مقالات سياسية

مآخذ و ملاحظات على الوثيقة الدستورية 

حسين ابراهيم علي جادين

بادئ ذي بدء ومن نافلة القول لا بد أن أتوجه بالشكر للزملاء في اللجنة القانونية على ما بذلوه من جهود مضنية في اعداد وانجاز الوثيقة الدستورية على الرغم مما وقع فيها من أخطاء حيث نجد لهم العذر  في أن اعدادهم لهذا العمل الجبار تم في أجواء مفعمة بمشاعر وطنية ملتهبة وطموح تواق لوضع أسس صحيحة لسودان جديد يسود فيه شعار الثورة ( حرية، سلام وعدالة)، مما جعلهم في عجلة من أمرهم لإدراك وانقاذ ما فات من مماطلات تسبب فيها من يتفاوضون معهم.
وفيما يلي أذكر الأخطاء التي وردت بالوثيقة الدستورية:
•       أولاً التسمية  حملت الوثيقة الدستورية اسم “مشروع الوثيقة الدستورية” وذلك كان بعد التوقيع عليها، وهذا خطأ إجرائي فادح،  فكلمة مشروع في اصطلاح لغة التشريع تعني عملا قانونياً تحضيريا يتم تقديمه بغرض القراءة والمراجعة والتعديل بالحذف أو الإضافة ان كان لذلك مقتضى، فبعد أن تمت الموافقة عليها بالتوقيع ينبغي أن يسقط عنها وصف مشروع  حيث أصبحت تشريعاً ملزماً، وذلك حتى لو كان التوقيع بالأحرف الأولى لأن التوقيع بالأحرف الأولى يتم عادة في المعاهدات الدولية وفقا لنص المادة 12 من اتفاقية لقانون المعاهدات لعام 1969 حيث لم يرد النص بصيغة مشروع معاهدة وهو ما يعني اما ان تقبل شاملة واما ترفض شاملة أو يجوز التحفظ على بعض ما ورد فيها من مواد حيث لا يجوز ادخال اي تعديل عليها من طرف واحد وهي متعددة الأطراف وذلك حتى بعد التوقيع عليها بالأحرف الأولى لذلك تكون التسمية الصحيحة هي ” الوثيقة الدستورية”. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإنه يجب أن ترد  تحت مسمى “دستور السودان الانتقالي لسنة 2019 ” وذلك لأن هذه الوثيقة تكاملت فيها إجمالاً خصائص الدستور الانتقالي.
فوصف الوثيقة بانها مشروع قد يفتح الباب للطعن فيها  لأصاحب الأغراض والأهواء باعتبارها إعلان مبادئ declaration of principles” “ أو عمل غير مكتمل في محاولة للنيل من قيمتها وآثارها الدستورية الملزمة.
•       ثانياً سلطة المصادقة على أحكام الإعدام أنيطت بمجلس السيادة، وقد وردت في الفقرة الفرعية(ل) من الفقرة (1) من المادة (11)،  مما يعد تغولاً على السلطة القضائية من قبل السلطة السيادية وهي بلا شك سلطة تنفيذية إذ أن الاصل هو إعمال مبدأ فصل السلطات المعروف في الفقه الدستوري
“The doctrine of separation of powers” ، مما يعد تغولاً و تدخلاً سافراً
من مجلس السيادة في أعمال السلطة القضائية ، كما أن الأصل في أحكام المحاكم أنها متى ما صارت نهائية فهي واجبة النفاذ ولا يتوقف تنفيذها على أي جهة أياً كانت سيادية أو تنفيذية، لذا كان الواجب أن تتم إضافة عبارة ” وفقاً للقانون” في آخر الفقرة المشار اليها للاحتياط عن طريق تدخل القوانين بعد ذلك بإيراد النص على الأحوال التي يصادق فيها مجلس السيادة على أحكام الاعدام التي عادةً ما تصدر في الجرائم التي تمس الحق العام كتقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة والخيانة العظمى وغير ذلك من الجنايات التي يغلب فيها الحق العام التي لا تمس مباشرةً الحقوق الخاصة بالأفراد. فعلى سبيل المثال في جرائم القتل العمد التي تصدر فيها أحكام نهائية بالإعدام لماذا نضع الحق الخاص لأولياء الدم في المطالبة بالقصاص وتنفيذ حكم الاعدام في يد مجلس السيادة ليمارسه دون ضابط؟ وما الضمان في ألا يمارس مجلس السيادة هذه السلطة بطريقة انتقائية مما يخول له الحق في المصادقة على بعض الأحكام ورفض المصادقة على البعض الآخر؟ وما الأثر القانوني المترتب على رفضه في هذه الحالة؟ حيث لم يرد نص في الوثيقة يحسم هذه الفرضية.
•       لم تتضمن الوثيقة نصاً بشأن كيفية وآلية تعديلها ومع أنه يجوز في الفقه الدستور أن يقصد واضعو الدستور أن يكون جامداً جموداً مطلقاً “Rigid constitution” إلا أن الحكمة والظرف السياسي والمنعطف التاريخي الذي يمر به السودان يقتضي النص على كيفية تعديل هذه الوثيقة الدستورية حتى تكون مرنة “ flexible” لتستوعب ما يطرأ من مستجدات وظروف خاصةً إذا ما وضعنا في الاعتبار أن الفترة الانتقالية تمتد إلى ما يربو على ثلاث سنوات وقد يطول أمد وضع دستور دائم وما يتبع ذلك من إجراءات مطولة قبل إجازته النهائية حيث تكون هذه الوثيقة نافذة طوال هذه الفترة.
•       الأخطاء اللغوية:
يقول القاضي الانجليزي اللورد ديننج:
“To succeed in the profession of law you must seek to cultivate command of language, words are the lawyer’s tool of trade”
وإن صحت الترجمة فإن عبارة القاضي الإنجليزي  تعني  إنه لكي ينجح الشخص في مهنة القانون يجب أن يبحث عن كيفية التمكن من اللغة لأن الكلمات هي أدوات مهنة القانوني ،  وهذا القول صحيح فأدوات مهنة القانوني هي اللغة.
ولا شك أن كثيراً من المواد في هذه الوثيقة قد أحكمت صياغتها، إلا أن بعضها جاء مسترسلاً مفصلاً بصورة قد لا تتناسب مع الصياغة الدستورية التي عادة ما تنص على المبادئ العامة تاركة التفاصيل للقوانين واللوائح وغيرها من الأدوات التشريعية الأخرى.

