أخبار مختارة

في شأن تعضيد الاقتصاد المدني ودعم الحكومة المدنية الانتقالية (2-100)

تعريف ومحددات الدولة المدنية وكيفية تعاطيها مع المعتقدات

حسين أحمد حسين

تعريف الدولة المدنية (مدنياااااو)
حينما نادى الشهداء والمفقودون وأصحاب الجراح النبيلة بالدولة المدنية وبذلوا أرواحهم وأجسادهم في سبيلها كانوا يعنون بذلك:
“جملة الإجراءات القانونية والمؤسسية المُتَوَصَّل إليها ديمقراطياً، وِفق دستورٍ ديموقراطىًّ (انتقالي/دائم)، ومُنبثقٍ عن عقدٍ إجتماعىٍّ مدنىٍّ جامعٍ وديمقراطيٍّ أيضاً، ومعبِّرٍ عن إرادة المجتمع بكل تنوعاته (من قالوا: مدنياااااو)؛ مهمتها إنجاز الحقوق والواجبات المتبادلة بين الدولة المدنية والمجتمع المدني فى إطار دولة القانون والمؤسسات، ودولة المواطنة، ودولة الحرية والديمقرادية وحقوق الانسان المنصوص عليها بكل المواثيق الدولية، ودولة سيادة الثقافة المدنية (السلام الاجتماعي وقبول الآخر واحترام خصوصياته)؛ وتتعامل مع تنوعات ذلك المجتمع بالطريقة التى لا تخل مطلقاً بتلك الحقوق والواجبات لكافة المواطنين؛ وأن تتعامل معهم على قدمِ المساواة بلوغاً لاستدامةِ تجانس الاقتصاد القومي، واستقرار العملية السياسية وتكريس الوعي المدني، وبالتالي تحقيق الثورة الوطنية الديمقراطية بمعناها الليبرالي وترسيخها واستدامتها في نهاية المطاف أيضا”ً.
محددات الدولة المدنية
يمكننا من حيثيات التشكل الاقتصادي الاجتماعى والسياسي في السودان (حسين 2018)*، ومن القراءة الدلالية لمفهوم الدولة المدنية عند مُبتكِرها المفكر المرحوم محمد إبراهيم نقد (1988، 2003، 2012)*، ومن بعض الكتابات التي تناولت موضوع الدولة المدنية (د. زايد 2011)*، ومن التعريف الوارد أعلاه، أن نعيِّن محددات الدولة المدنية وأركانها التى إنْ غاب أحدُها إنزلقَ مفهوم الدولة المدنية إلى الدولة الدينية أو العلمانية. وهذه المحددات هى:
1- يُمثل تجانس واتزان معادلة الاقتصاد القومي الكلية (العمل/العمال والقوى الحديثة والمهنية + رأس المال/رجال الأعمال وروَّاد الأعمال + التنظيم/المهنيين + الأرض/بورجوازية الدولة = الإنتاج = العملية الإنتاجية = الثورة الوطنية الديمقراطية فى نهاية المطاف) وديموقراطيتها واستدامتها أهم محددات الدولة المدنية. ولن يكون بمقدور معادلة الاقتصاد القومي أن تحوي كلَّ هذه الصفات فى ظل غياب “تنظيمات المجتمع المدنى” – الحارسة لكلِّ عنصر من عناصر إنتاج هذه المعادلة – عن الأرينة السياسية.
وإذا نظرنا للواقع الاقتصادى والسياسي والاجتماعي السوداني نجد فيه غياب تام لحزب يُمثل العمال بكلِّ شِعَبِهِم والقوى الحديثة والمهنية فى السودان، ليقف على حراسة استحقاقات عنصر العمل والديمقراطية بالأصالة لا بالوكالة.
