أخبار السودان

التغيير في السودان يمهّد طريق التفاهم بين مصر وإثيوبيا حول سد النهضة

القاهرة ترتب مع أديس أبابا لاستئناف المفاوضات وعقد اجتماع بعد أن تلقت إشارات جيدة من المجلس العسكري الانتقالي في السودان.

عكست بعض التفاهمات الظاهرة بين مصر وإثيوبيا جوانب مهمة في الموقف الإيجابي الصاعد بين البلدين، بما يساهم في تجاوز الجمود الحاصل في مفاوضات سد النهضة. ويبدو أن عزل الرئيس السوداني عمر حسن البشير أزال واحدة من العقبات التي حالت دون التقارب بين القاهرة وأديس أبابا، وقد يساعد غيابه على تمرير شكل جديد للحوار الثنائي أو الثلاثي، لأن البشير تبنى نهجا اعتمد كثيرا على المكايدات السياسية في إدارة ملف المياه المعقد، وتحقيق مكاسب عاجلة، دون تدقيق النظر في التداعيات.

محمود زكي

ارتاحت أوساط سياسية في القاهرة لما عكسته رسالة آبي أحمد، رئيس الحكومة الإثيوبية، التي تسلمها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، بعد أن حوت في مجملها مضمونا متفائلا ويبعث برسائل تشجع على تجاوز الخلافات، ويفتح الباب لإمكانية التفاهم على أساس جملة من القواسم التنموية والسياسية المشتركة.

والتقى الرئيس المصري، مساء الخميس، جيدو اندرجاتشيو، وزير خارجية إثيوبيا، وتسلم منه رسالة من آبي أحمد، تؤكد تطلع بلاده لتفعيل الاتفاقيات الثنائية، والتنسيق والتعاون لتحقيق الاستقرار في المنطقة وأفريقيا.

وكشف الاجتماع، الذي عقده سامح شكري وزير الخارجية المصري مع نظيره الإثيوبي، أن أديس أبابا عازمة على استئناف مسار المفاوضات بشأن سد النهضة، لتنفيذ ما تضمنه إعلان المبادئ للتوصل إلى اتفاق حول قواعد ملء وتشغيل السد، على نحو يراعي بشكل متساو مصالح الدول الثلاث (مصر وإثيوبيا والسودان).

ضخت الزيارة والرسالة مياها في ملف سد النهضة الذي شهد جمودا لا يتناسب مع الزخم الذي صاحب وصول آبي أحمد لرئاسة الحكومة الإثيوبية، وتأثر بالأزمة السياسية الجارية في السودان، بعد عزل البشير الذي كان أحد أسباب الارتباك المصري في التعامل مع الملف، في ظل انحيازه لموقف أديس أبابا، واستقواء الأخيرة بالخرطوم في جلسات التفاوض الثلاثية.

وأكدت مصادر مصرية لـ”العرب” أن القاهرة ترتب مع أديس أبابا لاستئناف المفاوضات قريبا، وعقد اجتماع يضم وزراء الخارجية والمياه ومديري مخابرات في كل من مصر والسودان وإثيوبيا، بعد أن تلقت إشارات جيدة من المجلس العسكري الانتقالي في السودان.

وأضافت أن القاهرة وأديس أبابا تجمعهما علاقات قوية مع الخرطوم حاليا، بما ينعكس على أي مفاوضات لاحقة حول مسألة سد النهضة، ويعزز فكرة التفاهم، ومن مصلحة كل طرف تدعيم هذا الطريق، لأن هناك آفاقا واعدة يمكن أن تجمع الدول الثلاث تقلل من فرص الخلاف.

وقال داويت كيبادي، وهو صحافي إثيوبي مقيم في أديس أبابا، لـ”العرب” عبر الهاتف، إن سياسة بلاده الخارجية تعمل على تحسين العلاقات مع دول الجوار، وهي رؤية يتبناها آبي أحمد منذ تسلمه السلطة بهدف تحقيق استقرار ينعكس على حياة المواطنين الذين يعانون من أزمات اقتصادية، وهو ما يفرض عليه المضي قدما في مشروعه الخاص بتصفير الأزمات الإقليمية، ليتفرغ لإنجاز التوجهات التنموية.

وأوضح “ليس من مصلحة القاهرة أو أديس أبابا أن يزيدا الخلاف بينهما، فالأوضاع الداخلية في إثيوبيا تحتاج إلى كثير من العمل، وتخفيف الضغوط في الملفات الخارجية من المداخل التي تسمح لآبي أحمد بالعمل وفقا لمزيد من الديناميكية، كما أن التهدئة والبحث عن حلول واقعية سمة غالبة في قيادات المنطقة، ما يسهل مهمة التفاهم بين إثيوبيا وغيرها”.

وتلعب أديس أبابا دورا حيويا في الوساطة بين الفرقاء في السودان، ونجحت بمساعدة الاتحاد الأفريقي في تقريب المسافات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير والتوقيع على الإعلان السياسي والشروع في استئناف المفاوضات للانتهاء من إقرار المسودة النهائية حول الإعلان الدستوري، وساهمت أيضا في إزالة الكثير من العراقيل بين الجبهة الثورية السودانية وقوى الحرية والتغيير عبر حوارات جرت في أديس أبابا مؤخرا.

وأشار كيبادي إلى أن السودان “شريك أساسي في عملية إنجاح مفاوضات سد النهضة الصعبة، وستكون الخرطوم قاعدة مهمة للتقارب مع ولادة السودان الجديد الذي يهمه أن يعيش وسط محيط إقليمي مستقر، لأن جزءا كبيرا من أزمته جاء من رحم المشاكل الاقتصادية”.

ويقول متابعون إن الهدوء الظاهر بين الدول الثلاث يساعد على التفاهم، لكنه لا يعني أنه يدفع دولة بعينها إلى تقديم تنازلات كبيرة في ملف المياه عموما، وإذا كانت هناك مؤشرات لتليين مواقف إثيوبيا والسودان في ملف سد النهضة، فإنها مرتبطة بالأنظمة الحاكمة حاليا.

ويطرح المتابعون مخاوف من مغبة حدوث تغيير في قمة الهرم السياسي في أي من الدول الثلاث، فقد تتغير الحسابات وقتها، وبالتالي من الضروري وضع قواعد حاسمة لرسم معالم الطريق خلال الفترة المقبلة بصورة عاجلة، قبل حدوث مفاجآت تؤثر سلبا على أجواء التفاؤل.

ولفت عباس شراقي، رئيس قسم الموارد الطبيعية بمعهد البحوث والدراسات الأفريقية في القاهرة، إلى أن المفاوض المصري يحاول الاستفادة من العلاقات الحسنة مع المجلس العسكري الانتقالي والظروف التي تمر بها الخرطوم كي لا تتكرر المواقف التي ذهب فيها البشير صراحة إلى تأييد الموقف الإثيوبي، ما انعكس على قدرة القاهرة في تمرير وجهة نظرها في جملة من القرارات المرتبطة ببناء السد.

وأضاف شراقي في تصريح لـ”العرب”، أن مصر تسعى إلى خروج المفاوضات من جمودها، الأمر الذي دللت عليه زيارة وزير خارجية إثيوبيا أخيرا للقاهرة، لأن الاجتماعات التي عقدت خلال شهري فبراير ومارس الماضيين لم تأت بجديد، ومصر المتضرر الأول من التأجيلات المتكررة.

ومرجح أن تنصبّ المفاوضات حول كيفية استغلال التقرير الاستدلالي الذي انتهى منه المكتب الفرنسي بشأن سعة ووقت التخزين، ويضاف إلى ذلك اجتماعات سياسية موازية للوصول إلى نقاط اتفاق تساعد في حدوث انفراج في الأزمة التي بدت بعيدة عن الحل لفترة طويلة.

العرب اللندنية

محتوى إعلاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..