و مما ينبغي ملاحظته كذلك  أن  عنوان المادة (3) في الفصل الأول  ورد باسم طبيعة الدولة بدلاً عن شكل الدولة حيث أن عبارة طبيعة الدولة عبارة غير مألوفة في لغة التشريع.
ومن بين الأخطاء اللغوية على سبيل المثال ما ورد في الفقرة 2 من المادة 10 من الوثيقة كعبارة ” يُشكل مجلس السيادة من أحد عشرة عضواً” وهذا خطأ في قواعد اللغة العربية والصحيح هو أن يكون النص ” يُشكل مجلس السيادة من أحد عشر عضوا” وليس أحد عشرة، وكذلك ورد في الفقرة الفرعية (أ) من الفقرة (1) من المادة (16)
” يشترط في رئيس وعضو مجلس الوزراء الآتي : (أ) أن يكون سوداني بالميلاد” وهذا خطأ لغوي أيضا والصحيح أن يقال ” أن يكون سودانيا بالميلاد”. كان ينبغي أن تخضع هذه الوثيقة للتصحيح اللغوي قبل التوقيع.
والهدف من كتابة هذه الملاحظات أن تؤخذ بعين الاعتبار عند صياغة الدستور الدائم للبلاد بعد الفترة الانتقالية وقبل ذلك عند صياغة القوانين والأدوات التشريعية الأخرى خلال الفترة الانتقالية وذلك لتفادي أية هنات أخرى في المستقبل الزاهر بإذن الله.

حسين ابراهيم علي جادين
قاض سابق
[email protected]

تعليق واحد

  1. يا مولانا حسين التصديق بإنفاذ عقوبة الاعدام كحكم قضائي نهائي من قبل رأس الدولة ليس فيه تغول أو انتهاك لمبدأ الفصل بين السلطات وبالأخص على مبدأ استقلال القضاء، هذا فضلاً عن كونه لا يشمل القصاص وهو حق خاص لأولياء القتيل وإنما ينحصر فقط في الإعدام كعقوبة لجريمة ضد الحق العام والذي يمثله رأس الدولة. وبما أن رأس الدولة هو المنوط به تقدير المصلحة العامة فله السلطة التقديرية في العفو أو الامضاء لحكم القضاء. فالقضاء قد قال كلمته النهائية بدون تدخل من رأس الدولة ولا بإعلان موقفه المسبق من السماح بتنفيذ الحكم من عدمه حتى لا يكون هناك تأثير على سير العدالة أمام القضاء، وإنما يكون تدخله بعد صيرورة حكم القضاء نهائيا. ووضع رأس الدولة هنا شبيه بوضع صاحب الحق الخاص في القصاص وخلافه، حيث يحق له العفو أو التنازل عن حقه المحكوم به له فيختار عدم تنفيذ الحكم القضائي، فهل يعد هذا تدخلا أو فيه تأثير على عمل القضاء؟ قطعاً لا، ولعلك تذكر الحديث بمعنى أنكم تختصمون لدي وقد يكون أحد الخصمين ألحن بحجته عن الآخر فيقضى له، وإنما يقضى له بقطعة من النار إن شاء أخذ أو شاء ترك. بمعنى هو حر إن شاء طلب تنفيذ الحكم أو امتنع عن تنفيذه، وفي هذا دلالات كثيرة منها أن امتناع المحكوم له عن تنفيذ حكم القضاء لا مساس له باستقلال القاضي ولا تقليل فيه لشأن القضاء فالخصم وحده يعلم حقيقة ما حكم به هل هو حق له أم لا، وحتى لو كان مقتنعا باستحقاقه لما حكم به القاضي فمن حقه كذلك التنازل عنه بالعفو عن تنفيذه.
    وبعدين طبعاً مبدأ الفصل بين السلطات لا يمكن تطبيقه بحذافيره وتحول إلى مبدأ الكبح والتوازن check and balance بحيث يكون لكل واحدة من الثلاث سلطات تأثير متبادل على بعضها البعض. فالتشريعية يكبحها القضاء الدستوري من سن التشريعات المخالفة للدستور والتنفيذية تمنع القضائية من تجاوز حدود ميزانيتها المصدقة وفق القانون وهي تمنع السلطة التنفيذية من مخالفة القانون بالتعدي على حقوق المواطنين عند تنفيذها للقوانين. لذا فإن مبدأ الفصل ليس معناه أن تعمل السلطات الثلاث بمعزل عن بعضها البعض تماماً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..