مقالات سياسية

د. صديق تاور كافي وتحدي القضية

بسم الله الرحمن الرحيم

حملت الأسافير البشرى لأبناء جبال النوبة باختيار ابنهم د. صديق تاور كافي عضواً بمجلس السيادة ليصبح هو من حقق الحلم الذي طالما داعب آمال النوبة بحياء عذراء ممتنعة النوال، فهو أول نوباوي يتوهط هذا المقعد منذ اندثار مجدهم وازورار عهدهم، إذن هي مفاجأة سارة وفأل حسن يفتتحون به هذا العهد يُغري بحلحلة متبقي قضاياهم، ويُمنِّي بنيل باقي مطالبهم
والدكتور صديق تاور كافي عالم في الفيزياء معروف في دوائرها الأكاديمية وله إسهام علمي في مجاله وهذا مفهوم، لكن لم تقف إسهاماته العلمية في تخصصه العلمي بل امتدت بحوثه في المجالات الحقوقية والبيئية وقضايا الحرب والسلام التي يكتوي منها أهله، وهو ناشط سياسي وكاتب صحفي متضلع، وبذا يكون قد أوفى شرط الكفاءة المطلوب بل أفاض عليه، لكن لم تعتقله كل تلك النشاطات عن أهله وقضاياهم، دأب كثير من أبناء النوبة الذين حازوا علما أنساهم قومهم، بل للدكتور إسهام بارز في قضية جبال النوبة، فقد كتب فيها عشرات المقالات ورقى منابرها ونقد وقوَّم اتفاقياتها ووضع رأيه ولا زلت أذكر أنه صدر لي وله مقالان في يوم واحد وصفحة واحدة عن المشورة الشعبية في صحيفة أجراس الحرية كلانا يتناقدها حسب وجهة نظره. وكانت له صولات مشهورة ومواقف جريئة ضد استخدام مادة السيانيد في التعدين في جبال النوبة، فوقف خصماً عنيدا ضد استخدامها وأحدث توعية بمخاطرها، فلا يتزيد عليه أحد.
لكن من غرائب الأقدار أن يحقق حلم النوبة بارتياد الرئاسة حزب هم زاهدون في عضويته قليلون في باحته، بل ربما سخر بعضهم من وجود بعض أبناء جلدتهم فيه، فتأبى الأقدار إلا أن يكون  تحقق منيتهم على يده، فعل لهم ذلك في ضيف من الفرص بائن، لكنه محضها أياهم، هذا موقف سيجعل كثيرون يراجعون مواقفهم من البعث، فرغم أنه كان للبعث وجود معتبر في جنوب كردفان في الثمانينات فلا زلت أذكر أنه قضى من أهلنا نفر في العراق يجالدون عنها في حربها مع إيران تطوعاً، ولربما لحضور شخصية الرئيس الراحل صدام حسين وجاذبيته أثر في لفت الناس إلى نهجه الذي كان مثار إعجاب، كما كان للبعث فضل في ابتعاث كثير من الطلاب ليتحصلوا العلم في العراق، ضف إلى ذلك الجسارة الملهمة التي كان تمتاز بها عضوية البعث في نضالاتهم السياسية، ولنهجهم التقدمي الذي يتبعونه، لكل ذلك علت مفاهيم القومية العربية آنذاك وانساقت أعداد من الشباب إلى حواضنها السياسية، ولعل سقوط البعث في العراق وتساوق ذلك مع بروز الحركات القومية النوبية ومناهجها في تحليل الصراع فشحص العنصر الثقافي كعنصر محوري يقف وراء قضية جبال النوبة لعل هذه الأسباب حدت من وجود البعث بين أبناء النوبة ومن ثم التراجع والضمور.
ورغم إيماني بعلو العنصر الثقافي في الصراع إلا أن الأمانة تقتضي أن أصرح بأن ما يحشده بعضهم من كتب التراث العربي كشواهد على تحامل وإرزاء الثقافة العربية ضد الإفريقية شواهد مضللة، فرغم احتشادها في كتب التراث إلا أنها لا تقف على ساق حاليا، فهو استلال من غيبة التاريخ وإظهار في جلاء الحاضر لتأييد الحجة دون تبصر، فقد عفى على تلك المواقف الزمن، وما قد يكون متبقياً من رشحها هو بمثابة أطلال لا تحبس زمهريراً ولا تقي صيباً،  والشيء الثاني أن عروبة البعث كما نظرناها في كتبهم ليست عروبة عرقية وإنما هي عروبة لسان قد اجتالتنا جميعاً، هذا على المستوى العام أما على مستوى السودان فالقضية أوضح، فقد دلت دراسات الجينات ندرة العروبة كعنصر وتوافرها كلسان، وحتى ذالك اللسان فقد تهجن باللسان السوداني القديم مفردةً ونحواً لذا صعُب على العربي من غير السودان إكتناه كلامنا، وتطورت دلالات المفردات لتتسق مع السياق والسمت السوداني، ثم اعتقلت الثقافة السودانية الثقافة العربية فسودنتها من كل جانب فنتج هذا المشاهد والمسموع الذي نعيشه، فرغم إيماني أن اللغة ليست وسيطاً ساذجاً وإنما هي طاقة وطرائق تفكير لكن أي لغة تلك، هل هي التي خلفها أهلها في صحارى تاريخ الجزيرة العربية وتستل شواهد إزرائها بالآخر من كتب تراثها المنتفي حالياً، أو هذه المعتورة بكل إفريقي، النابضة بإيقاعه وطبوله، المتشحة بخضرته وسواده، إذن ليس الأمر بذلك التهويل، لكن كل هذا لا يدعنا نستنيم فقد تتلصص بعض الشواهد المزعجة هنا وهناك فعلينا أن نتصيدها ونعمل على أقلمتها وسودنتها، أو تحييدها وترقيتها، وهذا هم عام، لكن يجب أن يحمل كِبرَه حزب البعث ليوطئ لنفسه مواطناً في المرابع الإفريقة السودانية، وليدحض غوائل هجمات الآخر على فلسفته التي يطرحها دون ضرار للثقافتين، حيث إنه أن سارت الأمور دون تغيير فالمجال الحيوي للعربية يتسع مقابل تراجع للألسنة الإفريقية باضطراد، وما نقوم به من إحياء لها لا يبعثها كما الأصل وإنما هو حفظٌ لرمزيتها، وبكاءٌ على أطلالها أكثر منه إعادة لحيويتها الماضية، إذن لماذا لا نعمل على الزج بما تبقى من ثقافاتنا في بحر الثقافة العربية السودانية الهجين المتزايد، فيكون لنا منها نصيب كما حدث في أول التقاء للثقافتين فأنتج هذا المزيج السوداني الهجين، فبدلا من أن تزوى ثقافتنا، أو نعمل على الحفاظ عليها فقط في مجالها الحيوي دعونا نتقدم خطوة فنقذف بما تبقى وصلح منها في بحر الثقافة العربية السودانية الهجين الحاضرة بقد ما نستطيع، فيقول المستقبل هذه أصلها نوباوي.
لقد رأيت بعضاً من أهلنا ينعي على وجود د. صديق تاور في حزب أيدلوجيته عربية، أقول إننا كبشر لا يمكننا أن نتفق على أيدلوجيا البتة لكن دعونا نتفق على قضيتنا وليعمل كلٌ على شاكلته في ماعونه السياسي لأجل قضية قومه من خلال القضية السودانية الكلية التي يجب أن تعنينا أيضاً، وفي هذا خير وهو حمل قضيتنا ونشرها في كافة المواعين السياسية السودانية، فبدلا من أن تحملها لوحدك في ماعونك المحلي دعهم يحملونها معك فتضمن لها الانتشار فالمعالجة، فأنت لا تستطيع أن ترغم الآخرين على حلحلة قضاياك وأنت تنطلق من ماعون سياسي محلي خاص بك، ولعل د. تاور كان يتقرأ المستقبل حينما اختار حزبه فقد قدم البعث للنوبة خدمة جليلة سيظلون يحفظونها له، ومن هنا وبهذا المنطق أرى في انتشار النوبة في الأحزاب القومية تقوية للقضية لا اضعاف لها.
وأخيرا أدعوا حزب البعث إلى مواصلة نقاشه لقضية جبال النوبة والآن سيجد النوبة أكثر إصاخة لمبدأ الحوار بعد أن أسلف لهم يداً، التحية للدكتور صديق تاور والتهنئة لما هو أهله، والطريق أمامه صار أكثر تعبيدا لإكمال مشواره في قضايا أهله التي كان قد بدأها، ولنبشر بحلحلة ما تبقى بوجوده.

د. قاسم نسيم حماد حربة

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..