أخبار السودان

وِينْ الأجَــــاوِيدَ البُــــكُمْ؟

نور الدين بريمة

كنتُ أتجاذب أطراف الحديث، (عَقِيقَ الكلام: يعنِي حبّة ونسة ودَرْدَشَة) لكنها مفيدة، مع بعض صحابي وأصدقائي، العالمين ببواطن المال والإقتصاد؛ فغمرُوني خلالهَا دُررًا ونفائسَ من المعلومات والبيانات، صرفنا جُل وقتنا و(عَقِيقَ كلامنا)، حولها، وحول الأوضاع المالية والعامة بالولايات، وفئران الفساد البشرية، التي إلتهمت أخضرها ويابسها، ثم حفّتها وحمتها بسياجٍ من الكهنوت السياسي والبوليسي والتشريعي، وهو ديدن الأنظمة الشمولية، خاصة في المناطق الموبوءة: بالأزمات، والمشكلات، والصراعات، والحروب، على شاكلة الفساد المالي، والإداري؛ ممّا دفعني إلى الكتابة، وفي البال ضرورة ممارسة الحرية سلوكًا، نتنسم عبيرها هذه الأيام، بعد فقداننا لها سنين عددَا؛ فشكرًا لشعبنا الذي أهدانا إيّاها، بعد أن ظللنا في غياهب الجب، وظلام الإستبداد، وتكميم الأفواه، وكسر أقلام الحق، لثلاثين عامًا من الجبروت، وأكيد قلم الظلم مكسور، ولا محالة فشمس الحرية ساطعة؛ لذلك فإن شعبنا يستحق الوفاء والإنحناءة؛ لكن عزيزاتي أعزائي- دعوني بدءًا، أن أطرح سؤالاً بريئًا، كما يردد دومًا الصحفي- محمود الشين- غير أني أبتدر سؤالي بالقول: منذ سُقوط رأس النظام وتوابعه، من آكلي السحت، والمُبددين للمال العام، في أبريل 2019م، لم نعلم كثيرًا عن بواطن الملفات الخاصة بهذا المال، مما دفعنا إلى السؤال عن.. أين مرتبات الدستوريين وإمتيازاتهم في الولايات؟، علمًا بأن الدعم المالي، يأتيها مدْرارًا من المركز.
وهل يا ترى تم إستقطاع الجزء المتعلق بهذه الإمتيازات والمرتبات، من الدعم المركزي؟ أم ما زال المركز يُرسلها كاملةً غير منقوصة؟؛ وإذا كانت الإجابة بنعم.. فهل تم تجنيبها بخزينة المالية، أم أنها صُرفت وأين؟؛ وحسبما نعتقد ونعلم فإن الدعم ظل ثابتًا لهذه الولايات، يأتيها من غير سوء أو (جَرْجَرَة وَلَوْلَوَة)، مُنذُ سُقوط الحكومة المرْكزية، وتوابعها بالولايات، في أبريل الماضي من هذا العام، ما يعني أنه ولخمسة شهور، ظلت الولايات تتسلم دعمًا كاملاً، وهي تحت إدارة حكام عسكريين مكلفين، بدون وزراء ومعتمدين، ولا ندري أين ذهبت هذه المبالغ؟؛ وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن الدعم الشهري الذي يقدم لولاية جنوب دارفور وحدها، يبلغ (24) مليارًا، لم يكلف وزارة المالية عناء التوضيح للشعب، أين ذهبت هذه (الضحّاكات أو الأجَاويد البُكم: يعني النُقود)؛ كذلك نطرح ذات التساؤل، عن إمتيازات الدستوريين، وكبار الموظفين، المتعلقة بالسكن ووسائل الحركة، وخدمات الكهرباء والمياه، والإتصالات، و(التِحِتْ تِحِتْ، المُغَطْغَطْ، الدَّاسِنُّوا تِحْتَ التَرَبِيزَة) ماذا بشأنها؟؛ معليش يا جماعة ما من حقنا نسأل- ولا السؤال ممنوع!؛ أما بعض هؤلاء المستوزرين والدستوريين و(الكِدِكَايَاتْ: أيْ كِبَارَ الفِئْرَانْ)، فما زال بعضهم يسكن في بيوت الحكومة، التي تستأجر لبعضهم الآخر البيوت، وتدفع لهم الإيجارات، عبر وزارة المالية.
