مقالات سياسية

النزاعات القبلية

أما لليل هذا الاقتتال القبلي الذي ظل دائراً في بعض أنحاء بلادنا، فلا يخمد في منطقة الا ليندلع في أخرى، أما له من نهاية، وإلى متى يستمر الأهل يقاتلون بعضهم بعضاً ويلغون في دماء بعضهم بعضاً، فتروح جراء هذا العبث أنفسا عزيزة هدراً ولأتفه الأسباب، ألا يوجد بينهم أهل حكمة ورشاد يسترشد بهم، أم تراهم جميعاً مثل آل غزية اذا غوت قبيلتهم غووا كلهم، ألا يستحون ويخجلون من حالهم هذا حين يتأملون حال قبائل أخرى لم يحدث قط أن احتربت فيما بينها، فلماذا هم وحدهم من بين قبائل السودان الأخرى من يخوضون تلك النزاعات المهلكة، ماهي هذه الاختلافات الخطيرة جداً والعصية على أي حل التي تبيح لهم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، هذا والله حال مؤسف وتعيس وبئيس لا مبرر له على الاطلاق.

صحيح يمكن أن تقع اختلافات ويمكن أن تتقاطع مصالح ويمكن أن تحدث مظالم، ولكن كل هذا لا يبرر وقوع تلك النزاعات الدامية مهما كان حجم الاختلاف والمظالم، فمثلها وربما أسوأ وأخطر منها يمكن أن يقع بين قبائل أخرى وفي مناطق أخرى من السودان، ولكنهم لا يخوضون من أجلها الحروب المميتة وانما يستعينون على حلها بالصبر والحكمة والحوار، أما عند بعض أهلنا فالأمر غير، إذ لا يطل صباح ولا تغرب شمس دون نزاع كارثي وقتالٍ دامٍ حتى أدمنت بلادنا تلك الصراعات العبثية بنتائجها المدمرة وينتشر الهلع ويعم الحزن، ودورة القتال ما تزال دائرة، وكأنها دوري منافسات مثل دوري كرة القدم الذي تتنافس فيه الفرق الرياضية، اليوم القبيلة الفلانية ضد القبيلة العلانية، وغداً مباراة أخرى حامية الوطيس بين قبيلتين أخرتين، وهكذا دواليك تستمر طاحونة العنف والموت بهذا الأسلوب العبثي بين القبائل فيما بينها، بل وهناك قتال بيني داخلي يدور بين خشوم بيوت القبيلة نفسها..

ومما يزيد الأسى والأسف على هذا الحال، هو ضلوع بعض أبناء تلك القبائل المتعلمين والمثقفين والسياسيين ممن لم يراعوا في أهلهم ووطنهم إلاً ولا ذمة، فينخرطون في الصراع ويزيدون ناره حطباً من أجل عرض دنيوي رخيص وزائل، كما أن ذمة السلطات ليست بريئة تماماً مما يجري، على الأقل لجهة تباطؤها وتقصيرها في أداء واجبها في منع وقوع هذه التفلتات قبل أن تتطور إلى نزاع دموي، فكل تلك النزاعات ما كان لها أن تفضي لما أحدثته من موت ودمار لو أن السلطات سارعت للاضطلاع بمهمتها في هذا الخصوص ولم تتركها للقبائل لتأخذ ما تراه حقاً لها بيدها وبقوة السلاح وليس العرف والقانون، فغالباً ما تنشأ تلك القضايا صغيرة وبسيطة وفي متناول الحل، ولكن التغاضي عنها سهواً أو عمداً هو ما يضخمها لحد الانفجار، فهل نعتبر جميعنا سلطات مركزية وولائية ومحلية ونخب سياسية وقيادات أهلية بعد كل هذه العبر، وتكون أحداث بورتسودان آخر الأحزان، أم أن طاحونة القتل والدمار ستستمر الى ما لا نهاية..

الجريدة

محتوى إعلاني

تعليق واحد

  1. تحية طيبة
    مقال جميل ولكن هو مثل كثير من مقالات الكتاب والمفكرين التي كتب ولم نرى لها ممارسة علي أرض الواقع للأسف وكأنها مثالية وبدون مبررات منطقة للأسف وهنا نعيب أغلب الكتاب والمفكرين السودانيين علي تغاضيهم من أهمية التوعية .
    اما المتعلميين الذين يكيلون في الفتن أو بالأحرى هم يستثمرون من دماء أهاليهم ، ما يجعلنا نطرح سؤال : لماذا يفعلون هكذا (المتعلمين ) ؟ أي أبعد من لعبة المصالح المادية هذه!
    كامل تقديرى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..