مقالات وآراء

الدم والدين في محاكمة البشير

الكاتب الروائي روبرت لويس ستيفنسون ترك اثراً في حياتي الباكرة لا يمكن محوه ، مات هذا الكاتب ولم يتجاوز الأربعين عاماً ولكنه قدم للمكتبة والادب العالمي ما يُعرف اليوم بأدب الرحالة ، فقد عشت جزءاً من حياتي وانا أتمنى لقاء لونغ جون سلفر وكابتن فلنت وتشارلز فين ، ولا زلت اتوق لرؤية جزيرة (skeleton) فلعلي أكون من السعداء فاجد الكنز المدفون في تلك الجزيرة ، ولعلي اسمع صوت القراصنة وهم يرددون شعارات الموت . وربما أرى حطام السفن الغارقة ، فكل سفينة تحكي قصتها وعالمها .
في عام 2013 نجح كاتب غربي في الوصول إلى منطقة جبل عامر في شمال دارفور ، فقد كتب في مقال عنوانه الدم والذهب في السودان ، وضع وصفاً دقيقاً عن تلك المنطقة التي تشبه جزيرة skeleton) التي وردت في رواية جزيرة الكنز ، وقد اشار لوجود مرتزقة من كل انحاء افريقيا وتجارة مزدهرة للخمور والمخدرات وتوفر الدعارة بكل اصنافها ومذاقها ، تحدث الكاتب و الذي يمثل مجموعات الازمات الدولية كيف أن الكنز الموجود في منطقة جبل عامر وحد المليشيات والقبائل المتناحرة فاصبح قادتها يديرون دولة شبه مستقلة ولها اقتصاد أفضل من الخرطوم التي تعيش على المنح والمظاريف ، وغابت السلطة المركزية وتركت الكنز في ايدي السراق ولم تسعى إلى إسترداد المنطقة خوفاً من اتساع بقعة التمرد ، في رواية جزيرة الكنز عمدت شركات التأمين إلى دعم القراصنة حتى يتسنى لها رفع المخاطر ويمكنها ذلك من زيادة رسوم التأمين ، لذلك بقى جبل عامر منطقة غامضة مثل مثلث برمودة حيث بلع الدولة السودانية وتبادلت المليشيات الكر والفر حول ملكية المنجم ، لكنه أصبح في خاتمة المطاف جزءا من مملكة آل دقلو التي تتمدد كل يوم وهي تستفيد من دول الخليج ، ولم يكن المخلوع البشير إلا كبير القراصنة الذين انتهى عهدهم ولكنه يقاتل بلا سيف ويعيش بلا شرف ، كشفت المحاكمة التي تمت يوم أمس طبيعة الرجل الذي حكمنا لمدة ثلاثة عقود ، وحتى وهو ساعة النزع الأخير وتصاعد الشارع كان يتمنى ان يحكم السودان لعقود أخرى ، فهو كان يرى في نفسه أنه الأول الذي ليس له آخر ، وأنه الاخر الذي عاش وحكم بلا نظير يجادله الزعامة في سفر الأولين ، قد امطرت و قد ساء مطر المنذرين ، وراينا كيف كشفت مجادلة القاضي مع البشير أن السودان كانت تحكمه سلالة اشراف تخللها بغل ، لم يكن البشير شجاعاً ،وليس هو الأسد الذي يزار فتهتز الأرض فتهرع الفيران إلى جحورها كما وصف نفسه ، كشف برنامج في قناة دسكفري تم بثه حديثاً ان كلمة عرين الأسد صنعها بعض الذين ليست لهم دراية بعلم الحيوان ، فالأسد لا يتخذ عريناً في مناطق السافنا المكشوفة ، وذلك على العكس من اسد افريقيا الذي خرج من القصر الشامخ ليطل على شعبه من خلاص قفص حديدي لا تقبل حتى الثعالب ان تدخله .
هكذا بدأ البشير حياته من ضابط في الجيش ، ورئيس دولة ، وزعيم حزب ، لينتهي به المطاف ليكون بين السياج مثل الوحوش ، الكثيرون أوغلوا في نظرية المؤامرة وتوهموا ان هذه المحاكمة هي مجرد تمثيلية الغرض منها صرف الأنظار عن الجرائم الكبيرة التي ارتكبها هذا الرجل ، وربما يكون هذا التصور صحيحاً ، لكن البشير يوم أمس حكم على نفسه من دور صدور حكم من القاضي ، وكشف عن فساده أمام الأشهاد ، حاول البشير ، وهو يائس ، ان يجدد مبرراً لجريمة خيانة الأمانة وخيانة البلد الذي أئتمنه على موارده ، فلم يجد بداً من توريط العائلة الحاكمة في السعودية في ازمته ، فربما تتدخل السعودية وهي تستخدم نفوذها لتلغي هذه المحاكمة ، ولم يتردد البشير في توريط حاشيته وأهله وكيف أن اصهاره كانوا يتحكمون في سعر صرف الدولار ، وقتها البشير كان يصدر المراسيم ويحاكم كل من عمل في سوق تجارة العملات ، هذا هو الرجل الذي كان يحكمنا ،
سال النميري الشهيد عبد الخالق محجوب : ماذا قدمت للشعب السوداني ؟؟
فرد الشهيد عبد الخالق محجوب بثبات : قدمت له الوعي
لم تصدر من الشهيد محمود محمد طه اي لحظة ندم او خوف او تراجع عن افكاره التي كان يؤمن بها ، بل كان ثابتاً كالطود وهو يتقدم في مرافعته امام القاضي بان المحكمة قاصرة فنياً
الفريق خالد الزين الذي أعدمه البشير في عام 90 كان ثابتاً وواجه الموت بشجاعة ، والمقدم بابكر النور أشعل سيجارته الأخيرة وهو ينظر إلى جلاديه ، اما الشهيد هاشم العطا فقد تحمل مسؤولية الإنقلاب وطلب عدم محاكمة من تلقوا منه الاوامر ، هذه هي ملامح من الشجاعة السودانية التي لم يعرفها البشير في حياته ، امثلة لرجال عاشوا بشرف وماتوا بكرامة ، ولا أعرف أي ام سودانية انجبت هذا الرجل وكيف تم قبوله للعمل كضابط في الجيش السوداني وهو يتأبط الجبن وغير مؤتمن على مال..ويلقي للطوفان فلذة كبدته لينجو .

د.سارة عيسي

[email protected]

‫2 تعليقات

  1. اقتباس :…….
    سال النميري الشهيد عبد الخالق محجوب : ماذا قدمت للشعب السوداني ؟؟
    فرد الشهيد عبد الخالق محجوب بثبات : قدمت له الوعي

    ( عبد الخالق ختاي المزالق ) حاكم جلاديه في مرافعة تاريخية شخصت المشكل السوداني منذ الاستقلال وقضايا التنمية غير المتوازنة . ما يسمى الهامش الان . كان له رؤيه سبقت الزمن بعقود
    لم تصدر من الشهيد محمود محمد طه اي لحظة ندم او خوف او تراجع عن افكاره التي كان يؤمن بها . (الموت على المبدأ والايمان بفكرة )
    الفريق خالد الزين الذي أعدمه البشير في عام 90 كان ثابتاً وواجه الموت بشجاعة ، والمقدم بابكر النور أشعل سيجارته الأخيرة وهو ينظر إلى جلاديه ، اما الشهيد هاشم العطا الجسارة فقد تحمل مسؤولية الإنقلاب وطلب عدم محاكمة من تلقوا منه الاوامر ، هذه هي ملامح من الشجاعة السودانية التي لم يعرفها البشير في حياته ، امثلة لرجال عاشوا بشرف وماتوا بكرامة .

    والله حرام مقارنة البشير بهاؤلاء العظماء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..