مقالات وآراء

ساخر سبيل – خطبة الجمعة

الفاتح جبرا

الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والإيمان، ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون..

يقول الله تعالى في محكم آياته :
(وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) الكهف 29
وروى البزار في مسنده وابن حبان في صحيحه: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ : أَوْصَانِي خَلِيلِي : أن أَصِلَ رَحِمِي وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَنْ أَقُولَ الْحَقَّ، وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَنْ لاَ تَأْخُذَنِي فِي اللهِ لَوْمَةُ لائِمٍ).

عباد الله:
ما أسهل الكلام وما أصعب قول الحق الكل يتكلم ويتحدث في كثير من أمور الحياة؛ ولكننا اليوم وفي كثير من مجالات الحياة أصبحنا نفتقد كلمة الحق، فلا تكاد تجد بين هذا الكم الهائل من الكلام كلمة الحق حيث أصبح أصبح الكذب والنفاق والمجاملة وطمس الوقائع وتزوير الحقائق وتحريف الكلم عن مواضعه قد أصبح ظاهرة واضحة عند كثير من أبناء هذه الأمة حكاماً ومحكومين، علماء وطلبة علم، أدباء وشعراء، صحفيين وإعلاميين، سياسيين وقادة أحزاب، أفراداً وجماعات إلا من رحم الله الأمر الذي أدى إلى إهدار كثير من القيم والأخلاق وسوء الكثير من العلاقات الاجتماعية حيث ضاعت الكثير من الحقوق وتفشى الظلم بأبشع صورة، وتعلمت الأجيال الخوف والجبن وتجرعت ثقافة الخنوع والضعف والاستكانة.
فأين كلمة الحق على مستوى البيت والوظيفة؟ أين كلمة الحق في مؤسساتنا وإعلامنا؟ لماذا أصبحت كلمة الحق مفقودة في حياتنا؟ ولماذا أصبح الكثير يتاجر بكلمة الحق ولو على حساب دينه وقيمه وأخلاقه ووطنه وأمته؟ لقد أمرنا الله بالحق وقول الحق وبين في كتابه أن الحق قامت به السموات والأرض وأنه لا ينفع غير الحق وأن الباطل إلى زوال، يقول تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ)الأنبياء 18، وقال تعالى: (قُلْ إن رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ) سبأ 49.
قد يتساءل البعض: ما هي كلمة الحق المطلوب قولها؟ ونقول إن كلمة الحق المطلوب قولها هي الكلام الحقيقي الصادق الذي ينفع الله به بدون مجاملة أو نفاق أو رياء؛ قال تعالى: (وَيُرِيدُ اللّهُ أن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) الأنفال 7 – 8، وبيّن صلى الله عليه وسلم أن كلمة الحق وقول الحق من أعظم الجهاد في سبيل الله، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ كَلِمَةَ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ « السلسلة الصحيحة للألباني: 491

عباد الله:
إن المتاجرة بكلمة الحق والعدول عنها إلى الباطل والنفاق والمجاملة ليست من سلوكيات المسلمين ولا من صفاتهم وإنما هي صفات أمم غضب الله عليها ولعنها من اليهود والنصارى؛ قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) النساء 171 ، وقال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ، كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ) المائدة 78- 79، وواقعنا اليوم يشهد بأن هناك خللا وضعفا وتهربا من قول كلمة الحق؛ بل هناك من يتاجر بها فسفكت الدماء في بلاد المسلمين وانتهكت الأموال والأعراض وحدث الشقاق والنزاع وحدث الخلافات بين أفراد هذه الأمة واستطال المسلم في عرض أخيه وماله ودمه، وبهذا السلوك تم تبرير ظلم الظلمة وتجبر الطغاة وتغييب الحق والعدل.

أيها المؤمنون :
لماذا يلجأ المرء إلى المتاجرة بكلمة الحق والسكوت عن قولها؟ هل خوفاً من الموت وطلباً للحياة؟ فإن الحياة بيد الله، أم من أجل المال؟ أم طمع في منصب أو جاه؟ فإن ما عند الله خير وأبقى، ثم إن قول كلمة الحق لا يقرب من أجل ولا يحرم من رزق يقول النبي صلى الله عليه وسلم: »ألا لا يمنعنَّ أحدكم رهبةُ الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا يقرب من أجلٍ ولا يباعد من رزق، أن يقول بحق، أو يذكر بعظيم «(رواه أحمد في المسند: 11494 بإسناد صحيح)، السلسلة الصحيحة (1/271)، أم أن سبب ذلك الخوف والجبن؟ فأين إيمانك أيها المسلم؟ وأين خشيتك من الله وقد توعد الله الذين لا يقولون الحق ويعدلون عنه إلى غير بعذاب شديد فقال سبحانه: (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) (الأنعام) 93،

عباد الله:
إن لنا أن نتساءل لماذا سقطت كلمة الحق واختفت أمام المنصب والجاه؟ أين كلمة الحق للمدير في مؤسسته من قِبل موظفيه؟ وأين كلمة الحق للشيخ في قبيلته من قبل أتباعه؟ أين كلمة الحق من عالم رباني لا يخشى إلا الله ولا يعرف إنزال الفتاوى حسب الطلب؟ بل أين كلمة الحق أمام الحاكم الظالم والملك الجائر والوزير الخائن وهو يفسد ويعبث بمقدرات أمته ووطنه؟ اللهم ارحم في الدنيا غربتنا وفي القبور وحشتنا وارحم موقفنا غدا بين يديك، واجعلنا من عبادك الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، وأقم الصلاة.
الجريدة

تعليق واحد

  1. جزاك الله خيرا استاذنا وشيخنا الجليل والله انت احسن من خطباء كثر نسمع لهم ضجيجا ولا نرى لهم طحين!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..