وبالتالي من أهم محددات الدولة المدنية هو قيام حزب للعمال والقوى الحديثة والمهنية ليكون مفتوحاً على كلِّ التحالفات التي من شأنها أن تجعل الاقتصاد والسياسة القوميَيْن متجانسين ومتوازنين وديمقراطيين ومستدامين. فالعمال والقوى الحديثة والمهنية أكثر انتفاعاً من الديمقراطية التي تمنع استغلالهم، إذا ما قارناهم بالرأسماليين الذين ينتفعون في أزمنة الديكتاتوريات باستغلال هذه الفئات وابتزازها. وبالتالي غياب هذا الحزب يجعل الديمقراطية أقصر عمراً والدولة المدنية أبعد منالا في السودان (حسين، المرجع أعلاه(ً.
2- من أهم محددات الدولة المدنية هو رغبة المجتمع فى الخروج من البوهيمية إلى الحال المدنى ((Civil state، بالتوافق على عقد اجتماعى يشمل كافة قطاعات المجتمع، ويتحوَّل فيما بعد إلى دستورٍ (مؤقت/دائمٍ) مُعبرٍ عن إرادة ذلك المجتمع وإجماعه، فى صورة مؤسسات وقوانين لا تطالها تأثيرات القوى المجتمعية أيَّاً كان مصدرها: الفرد أو الجماعة أو الطائفة أو المذهب أو مجموعات الضغط؛ غايتها تنظيم الحياة العامة وحماية الملكية الخاصة وتنظيم العقود وشمولية تطبيق القوانين على كافة أفراد المجتمع دون استثناء لذى جاهٍ أو سلطان.
3- من أهم سمات الدولة المدنية هى أنَّها دولة القانون والمؤسسات التى تحتاج إلى القضاء المستقل، والمؤسسات العدلية الأُخرى المستقلة عن المؤسسات السيادية والتشريعية والتنفيذية المستقلة هى الأُخرى كلٍّ على حدة؛ وذلك لضمان إرساء المبادئ العدلية وشموليتها. ولعلَّ أهم سمة من سمات دولة القانون هى ألاَّ تخضع حقوق الفرد فيها لأىِّ انتهاك من قِبَل أى طرف آخر، وذلك لأنَّ سُلطة الدولة دائماً حاضرة وهى فوق سلطة الأفراد، ويلجأ إليها كل أفراد المجتمع حينما تُنتهك حقوقهم أو تكون قابلة للانتهاك.
4- من سمات الدولة المدنية هى تنامى الوعى المدنى والعقيدة المدنية التى تنبنى على السلام والتسامح وقبول الآخر واحترام خصوصياته والمساواة فى الحقوق والواجبات والثقة فى عمليات التعاقد والتبادل المختلفة. وهذه القيم تمثل ما يُطلق عليه “الثقافة المدنية”، وهى ثقافة تخلقها استدامة حكم القانون والديمقراطية، أىْ العيش في واقع الثورة الوطنية الديمقراطية، وهى تقوم على مبدأ الاتفاق والتراضى، وتعززها أعراف وأنساق عديدة غير مدونة تمثل عصب الحياة اليومية للمواطنين (وما أعظم هذه الأعراف والأنساق عند أهل السودان التي جسدها اعتصام القيادة العامة)، تصوغ لهم “مبادئ التبادل القائم على النظام لا الفوضى” (أرفع ايديك فوق التفتيش بالذوق)، “وعلى السلام لا العنف” (سلمية سلمية ضد الحرامية)، “وعلى العيش المشترك لا الفردى” (العندو يخت والماعندو يشيل)، “وعلى القيم الإنسانية العامة لا الفردية ولا العنصرية ولا المتطرفة” (يا عنصري ومغرور كل البلد دارفور).
فالثقافة المدنية تخلق من المواطنين نشطاء مثقفين مدنياً (مجتمع الاعتصام وشباب شارع الحوادث ونفير مِثالاً) يعرفون ما لهم وما عليهم، ويساهمون بفعالية فى تحسين ظروف مجتمعاتهم، بحيث يرتقون بوعيهم المدنى بشكلٍ مستدام، ويُمجِّدون كلَّ ما هو عام: “كالأخلاق العامة، الصالح العام، الملكية العامة، المبادئ العامة، ويحرصون دائماً على كل ما يتصل بالخير العام”.
5- من سمات الدولة المدنية أنَّها دولة مواطنة، يُعرَّفُ الفردُ فيها تعريفاً قانونياً اجتماعياً على أنَّه مواطن (بدون ألقاب) فى المجتمع له حقوق وعليه واجبات يتساوى فيها مع جميع المواطنين. وإذا كان القانون يؤسس فى الدولة المدنية قيمة العدل، وإذا كانت الثقافة المدنية تؤسس فى الدولة المدنية قيمة السلام الاجتماعى، فإنَّ المواطنة تؤسس فى الدولة المدنية قيمة المساواة والقيم الإنسانية جميعها.
6- ومن أهم سمات الدولة المدنية ومحدداتها هى الديمقراطية، وهى بالتالى الصمام الذى يمنع أخذ السلطة بالقوة والغصب بواسطة فرد أو نخبة أو عائلة أو أُرستقراطية، أو نزعة أيديولوجية. إنَّ الديمقراطية التي تبدأ من معادلة الاقتصاد القومي هى سبيل الدولة المدنية الوحيد لتحقيق كلِّ ما هو عام، كما أنَّها هى وسيلتها للحكم العقلانى الرشيد وتفويض السلطة وانتخابها وتداولها سلمياً. وأنَّ الديمقراطية تتيح التنافس الحر الخلاَّق بين الأفكار السياسية المختلفة للمواطنين، وذلك بما ينبثق عنها من سياسات وبرامج مكرسة لتحقيق المصلحة العليا للمجتمع، ويكون الحَكَم النهائى لهذا التنافس هو الشعب؛ لا بصفة شخوصه، ولكن بما يطرحونه من برامج وسياسات لتحقيق تلك الأهداف العليا (اقتصادية، اجتماعية، سياسية وغيرها) بالنسبة للوطن بالشكل المتجانس الديمقراطي المتوازن والمستدام.
فالديمقراطية بهذا الفهم تُزَكى الثقافة المدنية التى تَرْقى بالمجتمع وتحسِّن ظروفه المعيشية. ولا تتحقق الديمقراطية إلاَّ بمزيدٍ من الديمقراطية (بالثورة الوطنية الديمقراطية)؛ أىْ بقدرة الدولة المدنية على خلق مناخ عام للمنقاشات والتبادل والتواصل الاجتماعى بين المجموعات المدنية المختلفة والآراء المختلفة وغيرها. ويشمل هذا المناخ العام فى المستوى الجزئى لجان المقاومة والجماعات الفكرية والأدبية والروافد الثقافية، ويتدرج ليشمل الجمعيات الأهلية والتعاونيات والمنتديات والمؤتمرات العامة، وصولاً إلى النقاشات التى تدور فى أروقة النقابات وجماعات الضغط ومنظمات المجتمع المدنى الأخرى والحركات الإجتماعية والأحزاب السياسية.
هذا المناخ العام يجب أن يكون مستقلاً ومدنياً وغيرَ مُحَرَّضٍ بالأيديولوجيا، ليكون بمستطاعه القدرة على طرح الفهوم والأفكار بشكل ناضجٍ وحُرٍ ونزيه. وبالتالى هذا المناخ العام هو الذى يُحرِّض المجتمع على ابتداع الأساليب المدنية النوعية فى التثاقف العام والتواصل الجمعى، ويخلق من الحوارات المتنوعة والمتباينة فُسيفساء مدنية مُقترنة بالهم العام. ويتأسس هذا المناخ المدنى العام بالفعل التواصلى الحوارى الذى يقوم على احترام أفعال الآخرين وأفكارهم ومعتقداتهم والاستجابة إليها بشكل مدنى عقلانى من غير فوضى أو رفض.
موقف الدولة المدنية من المعتقدات (الشريعة الإسلامية مثالاً):

