مقالات متنوعة

مصير عثمان ميرغني

في نصف التسعينيات بعد تخرجي من الجامعة سافرت الى القاهرة وكانت تستخدم دائما معبر للسفر الى أوروبا او اي مكان آخر .فكنت كباقي الشباب يتملكنا الغُبن والإحباط ومن ضمن الذين التقيتهم في ذلك الزمن شباب جميعهم أو الغالبية منهم حديثي التخرج من الجامعات ويحملون تخصصات ممتازة ولو سألت أي منا الى أين أنت ذاهب أو ماهي وجهتك لا أحد يدري وكنا نلتقي في مقهى في ميدان التحرير بالقاهرة يحمل نفس الإسم يوميا نسأل عن بعض ونتفقد أحوال بعضنا بعضا وفي كل يوم يزداد العدد والكل خرج هائم على وجهه بحثا عن مأوى في أرض الله الواسعة.

فكرت آنذاك كيف أن خسارة الدولة الفادحة في أبنائها إن هؤلاء الأطباء والمهندسين والإقتصاديين وأصحاب اللغات كان في شاب إسمه وليد يتحدث لغات عديدة وكان صاحب المقهى يستعين به للحديث مع مرتادي المقهى السياح الأجانب وكان يعمل كمرشد سياحي أحيانا ,هؤلاء مجرد أن تموا تعليمهم فكروا في الخروج من السودان . وسؤال آخر كان يراودني أيضا لماذا يرغب كثير من الشبان في الفرار من الوطن هل بسبب الفقر؟ الفقر ليس السبب بدليل الغالبية ميسوري الحال كان طارق خريج هندسة يسكن في فلا في السودان ويمتلك سيارة ومبسوط جدا وكذلك وليد ميسور الحال وجميعهم ويدرون لو أتيحت لهم فرصة الذهاب الى أوروبا أو اي دولة أخرى سيضطرون الى العمل في مهن بسيطة لا تتفق مع الشهادات التي يحملونها.

السبب الرئيسي لهجرة هؤلاء الشبان الجميلين هو الإحباط وفقدان الإحساس بالعدالة , في عهد الإنقاذ الفاشي الفرص فقط لأصحاب الولاء ولأتباع (الكيزان) المخلصين وليس للكفاءة والذين أثبتت الأيام والتجارب بأنهم لا يصلحون من الناحية الموضوعية لتولي المسئولية وتجدهم يتوجسون خيفة من ظهور أية كفاءة قد تنتزع منهم المنصب لذلك أستبعدت المواهب والنوابغ عن طريق نظام الإنقاذ الفاشي بل ويظل يضطهدهم ويحاربهم ولكنه يجتذب الفاشلين وعديمي الكفاءة ماداموا يطبلون ويزمرون لولي نعمتهم .. وهذا ما قاد البلد الى الفشل حتى وصلنا الى الحضيض . عندما تصبح الأوضاع مقلوبة وإن الإجتهاد ليس أبدا شرطا للتقدم والكفاءة والمؤهل ليس شرطا أو معيارا في الحصول على وظيفة وحتى الثروة لا علاقة لها بالنبوغ والإجتهاد بكل تأكيد سيهاجر النوابغ . وتصبح الموهبة مشكلة , فأنت اذا كنت موهوبا في السودان انت في مشكلة كبيرة جدا الأفضل ان تكون عاديا لان النظام أصلا صمم للبلداء ويضيق بالنوابغ لا يتحملهم يلفظهم بسرعة فائقة ويضطهدهم والموهبة تشكل عبئا على صاحبها وتثير على صاحبها الضغائن ويحاولون تدمير صاحبها.

فإذا كنت صاحب موهبة في السودان عليك أن تختار إما أن تهاجر الى بلد ديمقراطي يحترم موهبتك ويرعاك ويطورك إما تقرر الإحتفاظ بشرفك وينتظرك مصير الأستاذ عثمان ميرغني واحد من أكثر الصحفيين السودانيين موهبة وإخلاصا وشجاعة إستطاع بشجاعته وبموهبته الساطعة أن يصنع صحيفة التيار لتكون علامة فارقة في الصحافة السودانية كالوردة وسط الأشواك في ظل هذا النظام الفاشي يكفيه شرفاً أول من فتح ملفات الفساد في السودان , كما أنه رعى الكثيرين وعلمهم الطيران حتى حلقوا عاليا في سماء الصحافة لو كان عثمان ميرغني في بلد ديمقراطي لقدمت له الحكومة شهادة شكر وتقدير ووسام الشجاعة حينما كشف أكبر عملية فساد في أفريقيا وسميت قضية القرن هي فساد شركة الأقطان وكاد أن يدفع الثمن حياته حينما تهجم عليه عصابة ملثمين وأصيب في عينه ومازال مستمر في العلاج منذ ذلك التاريخ وكان يطالب بتغيير ديمقراطي حقيقي وفي جميع كتاباته مقتنع تماما بأن المشكلة سياسية بإمتياز , وكان كل سوداني لحق به ظلما يجد صحيفة التيار الى جانبه وكل كاتب يمنع له مقال التيار تنشره له . كنت أحدثه تلفونيا وثم التقيته بدار صحيفة التيار عن طريق الصديق والقريب رحما وفكراً الإعلامي المعروف الأستاذ لقمان همام وجربوا معه كل الطرق أنهكوه بمحاكمات عبثية وقضايا تافهة وروعوه وهددوه بالحبس مرات ومرات حتى قال لي لقمان همام ذات مرة متندراً : (عثمان ميرغني يا اما في جلسة محاكمة أو داخل محاكمة) لذلك جل عمله ليلا حاولوا شراءه عن طريق الإعلانات فوجدوه عصيا ووجدوا أن ضميره غير قابل للشراء وظل قابضا على الجمر ومع إزدياد الضغوط على النظام للمطالبة بالعدالة ومحاربة الفساد والديمقراطية أصبح عثمان ميرغني فوق طاقة النظام على الإحتمال وتم إعتقاله لكي تصمت الحقيقة لكن لا يدرون الحقيقة أصبحت مكشوفة ولا تحتاج الى من يكشفها.

حكاية إعتقال المهندس والأستاذ عثمان ميرغني بقدر ما هي محبطة فإنها مفيدة وهي كهدية الى كل من لا يزال يعتقد أنه بالامكان إحداث تغيير وبناء السودان بعيدا عن الإصلاح السياسي وخاصة الناس الطيبين الذين يتصورون ان الإجتهاد وحده سيبني الدولة بدون حاجة الى حرية التعبير والديمقراطية أقول لهم إن الإستبداد يا سادة مثل مرض السرطان يبدأ في السلطة السياسية فعلا لكنه سريع الإنتشار في كل أجهزة الدولة ويصيبها بالعطب والعجز وينتشر الفساد وهذا الفساد يؤدي الى تكوين عصابات تكّون ثروات ضخمة وإمبراطوريات ومستعدة للقتال بضراوة وتحطيم أي شخص للحفاظ على مكاسبها . والأستاذ عثمان ميرغني كان واحدا من الأشخاص المستهدفين من هذه العصابة ودفع ثمن دفاعه عن حقوق الغلابة والتعابة.

أسأل الله عندما يتم نشر هذا المقال أن يكون حراً كما ينبغي وجميع المعتقلين..

‫4 تعليقات

  1. أتمنى على عثمان ميرغنى ان يطلب من الله ان يسامحه على دوره الفعال وقتئذ في دعم ومناصرة تنظيم الكيزان الفاشستى قبل وبعد الانقلاب 1989

    ثانيا انا متاكد من ان الشعب سيغفر له وهو لم يطلق الرصاص او يعذب او يسجن “”مع ان”” القلم والصحافه ليس اقل خطرا من الطلقه ….اذن اعلن على الملأ ياعثمان اعتذارك للوطن عن فترة اقترانك بكلالالالاب الالغاز …..ويعتبر الماضى حدذ لم يحدث اصلا

  2. كاتب المقال لا يعرف أي شئ عن الكوز عثمان ميرغني ..راجع معلوماتك قبل ما تكتب القصة ما تبقى بس رسلت ونشروا ليك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..