المزاج العام عامل مهم لفهم المتغيرات في دول العالم

أهم المؤثرات التي بلورت الرأي العام العالمي في العقود الأخيرة، تمثلت بدخول مواقع التواصل الاجتماعي كعنصر فعال في توحيد المزاج العام بقوة وتأصيله على نحو غير مسبوق.

محمود زكي

يشهد العالم تحولات سياسية واجتماعية متصاعدة وعلى عدة مستويات ومظاهر كاليمين المتشدد وتفشي الإرهاب والتطرف وكذلك ارتفاع موجات الاحتجاجات الشعبية في مجتمعات متعددة، وتوسع رقعة رفض الآخر وتراجع أفكار الانفتاح والحدود المفتوحة؛ وهي مسألة جعلت بعض خبراء السياسة، ومن بينهم الكاتب الأميركي ويليام جالتسون، يرصدون عوامل غير تقليدية في عالم الترجيح السياسي، ومنها ظاهرة المزاج العام والانفصال الحاصل بين الطبقات السياسية وبقية المجتمع.

تنبع هذه الظاهرة من نظرية الرأي العام وفلسفة تحريك أصوات الجماهير بصورة نفسية اجتماعية يكون لها التأثير المطلق على سيكولوجية الجماهير عموما. ويفسر العالم السياسي ويندي راين في كتابه “علم النفس السياسي”، أن دراسة الجانب النفسي للناخبين، وفهم الأبعاد الشخصية للمواطنين جزء أساسي مكون للنجاح السياسي في الاستحقاقات الانتخابية وتمرير القوانين، كالمواد الضريبية مثلا.

ويرى ويليام جالتسون أن تحديد غالبية المواطنين للمرشح الذي يؤيدونه في الانتخابات هو قرار شخصي، لكنه لا يعتمد فقط على الحسابات العقلانية، ولكن أيضا على المشاعر والحدس، وهي عوامل تبدو غير مرئية لكنها موجودة في كل مكان. ويقول الكاتب إن السياسي الناجح هو الذي يستطيع فهم هذا المزاج ويجعله يعمل لصالحه.

وتذهب الكثير من الأمثلة لتؤكد ذلك. ولعل المثال الأبرز كان استيعاب الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت عام 1932 حالة المزاج العام في الولايات المتحدة، والتي تلخصت في الإحساس بالخوف والرغبة في تجديد ثقة البلاد في قدرتها على مواجهة المشاكل الاقتصادية الخطيرة، لذا تبنى مشروعات للاستثمار في البنية التحتية لتعظيم فرص العمل وتجديد الثقة في القدرات.

وفي العام 1960، فهم جون كينيدي أن الكثير من الناس، وخاصة الشباب، قد فسروا حالة الاستقرار التي شهدتها سنوات حكم الرئيس دوايت ديفيد أيزنهاور بأنها حالة ركود، لذا وعد كينيدي بـ”تحريك البلد مرة أخرى”. وفي انتخابات عام 1980، كان الأميركيون قد سئموا من حالة الفشل التي شهدتها البلاد ، مثل حرب فيتنام وفضيحة ووترغيت والركود الاقتصادي والفشل في تحرير الرهائن الأميركيين من سفارة بلدهم في طهران في عهد الرئيس جيمي كارتر. وأدى ذلك إلى ضعف ثقة المواطنين في الحكومة بمستويات غير مسبوقة. وفي هذه الظروف، جاء الممثل رونالد ريغان، بصورته الهوليوودية، وتحدث عن أن الحكومة هي المشكلة ومن ثم ضرورة الحد من دورها، وقد لقي حديثه هذا قبولا أوصله إلى البيت الأبيض.

ويُجيب إسقاط نظرية المزاج العام على الوضع الراهن على الكثير من الأسئلة حول أسباب التحولات العالمية ومن بينها صعود النبرة اليمينية.

وكان وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى حكم الولايات المتحدة مصحوبا بحالتين؛ الأولى عالمية وكانت بشكل مقترن بصعود الإرهاب وتدفق اللاجئين وعدم شعور المواطنين بالأمن. والثانية محلية مرهونة بحالة يأس أميركية عامة من الأوضاع الاقتصادية والسياسية.

وتبين ذلك من عدم رضا المواطنين على القوانين المنظمة لعمل الضرائب في البلاد بالإضافة إلى سوء الخدمات الطبية غير المجدية مثل مشروع “أوباما كير” الصحي في عهد الرئيس السابق باراك أوباما والذي قوبل بتحديات صعبة لتطبيقه. استغل ترامب كل تلك التطورات متشابكا مع تطلعات الجماهير بتبني خطاب شعبوي مصحوب بشعار “فلنجعل الولايات المتحدة عظيمة مجددا”.