لا تقوم الدولة المدنية بمعاداة معتقدات النَّاس (أىِّ معتقدات) كما كان الحال على عهد الدولة العلمانية الإلحادية فى الأتحاد السوفياتى السابق، كما لا تسمح الدولة المدنية باستغلال المعتقد لمصلحة دنيوية وبالتالى تجرح قُدُسِيَّتَهُ وتستهزء به كما فعلت الإنقاذ فى السودان وغيره من الدول المسماة اسلامية. كما لا تتسربل الدولة المدنية بدِين/لا- دين أغلبية ولا بدين/لا- دين أقلية كما هو الحال فى بعض نماذج دول العلمانية السياسية كبريطانيا.

ولكنَّ الدولة المدنية تؤكد على أهمية الدين كجزء لا يتجزأ من منظومة الحياة المدنية، وكقيمة إيمانية روحية بالغة التأثير فى حياة النَّاس، ومعزِّزة لجوهر الثقافة المدنية من جهة كون أنَّ المعتقد هو الداعم الأهم للأخلاق والحاض على الاستقامة والالتزام لا سيما فى الشئون التعاقدية؛ بل هو عند البعض الباعث على حب الخير للنَّاس والاخلاص فى العمل والنجاح فى الحياة عموماً.

إذاً، فالدولة المدنية لا تتسامح مطلقاً مع استخدام المعتقد لتحقيق أهداف سياسية (تنتهي في العادة إلى أهداف إقتصادية كما في حالة الانقاذ وغيرها)، وبالتالى تحويله إلى موضوع خلافى وجدلى وإلى تفسيرات تُسئ إليه وتبعده عن عالم القداسة، وتدخل به إلى عالم المصالح الدنيوية الضيقة الزائلة. فالمعتقد فى ظل الدولة المدنية هو أسمى القِيم فى الفضاء المدنى، وتتطور علومُهُ وفهومُهُ بقوة فكره ومنطقه الداخلى القويميْن؛ بعيداً عن منطق التطرف والعنف اللَّذيْن لا يُسمح بهما البتة فى إطار الدولة المدنية والثقافة المدنية.

وبهذا الفهم فإنَّ الدولة المدنية لا تتعامل مع الأديان (الشريعة الإسلامية مثالاً) بالمنطق المتعسف التى تمارسه دولة العلمانية الإلحادية أو الدولة الدينية، ولكنَّها تلجأ إلى التخيير كقيمة مدنية ديموقراطية محقِّقة لشروط المواطنة. وبالتالى من حق المواطن (أى مواطن) أن يختار معتقده والشرائع/القوانين التى يود أن تُطبَّق عليه انبثاقاً من ذلك المعتقد أو غيره؛ سواء أكانت شرائع/قوانين دينية (اسلامية، مسيحية، يهودية، بوذية، إلخ) أو وضعية، ويجب أن تُسجَّل فى سجلِّه المدنى ويحويها رَقْمُهُ الوطنى وهويته الشخصية. كذلك فإنَّ الدولة المدنية تكْفُل له الدخول تحت الشِّريعة والقانون الذى يُريد، وتكْفُل له الخروج منهما متى ما يريد؛ تحت ضوابط تكفل احترام المعتقدات فى الحالتين.

ولعل فضيلة التخيير التي تُتيحها الدولة المدنية ستُساعدنا فى منع متاجرة الدولة الدينية بالأديان (والتى تود أن تفرض قوانينها الدينية بمنطق الإكراه والوصايا والإملاء البشري للحاكمية الإلهية من وجهة نظرها الآحادية الضيقة والمحدودة)، ومنطق الأغلبية والنخبوية والأُرستقراطية التي تنتهي إلى لتحقيق مآرب سياسية واقتصادية كما أسلفنا. كما يُساعدنا ذلك التخيير بالنفاذ إلى حرية الاعتقاد، احترام المعتقدات، حرية الانتقال بين المعتقدات، وتحرير المعتقد من عسف السياسة وتركه للفضاء المدنى.

وصحيح، ربما تكون هناك مشكلة فى ذهن المشرِّعين متعلقة بكثرة الشرائع وكثرة القوانين، ولكنَّها فى نهاية المطاف تعبِّر عن تنوعنا (لكلٍ جعلنا منكم شِرعةً ومِنهاجاً) بشكل مدنى ديموقراطى خالى من التعسف والإكراه والجبرية، ويجب أن يكون الدستور الدائم للسودان معبِّراً عن هذا الواقع أيضاً. كما أنَّ تعدد القوانين وتعدد الشرائع، أهون على النَّاس من أن يكون التعسُّف السياسي القائم على التعسف العقدي سبباً فى حروب وفتن لانهائية.

لقد جرَّب السودان التعسُّف والحَيْف منذ الإستقلال إلى يومِ النَّاسِ هذا؛ وكانت النتيجة فُرقة أبناء الوطن الواحد، واحترابهم الدائم وانفصال جزءٍ عزيز من بلدهم، وبُغِّضَ إليهم كلُّ ما هو دينى، فلماذا لا نجرِّب التخيير؟ فبدلاً من أنْ تُطبَّق علىَّ الشريعة إكراهاً كما هو قائم الآن، فلتُخيِّرُنى الدولة المدنية بمسلك مدنى ديموقراطى متحضر ومحقق لشروط المواطنة فى القوانين التى أحب أنْ تُطبَّق علىَّ: قوانين الشريعة (الإسلامية، المسيحية، اليهودية، البوذية وغيرها)، القوانين الوضعية، أو أى قوانين أُخرى. وهنا تظهر عدد من الحقائق التى لا يراها المتعسف الديني ولا المتعسف العلماني:

1- ستتبدَّى للنَّاس لِأَوَّل مرة سماحة الشريعة الإسلامية فيكثُر أتباعُها (أو وجاهة القوانين الوضعية فيزداد أنصارها). وإذا كان اللهُ عزَّ وجلَّ مُتِمَّاً نوره ولو كَرِهَ الكافرون، فَفِيمَ الخشية من التخيير؟ هل هى بسبب خوف الحاكم إذا لم يُكره النَّاس على الشريعة سيصبح كافراً وظالماً وفاسقاً؟ فكيف نفسِّر الكفر/الإلحاد والظلم والفسوق المصاحب لتطبيق شرع الله في البلدان التي تتنطع بتطبيقه! أم هل هى بسبب خشية الحاكم من الله لأنَّه أتاح شرائعاً أخرى إلى جوار شرع الله الاسلام، والتي من شأنها أن تُبعد النَّاس عنه؟ وهنا أيضاً كيف نفسر تزايد أعداد المعتنقين للإسلام في بلاد “الكفار” بالقدر الذي بدأ يُقلق الاستراتيجيين (5000 يدخلون الإسلام سنوياً في بريطانيا) رغم عدم الاكتراث للأديان هناك، والتنفير عن الإسلام الذي أحدثه الإرهابي أُسامة بن لادن فيها!

فالشاهد، أنَّ النَّاس يهجرون دين الله بسبب القدوة السيئة التى تتعبَّد بالأيديولوجيا الدينية وتهجر جوهر الدين (وبالتالي تستخدم الدين كغطاء للفساد والإفساد)، وبسبب الإكراه أكثر مما لو خُيِّروا. والدليل على ذلك هو الظهور العلني لـ 1200 ملحد – وفي روايات أخري مليون – في السودان بالتزامن مع التطبيق الشائه لشرع الله، كما أنَّ التخيير والقدوة الحسنة هي التي تجعل الاسلام في الغرب في تزايد الآن.

فحينما ينتقل النَّاس من أُفقِ الأيديولوجيا الضيق الدموى إلى أُفقِ المناخ المدنى السلمي الخصيب، ستنشط فيه حرية الفكر المحرَّضة بالعقل الحر والتفكير الحر بغرض إنتاج المعرفة الدينية الحقة الناصعة، وسوف يتطوَّر الفكر الدِّينى وسيتم إخراجه من حالة التكلُّس التى يعيشها الآن. ووقتها (ووقتها فقط) ستتبدَّى سماحة الشريعة الإسلامية التي لم تتكشَّف ولم تتطور في موطنها عبر قرونها الطِوال إلاَّ لأنَّ أهلَها أكثرُ اشتغالاً بالسلطان وأيديولوجياته من الاشتغال بالفكر الحر عبر العقل الحر الذي من شأنه أن يُجلي سماحة شرع الله الحنيف.

2- وفى إطار الدولة المدنية لن يُسمح بأى نوع من أنواع العنف الدينى أو الثقافى أو الإثنى أو اللغوى، أو العنف الأيديولوجى/السياسى/الاقتصادى أو الجسدى أو اللفظى المُجيَّر لخدمة أى شرخ فى البناء المدنى، وسوف يُفسح فقط للفكر الحر والتفكير الحر ليكونا مُدْخَلَيْنِ مُهِمَّيْنِ فى مجال المعرفة المعلومة الأدوات فى إطار الدولة المدنية.

وبهذه الكيفية سيكون بالإمكان حل كل مشاكل السودان المصيرية بأُفقِ الدولة المدنية ذى القدرة الحقيقية على حماية التنوع فى البيئة السودانية الغير متوفرة لدى الدولة الدينية والدولة العلمانية معاً. وبالتالى فى إطار هذا الأفق المدنى يمكن ان يعود الجنوب إن رغِب، ومن ثم نسعى إلى آفاق جديدة من التماسك والاستقرار واللُّحمة والانطلاق نحو مستقبل مزدهر.

3- فى إطار الدولة المدنية، ستنتهى حالة النفاق الدينى/الاجتماعي وتطبيق الشريعة على اللاَّ – إخوانويين واستثناء الإخوانويين من تطبيقها عليهم، وسيُحاسب النَّاس بالشرائع التى اختاروها ومضمنة فى سِجِلِهِم المدنى، ولا مجال هنا للمحاباة والمحسوبية فى إطار القضاء المستقل والسلطات الأخرى المستقلة.

وعليه يجب أن نعلم أنَّ الإنقاذ ترفض الدولة المدنية – لا لأنَّها “إسم دلع” للعلمانية وقد جاء بها الشيوعيون كما تروِّج هِىَ لذلك – لأنَّ الشريعة الإسلامية حينما تكون فى يد القضاء المستقل والنزيه فى إطار الدولة المدنية، ستُطبَّق على الوجه الأكمل على الإخوانويين (الفاسدين بطبيعة الحال؛ قال د. حسبو عبد الرحمن: “كلُّ أعضاء حزبه فاسدون”) وعلى من اختاروها على قدم المساواة.

4- حينما تكف الدولة عن حشر أنفها سلباً فى طريقة تدين النَّاس وإثنياتهم وثقافاتهم ولُغاتهم، تخمد الفتن والحروب القائمة على أساسها، وتتحول ميزانية هذه الحروب بالنسبة للدولة إلى ميزانية مواطنة؛ ميزانية مدنية تخدم إيجاباً ذات التنوع الدينى والإثنى والثقافى واللغوى في الفضاء المدني الرحيب.

5- فى إطار الدولة المدنية؛ دولة المواطنة والديموقراطية؛ ستكون البرامج الحزبية (خاصةً في إطار الكيانات السياسية الفتية الجديدة: حزب العمال والقوى الحديثة والمهنية السوداني، حزب الحرية والتغيير، حزب سودان المستقبل ((Sudan NextGen، إلخ) ملحمة من التنافس على كيفية خدمة كافة المواطنين، وستكون هذه البرامج مُكرَّسةً لعكس استحقاقاتهم من حقوق المواطنة وواجباتها بما يخدم التوازن الكلي للمجتمع، ولن تكون مكرَّسة تمكيناً للأنا السياسية أو الاقتصادية أو الأيديولوجية أو الإثنية أو الجهوية أو اللغوية أو لمطامع حزبية أو فردية؛ فالكلُّ رابح فى ظل الدولة المدنية وبشكلٍ ديموقراطى متوازن ومستدام وفي كامل السلام الاجتماعي.

خاتمة

إنَّ الدولة المدنية منتج سوداني خالص، وهو أحد صادراتنا للعالم في مجال العلوم السياسية، ولها ميزاتها على الدولتين الدينية والعلمانية كما رأينا من قبل؛ وذلك بجعل الدين/المعتقد أعلى القيم في الفضاء المدني، وفي نفس الوقت تصونه بعيداً عن الدولة والسياسة، وعن هوى السياسيين المنحرفين.

حسين أحمد حسين،
مؤلف وباحث اقتصادي، اقتصاديات التنمية.

[email protected]

___________

* محمد ابراهين نقد: “حوار حول الدولة المدنية”، الحوار المتمدن، 2003.

* (دكتور أحمد زايد: “ماذا تعنى الدولة المدنية”، الشروق الألكترونية، 26 فبراير 2011).

* محمد ابراهيم نقد: حوار حول الدولة المدنية، الشركة العالمية للطباعة، الخرطوم – السودان،
2012.

* حسين أحمد حسين: التشكل الاقتصادي الاجتماعي في السودان وآفاق التغيير السياسي (قراءة في الاقتصاد السياسي السوداني)، مركز آفاق جديدة للدراسات، مانشستر – بر يطانيا 2018.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..