مقالات وآراء

لماذا لا يدين العرب المجازر في السودان ؟!

مهما قتل الحاكم العربي واعتقل وعذب معارضيه سوف يجد من العرب من يدافع عنه. وأنه لازال ملايين العرب يدافعون عن عبد الناصر والقذافي وصدام حسين وبشار الأسد والسيسي .. كما سخّر أكثر من تسة وتسعون ماحم سواني أنفسهم للدفاع عن البشير المجرم القاتل كما يطالبون بعدم تسليمه للعدالة الدولية .. السبب في ذلك أن مفاهيم الاستقلال ورفض الاحتلال الأجنبي أقوى في الذهن العربي بكثير من مفاهيم حقوق الانسان والمواطنة. كيف ذلك ؟ مثلاً تجد ان العرب جميعا ينتفضون غضبا ـ عن حق ـ وينظمون المسيرات تنديدا بجرائم الجيش الاسرائيلي في قتله عدد من الفلسطينيين لكن الجرائم والإنتهاكات التى يرتكبها الحكام العرب في حق شعوبهم مهما كان عدد الضحايا تلقى استنكارا عربيا أقل بكثير من انتهاكات الجيوش الأجنبية

ولو حدث لك ما يحدث لكثير من الذي يحدث للشعب السوداني من قتل للأبناء أو اغتصاب او تعذيب أو إخفاء أو إذلال او تهجير وطلب منك صحفي أجنبي نشر قضيتك للرأي العام إن وافقت ستجد من يصفك بأنك عميل وأنك تتعامل مع إستخبارات اجنبية وهذا يعتبر خيانة وطنية وتشتغل الماكينة الإعلامية المضللة المروجة للإستبداد إذ إن كل ما يقوم به الرئيس من انتهاكات وقتل ,وتهجير تعتبر مشاكل داخلية ولا يجوز مناقشتها خارج الوطن
إذاً تعريف المواطن الوطني في نظر العرب هو الشخص الذي يتم سحق آدميته في بلاده لكنه يرفض الحديث عن مأساته مع الأجانب .. هناك خلط عجيب بين حب الوطن والولاء للزعيم.

العرب بدلا من أن يطالبوا بمحاكمة المسؤول عن مرتكب الجريمة في حق شعبه يعلنون تضامنهم مع الزعيم ويحاولون تلميع صورته للعالم حتى يفلت من المحاكمة. لأنهم يعتبرون الدولة تتجسد في شخص الرئيس ولا يجوز في اعتقادهم محاسبة أي رئيس أبدا مهما فعل رئيس الدولة لأنهم متواءمين مع الإستبداد وعندهم تشوش في الاذهان بمشاعر وطنية في غير محلها.

التفسير العقيم للوطنية تتجلى الآن بوضوح في ردود الفعل العربية الرسمية والشعبية على جريمة القتل التي تعرض لها الشعب السوداني منذ عقود في دارفور وغيرها وحتى اليوم من قتل عشوائي فلم تخرج مظاهرة واحدة في اي عاصمة عربية تندد بهذه الجرائم ولم تجد حظها في وسائل الإعلام بقدر حجم الجريمة ولم تتحرك الجامعة العربية للتنديد بها وعندما تحركت الجامعة تحركت لسبب مختلف تماماً وهو التنديد بتسليم البشير للعدالة الدولية لأنهم يعتبرون السودان يتجسد في شخص الرئيس ولا يجوز محاسبته مهما فعل .

هذا التفكير العقيم للوطنية وعدم الدفاع عن المظلومين لن تجده أبدا في الدول الديمقراطية، فالناس هناك يحبون أوطانهم مثلنا لكنهم يؤمنون ان الوطنية يجب أن تكون في حدود العدل والحق، وهم لا يعتبرون الحاكم رمز الوطن وانما مجرد موظف عام. انهم يؤمنون ان الوطنية تستوجب فضح جرائم السلطة ومحاكمة مرتكبيها. ان الذين فضحوا جرائم الجيش الأمريكي في معتقل أبوغريب في العراق كانوا صحفيين أمريكيين ولم يتهمهم أحد بالعمالة لدولة اجنبية بل نالوا تقديرا واسعا من الأميريكيين لشجاعتهم ودفاعهم عن الحق. وكذلك الذين فضحوا كذب رئيس الوزراء البريطاني توني بلير في حرب العراق كانوا صحفيين بريطانيين

إن الدفاع عن جرائم الديكتاتور لا يجعلنا وطنيين أبدا وانما يجعلنا شركاء في الجريمة. أن التزامنا الأخلاقي نحو الآخرين والدافع عن المظلومين وملاحقة كل من يرتكب جريمة مهما كان منصبه…هو فقط ما يجعلنا جديرين بالانسانية

ياسر عبد الكريم
[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى