مقالات وآراء

الأسباب الكامنة خلف الإتفاق الدستوري بين قُوىٰ الحرية والتغيير والمجلس العسكري

بقلم: علي مالك عثمان

الإتفاق الأخير بين قوى الحرية والتغيير “قحت” والمجلس العسكري حول الإعلان الدستوري، والذي سيحكم إدارة المرحلة الإنتقالية، والمتوقع التوقيع عليه خلال الساعات المقبلة، هو بحق وحقيقة حدث مفصلي، يدشن بداية مرحلة جديدة في تاريخ السودان، ويُرسي دعائم الدولة المدنية الديمقراطية، ويقطع الصلات مع نظام القهر والقمع والفساد الذي جثم على صدر البلاد طوال ال٣٠ سنة الماضية. لذا وجب على الجميع الإحتفال والبهجة الفرح وتبادل التهاني والتبريكات..

لكنني أعتقد أن هناك عوامل موضوعية متداخلة، تجمَّعت بفضل المولى عز وجل، ودون ترتيبات بشر، أدت للوصول لتوقيع هذا الإتفاق، ليس من بينها وطنية المتفاوضين/المتصارعين أو حنكة ومثابرة الوسيط الأفريقي – الأثيوبي، وإنما وصول الصراع بين القوى المتفاوضة/المتصارعة لمرحلة من التوازن بينهما، أقنعت الطرفين بإستحالة إلغاء الآخر وشطبه الكامل عن خارطة المشهد، وحاجة كلٌ منهما للآخر لإدارة الفترة المقبلة، مما حتَّم جلوسهما سويةً على طاولة التفاوض، ليخرج علينا بعدها هذا الإتفاق. هذا التوازن في ميزان القوة بين قحت والمجلس جاء نتيجة عوامل عدة، يمكن رصدها في التالي:

– فشل كل السياسات التي إتبعها المجلس العسكري لإجهاض الثورة، وإخراج قحت من ساحة الفعل السياسي، والتي بدأت بمجزرة فض الاعتصام، ثم محاولة إنتهاج مسار سياسي مختلف يُفْضِي لقيام إنتخابات متعجلة وتشكيل حكومة مصطنعة، مروراً بخلق كيانات مدنية موازية لقحت من أحزاب وشخصيات سياسية كانت متحالفة مع النظام البائد حتى لحظة سقوطه، وإنتهاءاً بصناعة حشود وهمية من إدارات أهلية ونسوية وفئوية ورجال دين لم تؤدِّ غرضها في خلق قاعدة شعبية، لتأتي مليونيات الشعب السوداني – خصوصاً مليونية ٣٠ يونيو – بعد ذلك وتنسف كل ما شَيَّده المجلس من بناء.

– فشل قحت في نزع السلطة كاملة من المجلس العسكري، وذلك للضعف الشديد الذي أصاب القوات المسلحة، وجعلها غير قادرة على الإنحياز الكامل لمطالب الثوار، مما جعل قوات الدعم السريع تُمسِك بكل مفاصل البلد الحيوية، قاطعةً الطريق على أيَّ إنقلاب يقوم به شرفاء القوات المسلحة من الرتب الوسيطة والصغرى. أيضاً تمسُّك قحت الكامل بسلمية الثورة أفقدها أي وسيلة مسلحة تنزع بها السلطة من المجلس، لأن المظاهرات وحدها، مهما بلغ حجمها واشتد زخمها، عاجزة عن ذلك النزع.

– إنسحاب الحزب الشيوعي عن قحت، وإبعاد نفسه عن طاولة التفاوض، أدَّى في إعتقادي لتقليل نسبة الخوف والتوجس التي كانت تنتاب المجلس العسكري تجاه قحت، مما سرَّع في وتيرة التفاهمات. كما أن الحزب الشيوعي كانت مطالبه داخل أروقة التفاوض ذات سقفٍ مرتفع، ولا يمكن تحقيقها في ظل توازن القوى الذي ذكرناه آنفاً.

– فشل الدول الإقليمية الداعمة للمجلس العسكري في تسويق شخصية حميدتي للولايات المتحدة الأمريكية، مما جعلها تنأى بنفسها عنه، وتنصحه بالجدية في التفاوض، وتحصيل بعض المكاسب عن طريق السياسة.

– موجة الكُرْه العاتية التي إنتابت الشعب السوداني تجاه قوات الدعم السريع بعد إرتكابها لعدة مجازر، وشيطنتها من قِبَل مليشيا الكيزان الإلكترونية، جعلت قائدها حميدتي يُدرك ضآلة حظوظه في مستقبل المشهد السياسي للبلد حال وقوفه حجر عثرة أمام تطلعات الشعب السوداني، مما اضطره لتقديم التنازلات لتحسين مكاسبه بواسطة السياسة بدلاً عن قوة السلاح وحدها.

– وصول “الجنرال؟!” حميدتي وقادة المجلس العسكري لقناعة راسخة بأن أعدائهم الحقيقيين في المشهد السياسي السوداني هم الكيزان وبقايا فلول النظام البائد، وليس قوى الثورة، وأدركوا ذلك من خلال حملات شيطنة الأول، وتكرر الانقلابات العسكرية ضد الثاني، مما حتَّم عليهم حسم خياراتهم، والتحلي بالمرونة في طاولة التفاوض، الشيء الذي سرَّع بتوقيع الاتفاق.

– عدم حماسة الدول الإقليمية للتدخل الكثيف في الشأن السوداني، على تلك الشاكلة القوية التي تدخلت بها في سوريا وليبيا واليمن، وذلك ليس بسبب عدم أهمية السودان لها، أو خوفها عليه، وإنما للفشل في تحقيق أهدافها السياسية في تلك الدول والكلفة المادية الباهظة التي تكبدتها. كما أن الثورة السودانية أكبر ما يميزها أنها إندلعت ضد “الإسلاميين”، مما فرض على المحور القطري/التركي الإنكفاء، الشيء الذي أدى لإنكفاءة مماثلة في المحور المقابل، فحفظ الله بذلك التدبير الرباني السودان وأهله.

تلك هي الأسباب – في ظني – التي عجَّلت بتوقيع الاتفاق. لكن التحدِّي في تحقيق أهداف الثورة، وبناء بلد عانىٰ طويلاً من ويلات الصراعات السياسية والحروب، يظل قائماً، ليبقى الأمل في هذا الجيل “الراكب راس” من شباب الثورة، والذي يملك درجة وعي إستثنائية، لتحقيق ماعجزت عن تحقيقه أجيال أكتوبر ١٩٦٤م وأبريل ١٩٨٥م.. والسلام.

 

علي مالك عثمان

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..