أخبار السودان

الأحزاب السودانية والجاهلية السياسية..

سمير محمد علي

المتابع للحراك الثوري منذ 19 ديسمبر 2018م وحتي الان يدرك أنه يحمل نبضا ثوريا مختلفا عن ثورتي ابريل 1985م واكتوبر1964م، ليس فقط في انه حراك يقوده شباب لم يتعدى غالبهم الثلاثين من عمرهم، ولا لأن الفتيات يكدن يتفوقن فيه من حيث المساهمة الفاعلة، ليس علي الارض فقط، ولكن بصور أخري من الدعم لا تقل فاعلية (منبرشات مثالا)، بل لأنه ثورة ضد كل الخراب الذي حدث في سنين الإنقاذ العجاف وما قبلها انها ثورة علي كل قديم وعلي المفاهيم التي ظلت تروج وتبثها الانقاذ في عقول هؤلاء الشباب من خلال الهيمنة الكاملة علي مفاصل الدولة تحت لافتة “المشروع الحضاري” و”اعادة صياغة الإنسان السوداني”، مستخدمة في ذلك:

 القوانين: حيث جعل النظام سلوك الفرد والمجتمع تحت رقابة ووصاية افراد من السلطة تحت مظلة قانون النظام العام وقوانين ونظم اخري منها ما يقيد الحفلات بأذونات ومواقيت محددة ومنها ما يتعلق بفصل مقاعد النساء عن الرجال في المواصلات العامة ومنها ما يحد من استخدام أجهزة الاستقبال التلفزيوني عبر الأقمار الصناعية.. الخ، ومعظم هذه القوانين تجاوزها الناس كما تجاوزتها السلطات ايضا لعدم موضوعيتها كما انتقد الرئيس قانون النظام العام في بداية فبراير الحالي.

 الإعلام (اذاعي، تلفزيوني، صحافة) والمسرح والفنون: تبني النظام خطاب غلب عليه الجانب الجهادي (برنامج في ساحات الفداء) كما خاطب الخارج بحديث أقل ما يوصف به أنه ارعن ويفتقر إلى الحكمة وكان له تأثير سلبي بالغ على علاقات السودان الخارجية (حديث الثورة/الحديث السياسي). قبل انتشار تقنية البث الفضائي، والذي عمل النظام على الحد منها بعد ظهورها، احكم القائمون علي امر التلفزيون الرقابة على هذا الجهاز واستخدامه كأداة اساسية لصياغة الإنسان السوداني فكل البرامج كانت موجهة نحو هذا الهدف حتى الدراما المستوردة كانت تعرض مبتورة كما منعت كثير من الأغنيات من البث لأنها لا تتوافق والمشروع الحضاري وتم تغيير كلمات بعضها. كما تم تقييد حركة الدراما المحلية والمسرح عند حدود لا تتعداها، وتفكيك صناعة السينما وتحجيم العروض السينمائية باعتبارها تتنافى مع مفهوم المشروع الحضاري.

 حملات التجنيد العسكري القسري: وكان ذلك أحد الوسائل التي يتبعها النظام في مسألة إعادة صياغة الإنسان السوداني حسب زعمهم حيث يُرغم الشباب داخل معسكرات التدريب على المشاركة في المحاضرات والليالي الثقافية الموجهة حتى يتشربوا بالأفكار التي يريد النظام أن يشكلهم بها، كما يرغمونهم على ترديد اهازيج وجلالات يسمونها اسلامية للغرض نفسه.

 التعليم: لم تنج المناهج التعليمية ولا السلم التعليمي ولا حتى أسماء المدارس من وهم ما سمي بالمشروع الحضاري. وقد ادي العبث بمحتوي المناهج الدراسة وتوجيهه لخدمة أغراض غير تعليمية إلى تفجر صراع علني بين الجماعات السلفية والصوفية. وفي السنوات الأخيرة وضح للتربويين مساوئ ما فعلوا بالتعليم فبدأت بعض المراجعات الخجولة نتج عنها إرجاع السلم التعليمي إلى ما كان عليه قبل الإنقاذ مع إعادة النظر في المناهج.

 التأصيل: والذي تجلي في تعريب الجامعات وتغيير مسمي العملة السودانية من الجنيه إلى الدينار والاهتمام بمظاهر التدين في المؤسسات والبنوك وتحويل عدد كبير من الساحات والميادين إلى مساجد إمعانا في ترسيخ مظاهر المشروع الحضاري المزعوم. تأصيل وأسلمة الاقتصاد والأسواق والمعاملات التجارية من خلال البنوك وشركات التامين المسماة اسلامية (وقد انتقد الرئيس في زيارته الأخيرة لشمال كردفان تجربة البنوك الاسلامية). حشر كلمة “اسلامية” في مسمي الكينات، المنظمات، الجامعات والمعاهد العلمية (مثال: معهد اسلام المعرفة)، الشركات (مثال: شركات التأمين والبنوك الاسلامية). استخدام شعارات توحي بأن الإنقاذ ما هي إلا مبعوث العناية الإلهية للناس فكثيرا ما يزعم أهل الإنقاذ انهم جاؤا “لربط قيم السماء بالأرض” وأنهم زاهدون في هذا الدنيا وان كل ما يتمنون مرضاة الله “هي لله هي لله لا للسلطة ولا للجاه” وأنهم جاءوا لتثبيت أركان الإسلام وتطبيق شرع الله في الارض والتزاما بهذا التفويض المقدس المزعوم نصبوا من أنفسهم اوصياء على المجتمع لصياغته وفق فهمهم للدين.

 التمكين: تجلت بشاعة المشروع الإنقاذي فيما عرف بالتمكين والذي يدعون تدليسا أنه امتثالا لما جاء بالقرآن الكريم وما هو في حقيقته الا سياسة ممنهجة عملت على تمييز فئة من المجتمع بسبب انتماءها الحزبي ومكنتها فيما لا تستحق ولا طاقة لها به، على حساب فئة أخري وان كانت تستحق بما اوتيت من علم. هذا ساهم في انهيار اهم دعامات الدولة، الخدمة المدنية، كما قسم المجتمع السوداني إلى فئتين، فئة درجة أولي ذات حظوة وأخرى درجة ثانية من “شذاذ الافاق” ولم تستحق أن تكون حتى من الدهماء.

 العادات والتقاليد: العمل على تغيير كثير من سمات وثوابت وعادات المجتمع في مناسباته المختلفة، كما حدث تغيير جذري في عادات اللبس خاص بالنسبة للفتيات (وقد تم هذا التغيير بشكل قسري عبر قانون النظام العام وغالبا سترجع عادات اللبس التي ألفها السودانيون حال إلغاء هذا القانون) وتم تغيير المواقيت وفقا لنظرية البكور والتي تراجع عنها النظام مؤخرا.

فثورة الشباب هذه ضد الجاهلية السياسية التي ظل يعيش فيها السودان منذ استقلاله والتي صنعتها وتعهدتها بالرعاية كل احزابنا السياسة ووصلت هذه الجاهلية ذروتها خلال حكم الانقاذ. العنوان البارز لهذه الجاهلية في كل احزابنا أنها طوال فترات الحكم الوطني ظلت تغلب المصلحة الحزبية على المصلحة الوطنية. وسأورد هنا بضع أمثلة فقط للتدليل ولمن يبحث في أدبيات السياسة السودانية سيجد الكثير:

 عندما احتدم الصراع علي السلطة في بدايات الحكم الوطني في الفترة بين 1956م – 1958م بين حزب الأمة صاحب الأغلبية حينها والحزب الوطني الاتحادي وزعيمه اسماعيل الأزهري، وحزب الشعب الديمقراطي وراعيه السيد علي الميرغني، عقب سلسلة من المناوشات السياسية وحضور غير خفي للدور المصري في المشهد، فضل رئيس الوزراء آنذاك عبدالله خليل ان يهد المعبد علي الجميع ويسلم الحكم للجيش بقيادة ابراهيم عبود عوضا عن التحاور البناء والتواضع علي الحد الأدنى اللازم لتامين الممارسة الديمقراطية في مسيرة الدولة الوطنية الناشئة والحفاظ عليها لتصبح تقليدا يصعب التنازل عنه في مقبل الايام، ولكنها الجاهلية السياسية فهي تعمي البصيرة. فهذا الانقلاب والذي صنعته الأحزاب السياسية بجاهليتها وباركه زعيما الحزبين الكبيرين كان هو المرض العضال الذي أصاب السياسية السودانية ولم تشف منه حتى يومنا هذا.

 تجلت الجهالة السياسية للأحزاب السودانية بوضوح في قضية طرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان في بدايات فترة الديمقراطية الثانية وتحديدا في نوفمبر 1965م حيث شاركت كل الأحزاب الكبيرة في هذه الواقعة والتي تعد نكسة أخري لمسيرة الديمقراطية السودانية. فقد شاركت الأحزاب السودانية في تضخيم قضية صغيرة إلى حدث كان له ما بعده في الحياة السياسية السودانية. فقد تعامل الجميع بحماس العاطفة الدينية مع المسألة ليتبني البرلمان القضية فيتم
(1) تعديل الدستور
(2) و حل الحزب الشيوعي
(3) و طرد عضويته من البرلمان.
ورفع الحزب الشيوعي الأمر إلى القضاء والذي حكم في ديسمبر 1966م ببطلان الإجراءات الثلاثة أعلاه والتي أقرها البرلمان. ولكن رئيس حزب الأمة أعلن حينها أن حكم المحكمة العليا حكم تقريري وعلي أثر ذلك رفضت الأحزاب التي صنعت هذا الحدث حكم القضاء، مما جعل السيد بابكر عوض الله رئيس القضاء أن يتقدم باستقالته. وبعد عشرين عاما من هذا الحدث أي في 1985م، تحدث رئيس حزب الأمة لمجلة طلاب جامعة الخرطوم قائلا: “ما حدث كان انفعال…إن الذي حدث في موضوع حل الحزب الشيوعي كان موقفاً سياسياً غير محسوب نتج عن موقف انفعالي . ولكن يجب أن أقولها إنه يجب الاستفادة من تجارب الماضي الأولي…إن حديث الطالب في معهد المعلمين فجر المشاعر … وإن مثل الذي حدث قد يتكرر” [1]. وبعد عامين ونصف من الحكم القاضي ببطلان حل الحزب الشيوعي قام الحزب بانقلاب عسكري ليستولي على مقإلى د الحكم عنوة من بين يدي الديمقراطية المترنحة. ولكنه لم يمكث طويلا حيث قادت نفس الجاهلية السياسية التي جُبل عليها الساسة السودانيين إلى انقلاب جديد فاشل في يوليو 1971م انتهت أحداثه بمذبحة عرفت “بمذبحة بيت الضيافة” راح ضحيتها عدد كبير من ضباط القوات المسلحة وإعدام عدد آخر من الضباط والمدنيين، وعلي أثر ذلك لحق الحزب الشيوعي ببقية الأحزاب السودانية التي سبقته إلى المعارضة منذ مايو 1969م.

