تجاربه مع «آن هنمند» طالبة مهتمة بالدراسات الشرقية في جامعة أكسفورد أخذت بِلبهِ بعد أن ألقت بقلبها في حب عميقٍ لا حد لِقراره، ولم تكن لِتعلم أن خلق هذا الرجل الشرقي خلق الخِيانة والانتقام والكذب، وغير هذا مِن مركبات حضارية يمكن أن تنحط إلى هذا الدرك بعد أن أفقدها عذريتها وهي لم تبلغ العشرين من العمر، وقد ساعده في هذا أن عرى العلاقة بينه وبينها وبين نِساء إنكلترا عموما وثقتها يد خفية تستعيد الأحداث والأجواء، «بِرك عميقة في نِساء لندن عرف كيف يحركها» ويتجلى هذا بوضوح في اختيار هذه العوالم الشرقية المبهرة أسلوبا في الوصول إلى وجدان فتيات إنكلترا والاستيلاء عليهن في بيت يتضوع منه أريج شرقي معطر، وتعد هذه العوالم قوة خارقة في خطاب الاستِمالة الجنسي، حيث يخلِق «حالة جذب قصوى» حالة انصياعية تفتح باب العلاقة الجنسية على مِصراعيه، وكل تجاربه التي خاضها لا تظهر إلا في هذا النطاق وفي هذه العوالم التي حولها «إلى رغبة يعزف على أوتارها المشدودة كما يحلو له». مع أول تجربة جنسية تثوي حالات الانتقام وما يؤكد ذلك المصير الذي آلت إليه «آن هنمند» وهو الانتحار، تتكرر تجاربه مع» إيزبيلا سيمور»و»شِيلا غرين وود» وهي تجارب لا تقِل انتقامية عن التجربة الأولى لكن فيها أضعاف اندفاعها ولهِيبِها، وكل علاقة أقامها مع إحداهن مهما عمقت انتهت إلى الفجور والتهتك ثم إلى الانتحار أخيرا، الجنس مع «جِين مورس» أيضا عمل من الأعمال العدوانية بعد أن أعرضت عنه واحتقرته وتركته ممعنا في رغبته مغرقا في هواه، كان في فترات شبقه يتصورها تئن وتتأوه تحته ويتحول هذا الأنين والتأوه إلى قصة من قصص البطولة ورد الاعتبار، إلى مرهم لِجروحات مصدرها انتهاك استعماري واضح فينتهي به الأمر إلى قتلها في «طقوس صلواته العربيدة المهِيجة».

استمرت هذه التجارب تصيبه من تكرارها نشوة الغزاة الفاتحين واضطرابهم اللذيذ ولم يخرج من لندن إلا وقد عب من لذائذها ومتعها حد الثمالة. ومن هذه التجارب نستشف أن الجنس هو المخرج الوحيد لمشاعر الانتقام وان هذه التجارب ما كانت إلا على سبيل رد الاعتبار وأنه بهذه التجارب أمكنه أن يحطم قيد الفقد والإحساس بالنقص في هذا المجتمع الصاخب الماجِن.

إن الانطلاق من هذا المكون الأليغوري الجنسي ومكوناته المباشرة في الرواية مكننا من بناء عناصر الدلالة بناء جديدا، استنادا إلى إدراك عمل هذا التمثيل الرمزي وطرق تأويله الذي طالعنا بتعبيرات دلالية عميقة وثرية «أدرجت الرواية ومعانيها ضمن فيض معنوي أغنى عن معانيها المباشرة» (بنكراد: سيرورات التأويل).

القدس العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى