مقالات وآراء

موكب 6 إبريل للقيادة العامة: الأرض والعرض

عبد الله علي إبراهيم

تمر في يوم 10 من الشهر الجاري الذكرى السابعة لاحتلال جيش دولة جنوب السودان منطقة هجليج في جنوب كردفان. وتمكنت قواتنا المسلحة من تحريرها في العشرين من نفس الشهر بقيادة اللواء كمال عبد المعروف رئيس هيئة الأركان الحالي. وكانت القيادة العامة قد استدعته من موقعه في الكلية الحربية ليتولى قيادة “متحرك استعادة الحق” أي منطقة هجليج. وصار اسمه على كل فم في التظاهرات التلقائية التي توجهت إلى القيادة العامة وقيادات وحدات القوات المسلحة في الولايات، لا دار المؤتمر الوطني ولا القصر الجمهوري.

وتحدث اللواء عبد المعروف بعد النصر إلى جمع من مراسلي الصحف والوكالات والوسائط في هجليج. فبعد وصف موجز للمعركة قال: ” ونقول لكم وللعالم أجمع نحن شعب أبي، وشعب كريم وشعب عزيز، وأننا لا نرضى الضيم، ولا نرضى الهوان على الإطلاق، نرد الصاع صاعين، ولا نفرط في حقنا. لذلك كان هذا المتحرك متحرك استعادة الحق. ولن نترك بعد اليوم الحق في أي مكان في أرض السودان. وهذا المتحرك جاهز ليتحرك من هنا من هجليج لأي مكان فيه غدر وخيانة”

كنت يومها على غير رأي كثير من المعارضين من أن استرداد هجليج مما يفرح له الوطن. وغمزوا من قناتي بقولهم: “تتشطر الإنقاذ في هجليج تاركة حلايب والفشقة”. وهو ترك معيب لا غلاط. ولكن لسنا نفرط في شبر من الوطن لأننا نفرط في أشبار أخرى. فلا نفرق بين أراضيه “فكل أجزائه لنا وطن”. وكل قطعة مستعادة من أرضه لها عبق نتمتع بشميمه بعد غيبة. ويبقى أن نأخذ تارك القطع الأخرى بالشدة حتى يرعوي وينهض بالتبعة.

وتشاء الصدف أن تتوارد الأنباء السقيمة عن حلايب السليبة تحت الاحتلال المصري والفريق كمال عبد المعروف، قائد متحرك استعادة الحق، هو قائد أركان القوات المسلحة يومنا. ونحن على “قبايل” العيد السابع لنصرنا في هجليج. وما زاد تلك الأخبار قتامة أن الجيش الذي يحتل حلايب هو نفسه الذي دقت بلده الجرس على أرضها تدعو لمناقصات عالمية لاستخراج النفط منها. وهذا الجيش نفسه، ويا لهواننا عليه وعلى أنفسنا، الذي نصب أفرانه بيننا يطعم مسغبتنا نحن الشعب الذي وصفه الفريق عبد المعروف بشموخ الأنف:” نحن شعب أبي، وشعب كريم وشعب عزيز، وأننا لا نرضى الضيم، ولا نرضى الهوان على الإطلاق”. وهذا الخبز المشبوه لا يليق بنا لأنه من باب دق الإضينة (الأذينة) واطعمه.

ومما يزيد تفريطنا في حلايب عاراً أن نفس الجيش الذي يطعمنا حشفاً معطوناً بنزيف الوطن هو الذي يفرض سيادة مصر على أرضنا كأمر واقع. فمصر تنفق بسخاء على حلايب وما حولها لبناء منشآتها الخدمية والسيادية في تحد للمجتمع والقانون الدوليين المعروض عليهما طلبنا التحكيم في ملكية أرضنا المغتصبة. فتنفذ المؤسسات الهندسية التجارية للجيش التي فصلت أمرها بالأمس مشروعات لتوسيع مدرسة شلالتين الإعدادية والثانوية وحلايب الابتدائية وتعلية سورهما بتكلفة 10 مليون فاصل 7 منه.

ومن المؤكد أن لشركات الجيش (هذا الذي وجدنا جوعي فأطعمنا) أعمالاً أخرى في حلايب التي يتحين الرئيس المصري زيارتها ليبصم نهائياً على تملكها اختلاساً وخفة يد. فقد خصصت محافظة البحر الأحمر لعام 2017 مبلغ407 مليون لمشروعات في حلايب و484 مليون لوحدات إسكانية في أبو رماد، و200 مليون للإسكان في حلايب، و50 مليون في راس حدربة، مع بناء 79 كيلو من الطرق المسفلتة ورفع كفاءة محطة تحلية المياه. والتوقع أن يزور الرئيس المصري السيسي حلايب لافتتاح هذه المشروعات التي يراد لها تكثيف الوجود المصري واقعاً. ومؤشرات ذلك أنه مسبوق بزيارة لوفد برلماني وقف على مطالب السكان، وافتتح مجمع المحاكم والتوثيق في حلايب. وهو أول مجمع قضائي في المناطق الحدودية. وكانت زيارة السيسي مجدولة لعام خلا للضغط على السودان ليتخذ موقفاً موالياً لمصر حول سد النهضة. وأرجئت. ولن يُستغرب أن انتهزت مصر سانحة اضطراب شأننا للإسراع بهذه الزيارة التي يراد لها دق المسمار الأخير في نعش حق السودان في حلايب.

يرتب الحراك الناهض في الوطن موكباً في 6 إبريل لبوابة القوات المسلحة يلتمس منها أن تستعيد الحق في الوطن الذي ظل حكمه بيدها لعقود ثلاثة. وغير خاف إلا على مكابر تفريطنا البليغ في الأرض والعرض. فمما يجرح كبد المؤمن أن تولول نساء بوجه أوغاد أشرار ملثمين شاكين السلاح ألا يقتحم حرمة دارهن حتى يستترن. ومما يشق لهات الشعر الذي حببنا في الوطن أن يأذن نظامكم بتسول اللقمة من مغتصب أشر للوطن. لقد ذقتم حلاوة غمر الشعب لكم في مواكب فرحة هجليج في يوم نصركم. وجاء الوقت، للأسف، لتسمعوا منه برجولة في موكب 6 إبريل هوانه في وطنه، وضيمه في عرضه. فأرضاً سلاح، واسترح، متى بلغ الموكب بوابتكم، تنزلاً عند إرادة الشعب التي لا تُغلب لأنها من إرادة الله. كان 20 إبريل 2012 يا سيادة الفريق كمال عبد المعروف يوماً لك وللقوات المسلحة. وسيكون يوم 6 إبريل القادم يوماً عليكما. والله غالب كما في آية غراء مما حيت به خطبتك الرشيقة في المؤتمر الصحفي:

إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..