أخبار السودان

سقوط.. الصادق المهدي!!

دكتور عمر القراي.

(وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)

صدق الله العظيم

لم يستطع السيد الصادق المهدي، أن يصبر على ثورة الشعب، أكثر مما صبر.. فهو يراها توشك أن تبلغ غايتها، دون أن يكون له فيها ذكر، فلا حصل على زعامة قوى الحرية والتغيير، ولا حصل على فترة انتقالية قصيرة، تعجز عن محاسبة حلفائه التقليديين، وتعجل بانتخابات، يصل عن طريقها الى السلطة، بعد تحالفات واسعة مع فلول النظام البائد. وحين بدأت الثورة، صمت عنها، ولم ينتقد نظام البشير، حين ضرب المدنيين العزل بالرصاص، مثلما صمت عن قتل الطلاب في انتفاضة سبتمبر 2013م، وعن التطهير العرقي والإبادة الجماعية لأهالي دارفور، مع أنهم كانوا السند التاريخي لحزب الأمة!! بل حين كان أهلنا في دارفور تحرق قراهم، وأهلنا في جبال النوبة، تقذفهم الطائرات بالبراميل الحارقة، كان السيد الصادق المهدي، يعقد مع الإنقاذ اتفاق “التراضي الوطني”!! وبعد أن رفضت قواعد الحزب الاتفاق، وأعلن السيد الصادق أن الحكومة خدعته، ولم تف بوعدها، وألغي الاتفاق، رأينا السيد الصادق، يقف كالتلميذ، للرئيس المخلوع، وهو يكرمه، ويضع على صدره وسام عدم الشرف، إذ يقف زعيم طائفة دينية، ليمنحه دكتاتور قاتل لأبناء وطنه، وساماً يكرمه به!! ثم حين واجه ضغوطاً من شباب حزب الأمة، ليشارك في الثورة، برر رفضه بوصف الثورة بأنها (بوخة المرقة) أو الحمل غير المكتمل!! سخرية واستهزاء واحتقاراً لنضالات الشعوب. ولكن الثورة سارت نحو الانتصار، فهرع يلحق بها، وبدأ ينظر لتجمع المدنيين، فلم يسمعوا له، ولم يجعلوه عليهم زعيماً، في زعامة يطلبها دائماً، ولا يستطيع دفع مستحقاتها، ولو كانت مجرد السير في مظاهرة!! ألم ترون كيف نفى أنه سار في المظاهرة، حين حاول بعض اتباعه، أن يجعل منه بطلاً، وقائداً لمظاهرة ودنوباوي، فخاف من محاسبة النظام، فأخرج بياناً، ينفي فيه مشاركته للشعب في مظاهرة ضد النظام؟!

لقد شعر السيد الصادق الآن، بأن هناك بعض الخلافات في قوى الحرية والتغيير، وهناك بعض الأخطاء في المذكرة الدستورية، التي رفعوها، وهناك باب للوساطة دخل منه البعض، وهنالك حراك لتجميع الإسلاميين يقوده الداعشي الجاهل محمد الجزولي، فيتحدث عن مفارقة التجمع للأسلوب الديمقراطي، وكأنه وهو من أيد أكبر جماعة مهووسة، يؤمن بمبدأ الديمقراطية.. شعر الصادق ان حلفاءه التاريخيين، لم ينتهوا بقيام الثورة، وخشي أن يستمر مع تجمع المهنيين فيفقدهم، فأفتعل نقداً غير مبرر لقوى الحرية والتغيير، ليتخلص منها، ويلحق بداعمي المجلس العسكري من الإسلاميين، فهذا هو مكانه الطبيعي.. فقد قال في لقائه مع هيئة الإذاعة البريطانية (لا نعترف بالوثيقة الدستورية التي قدمتها قوى الحرية والتغيير للمجلس العسكري الخميس بل نعتبرها اختطافاً حيث لم تتم استشارتنا حولها)!! أليس د. مريم الصادق ممثلة لحزب الأمة القومي في قوى الحرية والتغيير، وهي تعلم كل ما يدور فيها؟! فلماذا تريد أن يشاوروك أنت؟! أم أن د. مريم تركت الاجتماعات التي ناقشت هذه الأمور، وذهبت في هذه الظروف الحساسة، الى الإمارات لتشكر شيوخها لاستضافة أبيها؟! ثم لماذا لم تنف أو تثبت، ما تردد في وسائل التواصل الاجتماعي، في القروبات التي هي عضو فيها، من أنها قابلت هناك طه الحسين، ومنحها مبلغ من المال؟!

يطالب السيد الصادق المهدي، بمجلس قيادي لقوى الحرية والتغيير، ويعتبر أن أي تفاوض قبل تكوين هذا المجلس لا يمثلهم!! ألا يكفي السيد الصادق أنه يقود حزب الأمة، وفيه من هم أكثر منه علماً ووطنية؟! لماذا يريد أن يقود قوى الحرية والتغيير، التي كان قبل أشهر يسخر من المظاهرات، التي توجهها وتقودها ؟!

وعن مهادنة المجلس العسكري والتمهيد للتعاون معه قال (المجلس العسكري ما نصعد ضده إلا لما نقدم ليهو كلام متفق عليه ويقول لا)!! الكلام المتفق عليه، وموقع عليه، هو ميثاق الحرية والتغيير، وهو ينص على حكومة مدنية. والمجلس يرفض ذلك، رغم أنه مطلب الثوار المعتصمين، الذين قال الصادق عنهم أنهم هم البرلمان الذي يمثل السودان.

يجب ان نقرر هنا لمصلحة الشباب، ممن لم تتحه لهم أعمارهم، معرفة حقيقة السيد الصادق المهدي، خاصة شباب حزب الأمة، وأبناء الأنصار.. لقد سقط السيد الصادق مرات عديدة، فبعد ثورة أكتوبر 1964م أصبح رئيس وزراء الحكومة الديمقراطية، بعد أن أسقط الشعب نظام عبود العسكري. ومع ان الثورة كان هدفها استعادة الحريات، إلا أن الإسلاميين تآمروا على الديمقراطية، وحلوا الحزب الشيوعي السوداني، وبمساندة الأحزاب الطائفية، عدلوا الدستور، وطردوا نواب الحزب الشيوعي المنتخبين، من البرلمان. وحين اشتكي الحزب الشيوعي للقضاء، حكم القضاء لصالحه، وطالب الحكومة بإرجاع النواب المبعدين، لكن السيد الصادق المهدي رفض قرار المحكمة العليا، وأصر مع الاخوان المسلمين، على تقويض النظام الديمقراطي، ليمنعوا نشاط الحزب الشيوعي!! هذا هو السقوط الأول.

وبسبب العبث بالديمقراطية، حدث انقلاب مايو 1969م بقيادة نميري، فعارضه السيد الصادق والإسلاميين بحجة انه انقلاب عسكري، وأنهم دعاة الديمقراطية!! وكونوا الجبهة الوطنية، كتحالف عريض، بزعامة السيد الصادق، وعضوية الشريف الهندي والاخوان المسلمين. وخاضوا حرب مع نظام نميري في عام 1976م وحين هزموا، هرع السيد الصادق منفرداً، دون أخذ رأي حلفائه، للقاء نميري وإعلان المصالحة في عام 1977م، ودماء الأنصار لم تجف بعد من الأسفلت في الخرطوم، الامر الذي وصفه الشريف حسين الهندي بالخيانة. ودخل السيد الصادق المهدي بأمر النميري في الاتحاد الاشتراكي، وأدى قسم الولاء لثورة مايو الظافرة، وحزبها الأوحد الإتحاد الاشتراكي، فهل يمكن ان يتحدث بعد ذلك عن الديمقراطية. وهذا هو السقوط الثاني.