 مشكلة جنوب السودان كانت هي الاختبار الاصعب والذي رسبت فيه كل احزابنا السياسية بدءا من مؤتمر المائدة المستديرة في مارس 1965م وحتى اتفاقية نيفاشيا في يوليو 2005م، بسبب الجهل والجاهلية السياسية والتي تغذيها العاطفة الدينية والاستعلاء العروبي المزعوم أحيانا والكيد الذي يستهدف الكسب الحزبي على حساب المصلحة الوطنية أحيانا اخري. فالأحزاب السياسية من يمينها إلى يسارها رفضت فيما رفضت مقترح الفيدرالية (مطبقة حاليا على نطاق كل السودان) والذي تقدم به بعض سياسي الجنوب في 1965م ولكنها عادت هي نفسها بقبول حق تقرير المصير للجنوب بعد ثلاثين سنة فيما عرف بمقررات أسمرا للقضايا المصيرية عام 1995م والذي أصبح واقعا في اتفاقية نيفاشا الموقعة في 2005م والتي انتهت إلى انفصال الجنوب في 2011م.

 إحدى افات السياسة السودانية عدم اعترافها بالتجديد وخاصة على مستوي القيادات وهو “غباء حزبي” أن صح التعبير وجهل سياسي كان له أثر سالب في تطور التجربة الديمقراطية في السودان. كل الذين شكلوا الحياة السياسية إلى وم ينتمون لثقافة فكرية ترجع إلى حقبة الخمسينيات من القرن الماضي. فرئيس حزب الأمة القومي الامام الصادق المهدي ورئيس الحزب الاتحادي الأصل السيد محمد عثمان الميرغني والزعيم التاريخي للحركة الإسلامية ورئيس الأحزاب المنضوية تحتها الراحل الدكتور حسن عبد الله الترابي والأمين العام للحزب الشيوعي الراحل الاستاذ محمد ابراهيم نقد، كل هؤلاء ولدوا في الثلاثينيات من القرن الماضي ونشأوا وتعلموا خلال فترة الأربعينيات والخمسينيات وظهروا على مسرح السياسة السودانية خلال فترة الستينيات من القرن الماضي. الإمام الصادق المهدي اصبح رئيسا لحزب الأمة منذ العام 1965م، والسيد محمد عثمان الميرغني رئيسا للحزب الاتحادي منذ العام 1968م، والاستاذ محمد ابراهيم نقد سكرتير للحزب الشيوعي منذ 1971م وحتي رحيله في 2012م، الدكتور حسن عبدالله الترابي منذ 1964م وحتي رحيله في 2016م. فكل من هؤلاء الزعماء ظل يقود حزبة لفترات تزيد او تقل قليلا عن نصف قرن من الزمان. فهؤلاء جمدوا الحركة السياسية السودانية عند محطة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي وظلوا يمارسون العمل السياسي علي خلفية خلافاتهم السياسية التي ترجع إلى ستينيات القرن الماضي. تسلموا الراية من الجيل الذي صنع الاستقلال ولكنهم لم يسلمونها للأجيال التالية وأغلقوا الطريق أمام عدة أجيال كان يمكن ان يكون من بينها من هو قادر علي الإسهام في عمليات التغيير الايجابي لصالح الوطن لا لصالح الحزب. فبينما نحن في صراع الثنائيات إلى سار/إلى مين، الدولة الدينية/المدنية، الشمولية/الديمقراطية العلمانية/الاسلامية قوانين وضعية/ شريعة اسلامية… الخ وجاهليتنا التي قعدت بنا خلال الخمسين سنة الماضية، كان العالم حولنا يرتقي مسلحا بالعلم والحكمة فبرزت النمور الآسيوية (تايوان، سنغافورة، هونغ كونغ وكوريا الجنوبية) كاقتصادات قوية وبات التنين الصيني على أعتاب أن يكون الاقتصاد الأقوى في العالم وقد زاحم كل من روسيا والولايات المتحدة في اعماق الفضاء وسارت الهند في نفس الطريق. في هذه الفترة هبط الإنسان على سطح القمر وأنشأ مرصد هابل الفلكي والذي انتهت مهمته الان (عمل حوالي 29 سنة) وظهر الحاسب الشخصي وثورة الاتصالات والانترنت والهاتف الخليوي وتعاقب على رئاسة الولايات المتحدة 10 رؤساء كما تعاقب 10 رؤساء وزارة على الحكومات البريطانية ونحن لا زلنا نحاول معالجة أساسيات وضروريات الحياة ولا زلنا نتحدث عن كيف نحكم ولا زلنا نتحدث عن دولة دينية أم مدنية ولا زالت نفس الوجوه هي التي تتحدث وتتحكم وتقرر ولا زال فكر الخمسينات هو المهيمن. فهل من جاهلية أكثر من ذلك؟

