أخبار السودان لحظة بلحظة

ثم بادت..

0

ثم بادت..

محمد عبد الله برقاوي..

الشيخ الراحل محمد متولي الشعراوي..كان عليه الرحمة مفسراً من الطراز النادر في قربه من عامة الناس باستعماله لغة الجسد في توصيل فكرته واستعاراته لسان الحال في الشارع لتبسيط شروحاته للإعجاز القرآني وتنزيل معاني الفضائل الدينية من الكتاب والسنة ومذاهب الإجتهاد لتصبح في متناول عقول المتعلمين و الأميين على حدٍ سواء.

قال مرة أنه يتمنى أن يأتي السياسيون الى الدين لينهلوا من نبع طهارته.. وألا يذهب الدين للسياسيين خشية أن يتلوث بقذارة السياسة ..لذا فقد وازن الرجل بذكاء الموقف وتجرده من الغرض الذاتي بين محبة السوادالأعظم من الناس وعدم غضب السلطان عليه فنام قرير العين تاركاً الذِكر الحسن في الدنيا بتلك الروح العذبة وقد غادر بجسده.

الان في سودان الثورة يحدث العكس فيسعى بعض العلماء دون خجل من ممالاتهم للظلم أو إتباع فضيلة الإعتذار ولو بالتواري.

ولكنهم عادوا دون وعي بالواقع الجديد مثلما يفعل التاجر المفلس الى تقليب الدفاتر القديمة للنظام الهالك بظلفه وبرفض الزمن و الجماهير له ..وهو الذي ساد فساده و سفكه للدماء وتدميره لبنية الوطن وتفتيته للحمة المجتمع ركوباً على ظهر الدين كمطية لبلوغ أهدافه التنظيمية والمصالحية ثم باد مشروعه الذي أضر بالدين قبل السياسة وبأهله مثلما تفوق على نفسه بدرجات في ضرر البلاد والعباد.

فالهدف المعلن من المسيرة التي يزمع أهل الترويكا المغبونة من زوال النظام والمكونة من بقايا المؤتمر الوطني الكسيح و فلول الحركة الإسلامية المكلومة و نفعيي علماء السلطان الموجوعين ..هو الدفاع عن الشريعة كخط أحمر توهموا أن الثورة تريد تجاوزه الى نظام علماني ..وهوأمر سابق لآوانه ولانقول أنه ليس من الأولويات لانه من صميم اليات مرحلة التشريع اللاحقة وليس من إختصاص الفترة الإنتقالية.

ولكن من الواضح أن النهج السلمي الذي أطاح بنظام هذا الثلاثي الجريح بشفرة فشله في الدفاع عن النظام حينما كان يترنح برياح التغيير الحتمية هو ما جعل الحرج ينخر في النفوس ويدفعهم الى تصعيد وتيرة التشدد لإستعداء الشارع في معركة دون معترك ..لخلق إنطباع بأن ما يحدث في ميدان الإعتصام هوحرب بين الدين و الكفر .وهم لم يروا بعمى بصائرهم وبصرهم الأعشى بغمامات الغرض .. ذلك التراص الإيماني في ساحة الإعتصام التي تحولت الى مسجد كبيرحوى كل مكونات ذلك الشارع الذي فات عليهم سعة أفقه الثوري ورجاحة عقله الوطني وانضباط فهمه لحساسية المرحلة التي تتطلب تفويت الفرصة على من يعملون على إيقاظ الفتنة بذرائع لم تعد تنطلي على هذا الشعب العارف ببواطن الأمور.

بيد أن وهذا هوبيت القصيد ان انبثاق ذلك التحالف المارق عن خط التوافق العقلاني في هذا التوقيت تحديداً وتسيير مواكب العارالمهزوم أمام القصر الرئاسي قبل أن تنضج جراحات ضحايا نظامهم من المصابين أو تجف دماء الشهداء الذين شاركوا في سفكها بسلاح التحريض أو بخزي الصمت ..إنما يفضح تحديداً وجوها إخوانية لبعض أولئك العلماء التي أخفوها خلف نقاب التقية و التسترداخل عباءات الخداع!

أما أهل المؤتمر والحركة الإسلامية فهم كمن يبكي على اللبن المكسوب من قربتهم التي حملوها مثقوبة تخر على ظهورهم دون أن يحسوا بالبلل من تحتهم والذي تحول الى وحل زالق ذهبت معه ريح خطواتهم الحالمة بتكلمة المشوار المستحيل..فهل نجد لهم العذر في شق الجيوب ولطم الخدود و إهالة التراب على الرؤوس!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.