وحين ثار الشعب على نميري في 1985م، وقوانينه الشوهاء، التي سماها له الاخوان المسلمون قوانين الشريعة، لحق السيد الصادق بركب الثورة، في أواخر مراحله، كما فعل الآن، ودعم المجلس العسكري بقيادة سوار الدهب، وأعجله ليسلم السلطة في عام واحد، في انتخابات عجوله، خططت دوائرها ليكسب الاخوان المسلمون في دوائر الخريجيين، في مواقع بعيدة عن العاصمة. وأصبح السيد الصادق المهدي رئيساً للوزراء، بعد حكومة دكتاتورية، فلم يلق قوانين سبتمبر، التي كانت تلك الحكومة تعذب بها الشعب، ولم يوقف الحرب في الجنوب، وواصل في نفس برامج النظام الدكتاتوري، الذي اسقطه الشعب بثورة شعبية. وحين عقد السيد محمد عثمان الميرغني، اتفاقية سلام مع د. جون قرنق، عام 1988م، فرح بها الشعب السوداني، واستقبل السيد محمد عثمان استقبالاً كبيراً، فرفضها السيد الصادق، وفضل التحالف مع الاخوان المسلمين، الذين لا يريدون وقف الحرب. ولكنهم ما لبثوا ان انقلبوا عليه، ولفظوه كما يفعلون دائماً. وهذا هو السقوط الثالث.

ثم لما جاءت الإنقاذ، إدعى المعارضة، ولحق بالاتحاديين والحركة الشعبية، فيما عرف بالتجمع الوطني الديمقراطي. ولما لم يختاروه رئيساً، انقلب عليهم، وهاجم د. جون قرنق، الذي رد عليه رداً ضافياً. ثم من سعى من خلف التجمع الوطني، ودون اخطارهم لمقابلة البشير في جيبوتي، كما قابل نميري من قبل في بورتسودان، وعقد صفقة تصالح، رجع بموجبها للسودان ولما لم يعطه الاخوان المسلمون ما وعدوه، رجع الى المعارضة. وكان أثناء معارضته، يحصل على الأوسمة من البشير. وهذا هو السقوط الرابع. ولقد كان في ذلك الوقت ضد تسليم الشير الى المحكمة الجنائية الدولية، وقال (البشير جلدنا ما بنجرو بالشوك)!! والآن طلع في القنوات، يطالب بتسليم البشير للمحكمة الجنائية!! فهل كان مخطئاً في موقفه الأول أم الثاني؟! ولماذا لا يعتذر للشعب عن خطئه أي كان؟! أما موقفه الأول فقد كان يتزلف به البشير، لأنه كان في السلطة.. وأما الآن، فإنه يخشى من محاكمة البشير داخلياً، حتى لا يتحدث البشير، عن علاقة الإمام بنظام الإنقاذ، وكيف كان يتلقى منهم أموالاً، ليخذل عنهم المعارضة، كما ذكر ذلك مبارك الفاضل عدة مرات!!

إن السقوط الذي يسير نحوه السيد الصادق المهدي الآن، لن ينهض بعده أبداً، لأنه مؤامرة لإفشال ثورة، بذلت فيها الدماء الطاهرة الزكية، لمصلحة العمالة الرخيصة، لدول أجنبية، على حساب كرامة الوطن وفوق جثث الشهداء، ودموع أمهاتهم. وإن هذه الثورة السودانية تمت بعناية ظاهرة من الله، ثم ببذل الشاب المعتصم الآن أمام القيادة.

ويجب على تجمع المهنيين، أن يقود الثورة، دون تنازل عن ميثاقها، وأن يفتح الباب للأحزاب المتخاذلة لتذهب، فإنها لا فائدة فيها.. كما لابد من إبعاد أي وسيط، وإيقاف أي تفاهم مع المجلس العسكري، حتى يستدعي مرتكبي جريمة نيالا، ويقدمهم للمحاكمة، ويقدم الرئيس المخلوع لمحاكمة على جرائم دارفور، لا قضايا مالية، تخرجه من السجن بالضمان المالي.

د. عمر القراي

‫3 تعليقات

  1. الصادق المهدى حتى الذبن كانوا يحترمونه فقدوا الثقه فيه صراحه ويا خسااااااره انا كنت واحد منهم

زر الذهاب إلى الأعلى