 تدعي احزابنا الديمقراطية ولا تمارسها روحا فأي ديمقراطية هذه التي تجعل زعيم الحزب على رأس الحزب ابديا. انظر إلى جميع احزابنا الكبيرة من أقصى إلى مين إلى أقصي إلى سار ستجد أن رئيس الحزب أو سكرتيره العام لا يتغير ابدا وكلها تدعي الديمقراطية وتنادي بها. هذه سمة جميع الأحزاب السودانية ذات الثقل الجماهيري ذلك يعني أما ان هذه الأحزاب تخادع نفسها وقاعدتها أو أنها لا تعي روح الديمقراطية وفي كل الحالين تمارس نوعا من الجاهلية السياسية. مسالة ابدية الرئيس هذه أدت إلى تتشظي وتتفتت الاحزاب فكل من لم يستطيع تحقيق طموحه نحو القيادة لاستحالة ذلك ينشق عن الحزب الأصلي ليكون له حزبا جديدا يستطيع أن يحقق فيه حلم القيادة والأمثلة كثيرة. وقد فطنت بعض الأحزاب الناشئة لهذه العلة وتخلصت منها مثل حزب المؤتمر السوداني.

 من أكثر مظاهر الجاهلية السياسية في السودان تجليا هو الكم الهائل من الاحزاب السياسية حيث بلغ عددها 120 حزبا وتفوق عدديا كل أحزاب أوربا مجتمعة [2]. ذلك يعني أن كل حزب يقابله 300 ألف مواطن تقريبا إذا اعتبرنا أن سكان السودان في حدود 36 مليون.

 قمة الجاهلية السياسية ما درجت عليه الأحزاب السودانية والتي تدعي الديمقراطية في استخدام طرق غير ديمقراطية وعنيفة للوصول للحكم من خلال الانقلابات العسكرية والتآمر والخداع وعمليات الغش في الانتخابات. فقد كانت الأحزاب السودانية وراء عدد كبير من الانقلابات العسكرية منذ فترة الديمقراطية الأولي وحتى الان، وقد نجحت منها ثلاثة انقلابات في الاستيلاء على الحكم. ففي العام 1958م قام حزب الأمة بوأد التجربة الديمقراطية الأولي حينما سلم الحكم للعسكر. وفي 1969م استولي الشيوعيون على الحكم عند طريق الانقلاب العسكري. وفي 1976م كونت الأحزاب السياسية قوات عسكرية مدعومة من ليبيا للدخول إلى الخرطوم للاستيلاء على الحكم بالقوة ولكنها انتهت إلى فشل. ثم وقع انقلاب 1989م والذي دبر له حزب الجبهة القومية الإسلامية رغم أنه كان يشارك في حكومة ديمقراطية وله ثقل مؤثر فيها.

وهذا غيض من فيض فأدبيات السياسية السودانية تحفل بكثير من مظاهر الجاهلية السياسية والتي تتمظهر في الكيد الساسي المتبادل وخلوها من الحوارات المنتجة والبناءة والتي تستهدف التوافق على الثوابت الوطنية بعيدا عن الكسب الحزبي والتي تعظم المصلحة الوطنية فوق الحزبية، حوارات تؤسس للنهوض بالوطن من خلال الأحزاب وليست حوارات تؤسس للنهوض بالأحزاب على حساب الوطن.

فثورة الشباب هذه عميقة تتعدي سني الانقاذ العجاف إلى ما قبلها، فهي رفض للإنقاذ التي نشاؤا تحت شجرة مشروعها الحضاري كما هي رفض للأحزاب التي لا يشعرون بأي انتماء إلى ها وهي في المقابل لم تكترث لهم واستهانت بمقدراتهم، إذا فهو رفض للإنقاذ وللأحزاب معا. وضح هذا الرفض في ناي الشباب عن أحزاب الحكومة والمعارضة وانتظامهم في مجموعة برامج العمل الطوعي حيث تفجرت طاقاتهم بعيدا عن الأحزاب وعن مؤسسات النظام في منظومة من الاعمال الطوعية تخدم المجتمع فقدموا أعمالا عظيمة في مجالات الصحة والتعليم ولعل تجربة “شارع الحوادث” هي المثال الابرز (وان كانت هنالك مثلها كثير من التجارب الناجحة)، ولعلها ايضا تدلل على درجة الوعي المتقدم لهذا الجيل وعلى استعداده الفطري للفعل الايجابي نحو التغيير وهذا ما أكدته أحداث الثورة الجارية الآن. كما وضح رفض الشباب للأحزاب في التفاف مجموعة منهم قد تتفوق في حجمها على كثير من الأحزاب السودانية، حول تجربة الفنان محمود عبد العزيز الغنائية في ظاهرة تستحق الدراسة. وعندما انطلقت شرارة الثورة كانت الطاقات الشبابية مهيأة، فقط تنتظر التوجيه والقيادة. فكانت هذه القيادة هي تجمع المهنيين والذي وجد فيه الشباب ضالتهم ليفجروا طاقاتهم نحو التغيير المنشود. وكانت ثقتهم غير المحدودة في تجمع المهنيين هي العامل الحاسم في نجاح كل المواكب التي دعي لها التجمع ولا أعتقد ان مثل هذا النجاح كان ليتحقق إذا كانت الأحزاب السياسية هي من يقود الثورة.

انها ثورة فريدة في نهجها السلمي الذي حافظت عليه لأكثر من شهرين رغم العنف المفرط الذي تواجهه، فهي فريدة في تكوينها حيث يغلب عليها الشباب وتتفوق فيها المرأة مشاركة مقارنة بالرجل، فريدة في طريقة اندلاعها وانتشارها حيث انطلقت من الولايات أولا قبل أن تتوهج في العاصمة، فريدة في اتساعا الجغرافي حيث انتشرت في كل ربوع السودان حضره وريفه، وتفاعل معها كل افراد المجتمع صغارا وكبارا، فريدة في شعاراتها فرغم أن ظاهر الأزمة معيشية فإن الثوار مدركين بوعيهم أن الأزمة في جوهرها سياسي وأخلاقي لذا كانت شعاراتها تنادي بالحرية والسلام والمساواة

o (حرية سلام وعدالة ,,, والثورة خيار الشعب)، وبإزالة الفساد
o “سلمية سلمية… ضد الحرامية”، وبسودان خالي من العنصرية
o (يا العنصري المغرور كل البلد دارفور)، وهي تنشد الكرامة لجميع السودانيين وتؤسس لممارسة ديمقراطية فعلية وسودان جديد لا يشبه ما قبله.

23 فبراير 2019م
[email protected]

[1] https://sudaneseonline.com/board/6/msg/1104995092.html
[2]http://www.sudanile.com/index.php?option=com_content&view=article&id=78922:2015-03-14-08-36-39&catid=1020:1-8-8-3-9-9-6&Itemid=55

تعليق واحد

  1. كلام جميل و فعلا هذا واقع احزاب لسودان المأساوي و لكن نحن شباب السودان ان شاء الله كلنا يد واحده متحدين من اجل الحريه سلام و عداله و تطوير و تنمية وطننا الحبيب و جعله الاول اقتصاديا على مستوى افريقيا اولا ثم على مستوى العالم و تحيا الثورة و الوعي .. تسقط بس

زر الذهاب إلى الأعلى