والأدهى والأمر، فإن الكثير من بيوت الموظفين بهذه الولايات، (جنوب دارفور نموذجًا)، تم إستغلالها وتوظيفها توظيفًا سيئًا، ومخلاً للنظم والقوانين واللوائح، حيث تم منحها لقيادات أو واجهات المؤتمر الوطني، مثل: إتحاد الطلاب، وإتحاد المرأة، والشرطة الشعبية ….الخ؛ أمّا بعضها الآخر، فتم منحه للمؤسسات، كالمباحث الجنائية، ونيابة المستهلك، والإحصاء المركزي، وغيرها من: المؤسسات، والواجهات، والأفراد- من ذوي الحظوة؛ في الوقت الذي ظلت فيه الحكومة، تستأجر بيوتًا للدستوريين، وكبار الموظفين، أو لبعض الواجهات والمؤسسات كذلك؛ وهذا ما يقودنا أيضًا إلى التساؤل.. أما زالت وزارات المالية بالولايات تدفع هذه الإيجارات؟ علاوة على أن هذه العمليات تنذر بوجود خلل واضح في إدارات الشراء والتعاقد، المعنية بشراء الأصول الحكومية، وأنها غير ملتزمة بتلك اللوائح والقوانين المنصوص عليها، وهذا ما يفتح نفّاجًا واسعًا للفساد والمُفسدين؛ والأنكى- فإن الحكومة البائدة، قامت ببناء الكثير من دور المؤتمر الوطني، وواجهاته المتناسلة، وظلت المالية تدفع لها شهريًا الملايين من الجنيهات، من بند الخُبراء والمُستشارين؛ ولا ندري بأي حق وُئدت هذه الأموال، وما نعلمه فالخبراء والمستشارين (إن تمت إستشارتهم أصلاً)، أمرهم مقصور على المركز، ولا يحق للولايات الصرف أو التعاقد في هذا الشأن.
كذلك واحدة من الخفايا التي لا يعلم سرّها إلا الله، والكاشفون لأسرار ودهاليز الإسلامويين، من الحادبين على المصلحة والمنفعة الوطنية، في وزارات المالية بالولايات، أن جهاز المراجع القومي بها، في أغلب الأحيان، يعتبر جهازًا أمنيًا بالدرجة الأولى، شأنه شأن غالب المؤسسات، يُمارس قتلاً بطيئًا عبر تقنين الفساد، للمسؤولين وزبانيتهم وحارقي بخورهم، ويجعلون الباطل بين أيديهم مُزيّنًا، وجائزًا، عندما يوقعونه ويمررونه بين أيديهم، دون وازع ديني أو أخلاقي، وطبعًا يَهيمُون لنثرياتهم وإمتيازاتهم، ويُهرْوِلُون إليها، ولا يهمهم بالطبع أن يجوع أو يعرى المواطن، أو يموت بسبب غياب الخدمة الصحية؛ والناظرُ إلى هذا الجهاز، يلحظ أنه يشترط لمن يريد الإنتماء إليه، أن يكون خريجًا من إحدى كليات المحاسبة، وأن تكون لديه خبرة- أقلها- عشرة سنوات؛ بيد أن الناظر للواقع السوداني، يجد أن هذه الشروط، قد أخلوا بها وضربوها عرض الحائط؛ وإلى حين تشكيل حكومات الولايات المدنية، خلُّوا بالكم على حقوقكم، وأحفظوا مستنداتكم، حتى تقدموها شاهدًا على الفساد، عندما يحين موعد إسترداد الحقوق، ومعاقبة المجرمين والمفسدين.. ولنا عودة.. لأن الدُنْيا دَبَنْقا دَرْدُقُوهَا بِشِيشْ.

 

نور الدين بريمة

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..