وتكرر المشهد في عدد من بلدان العالم، ومنها إيطاليا. إذ وظف حزب رابطة الشمال اليميني المتطرف بزعامة ماتِيو سالفيني خلال الحملة الانتخابية، الهواجس الأمنية والترهيب من ظاهرة الهجرة، ثم معاداة قواعد اعتبرها مضرة بإيطاليا، في إطار الاتحاد الأوروبي، مع استغلال سوء إدارة الحزب الديمقراطي الحاكم، ليتلاعب بمشاعر الناخبين ويحقق فوزا ساحقا يضعه على رأس حكومة يمينية في قلب أوروبا.

يؤدي سوء فهم المزاج العام أيضا إلى نتائج عكسية قد تعصف بالحكومات. وتمثل قضية انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي أحد النماذج الدالة على ذلك. حيث لم يفهم ديفيد كاميرون رئيس الحكومة البريطانية السابق حالة التذبذب التي تمر بها بلاده، والانشقاق في الآراء حول الهوية الأوروبية ليظن أن التلاعب بورقة الانفصال يصب نحو المزيد من المكاسب ليصطدم بأنها كانت سببا مباشرا في الإطاحة بحكومته.

ويقول مصطفى رجب، أستاذ العلوم السياسية، إن دخول مؤثرات جديدة على المزاج العام، جعلت منه أداة سياسية فعالة لترجيح كفة قوى سياسية على حساب الأخرى، وقد يكون البعض محظوظا بتغيّر مزاج المواطنين لصالحه دون قصد، مثلما عاشت حكومات أوروبا الليبرالية في الثمانينات مع فشل التجربة الشيوعية وانهيار الاتحاد السوفييتي بعدها، دفع ذلك وقتها رؤساء حكومات، مثل رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر والمستشار الألماني هيلموت كول، إلى الاستمرار في حكم بلدانهم لعقد كامل رغم الإخفاقات السياسية.

ويوضح رجب في تصريحات لـ”العرب”، أن أهم المؤثرات التي بلورت الرأي العام العالمي في العقود الأخيرة، تمثلت بدخول مواقع التواصل الاجتماعي كعنصر فعال لتوحيد المزاج العام بقوة وتأصيله على نحو غير مسبوق، كظهور نزعات ثورية وانتفاضات شعبية في بلدان عدة، مثل رومانيا والبرازيل ودول الربيع العربي، ومؤخرا في السودان والجزائر.

ولا يختلف تأثير حالة المزاج العام عن الحياة السياسية في البلدان العربية. ويمكن ربط ما طرأ على هذا المزاج بالتغييرات التي تشهدها المنطقة منذ خروج التونسيين ضد النظام الذي حكمهم بقبضة من حديد لسنوات طويلة في أواخر 2010، ثم انتشار الشعلة في أكثر من بلد عربي، في سابقة لم تعشها المجتمعات العربية منذ ثورات الاستقلال. ووصلت حالة الإحباط والسخط والغضب لدى التونسيين والمصريين والليبيين والجزائريين والسودانيين وغيرهم، إلى ذروتها، الأمر الذي سبّب انفجارا شعبيا هز أركان هذه الأنظمة وأسقطها.

ويرى محللون أن فشل الحكام العرب في فهم مزاج شعوبهم، جعلهم يسارعون إلى اتخاذ قرارات اقتصادية خاطئة تسببت في الإطاحة بهم مثلما حدث في مصر وتونس. ويتسق ذلك أيضا مع الوضع في الجزائر والسودان. فقرار الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة بالترشح مجددا للرئاسة جاء بعد تجاهل واضح للمزاج الشعبي. بينما تسبب بطء قراءة عمر البشير لمطالب المحتجين في السودان بتعجيل نهايته.

لكن رغم ما تشهده المنطقة، لا يبدي السياسيون فيها، خصوصا في الدول التي شهدت تغييرات، اهتماما للجهود العلمية من أجل قراءة حالة المزاج العام مثل استخدام استطلاعات الرأي بشكل موضوعي ودون خلفيات سياسية بشكل يساعد على قراءة ما يصبو إليه هذا المزاج، أو الارتكان عليها لتحليل طبيعة هذا المزاج بدل الآراء الشخصية أو المقولات النظرية أو التاريخية منتهية الصلاحية.

العرب اللندنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق