مقالات وآراء

بورسودان.. قضية الهامش!!

ان الدولة العميقة لن تألو جهدا في ضرب الثورة فمنذ انطلاقها في ديسمبر وهي تحاول بكل ما أوتيت من قوة لايقافها ، فكما مرت الثورة بعدة مراحل وتشكلت حسب ضروراتها الى ان وصلت الى نقطة الاتفاق الاخير كذلك اتخذت مقاومتها عدة اشكال تفاوتت ما بين السئ والقبيح والاشد قبحا . والان ونحن على مشارف دولتنا المدنية لن يهنأ هؤلاء المجرمون بما حققه هذا الشعب وسيعملون بكل ما أوتو لعرقلته.

الشرق عموما ليس لديه خصوصية قبلية خلاف اقاليم السودان المختلفة والدواعي القبلية وان وجدت القبيلة  بتكويناتها الهرمية تكاد تكون معدومة تماما فليس هناك من يستدعيها لاحقاق حق أو للتمايز عن الغير، فالمجتمع الشرقي مجتمع مدني اسوة بقرناءه في جميع اقاليم السودان، وقضايا الشرق كجميع قضايا الهامش والتهميش باسقاطاته السالبة والمدمرة يبقى اشكال التعايش  فيه محفزا ومحفوفا بكثير من التوترات التي غالبا ما تكون متأرجحة بين صراع الموارد او قلة الفرص المتاحة  على المستويات المعيشية او الوظيفية او الخدمية.

مجتمع بورسودان كواحد من مجتمعات الاقليم الشرقي  يعاني تكتل غير منطقي في ما يخص الموارد والفرص المتاحة للعمل فاعتماد المدينة على الميناء في المقام الاول صنع تحديات كبيرة في احتواء كتل عمالية  كبيرة صارت تتنافس في مابينها للسيطرة على الميناء وموارده المحدودة فكان من الطبيعي ان يخلق هذا التدافع نوع من التكتلات  فالمكونات العمالية التي توافدت من بعض مناطق السودان والتي عادة ما تتحرك  في شكل كتل بشرية من منطقة واحدة تكون عادة ذات علائق اثنية مترابطة او متداخلة ، وشئ طبيعي ان تواجه هذه الكتل الوافدة من خارج الاقليم بتحديات الاندماج مع ابناء المنطقة الذين يشاركونهم بيئة العمل مما يخلق نوع من التدافع الحميد من اجل لقمة العيش ينتهي بتشكيلات اثنية داخل بيئة العمل  الواحدة بحثا عن الامان الوظيفي الذي يضمن لها الاستمرارية.

ولأن الميناء هو روح ونبض بورسودان فمن الطبيعي ان تنسحب قيمه المفاهيمية على بعض مناطق المدينة وخصوصا هامشها حيث التكتلات العمالية ،  ورويدا رويدا صار مجتمع المدينة المدني بطبيعة حاله يتشكل وفق هذه الكتل العمالية فالمقاهي التي تجمع الناس تجمعهم بهمومهم ومشتركاتهم اليومية او هكذا يتقاسمون قهوتهم بتفاصيل نهارهم ودردشاتهم المختلفة .وعليه اصبح يتشكل ليل بورسودان بما يشبه نهار الميناء . وانسحب هذا الامر حتى على الاسواق والمحال التجارية وبعض قطاعات العمل خارج الميناء.

لا نريد ان نقول ان مجمتع بورسودان صار مجتمعا عنصريا بالمعنى الحرفي وليس هناك أي استعلاء عرقي او تمايز بحسب اللون او الشكل ولكن يبقى السلام المجتمعي شئنا أو ابينا رهينا للتدافع الذي انتجه التنافس المعيشي فالهامش عموما يعاني من هشاشة تماسكه نتيجة هذا التدافع وما قضايا دارفور التي اشعل اوراها الكيزان الا نتاج هذا التدافع بين القبائل الرعوية والمزارعين فاذا نظرنا لشأن هؤلاء لن تجد ممارسات عنصرية بحسب اللون او الشكل ولكنه صراع الارض والكلاء الذي استفادت منه الانقاذ سياسيا وانتجت منه حربا تقاتل فيه الاخوان.

للدولة العميقة مصالح اقتصادية لن تتخلى عنها بهذه السهولة فلديها مفاهمات اقليمية  مع بعض المحاور التي تريد ان تسيطر على حوض البحر الاحمر وموانيه المهمة هذه التفاهمات والتي هي عبارة عن بيع بخس لمكتسبات الوطن تعتبر واحدة من اسباب قيام هذه الثورة لهذا فهي مرعوبة تماما من تكوين الحكومة المدنية التي ستعمل بكل جهد لإيقاف هذا العبث.

جهاز الامن الكيزاني الذي نادينا كثيرا بحله والذي نرفض دمجه تماما به شعبة تسمى أمن القبائل مهمتها زرع الفتن وخلق البلبلة بين المكونات الاثنية في المنطقة الواحدة   وهم واعون تماما لهذا البعد الذي نتكلم عنه والذي سينتقدنا فيه بعض الرومانسيون ويعرفون جميع الاحتقانات الموجودة في المنطقة فصراع اخوتنا النوبة والبني عامر صراع قديم اسبابه ليست عنصرية ولكنه بشكل ما اتخذ الطابع العنصري وهذا وتر حساس تجيد الدولة العميقة العزف عليه جيدا .وبما ان جذر المشكلة ليس عنصريا فهذا شئ حميد يمكن العمل عليه وتلافيه في مقبل الايام ، فهناك مشتركات اخلاقية عظيمة بين القبيلتين نعرفها نحن من عشنها معهم فهم ناس اهل طيب وكرم وتاريخ عتيد ضارب في القدم.

البوستات والمناشير التي يتهم فيها كل طرف اخاه بأنه مسلح من الدولة اباطيل يروج لها جهاز الظل . لهذا على اخوتنا في القبيلتين ضرورة ضبط النفس وتفويت مثل هذه المؤامرات الكيزانية الخبيثة والتحلي بالصبر والحكمة فالتنادي بالقصاص  لقتلى هذا الصراع في هذه الايام ليس أولوية بل الاولوية ايقافه وبسط السلام وإبداء رغبة حقيقية للتعايش السلمي في ما بينهم.

وليعلم الجميع ان السودان الجديد الذي بدأ يتعافي من ادران العهد البائد يحتاج لجميع بنيه ، وحدتهم ووعيهم ، للخروج من براثن الفقر والعوز والفاقة التي القت بظلالها القاتمة على تعايشنا السلمي . ليعود تدافعنا حميدا من اجل لقمة عيشنا لا تشوبه شائبة العنصرية البغيضة، ولعله  لخير فالله سبحانه وتعالي يقول ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض)

حيدر الشيخ هلال
[email protected]
الدوحة – 27/8/2019

‫2 تعليقات

  1. كلام في الصميم ليته يصل لمسامع المتعقلين من الطرفين و يعملوا علي حقن الدماء و التوقف فورا عن القتل و الحرق و التدمير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق