مقالات وآراء

الدّين و الدولة ما بين السُلطة و التّسلط الأجماع الشّعبى و شرعية الإمام

الديانات السماوية الثلاث على المستوى التشريعى تبنّت بعض القوانين العرفية الحصيفة بإعتبارها قائمة على الإجماعى الشعبى مثلاً كان هناك فى دولة حمورابى إثنان و ثلاثون بند للإعدام  , عندما جاءت اليهودية أسقطت حوالى ستة عشر بنداً و تبنّت النصف الآخر منه و عندما جاءت بعدها المسيحية أسقط جزء و تبنّت الآخر عند مجيىء الاسلام قامت الحدود الخاصة بالقتل على باقى البنود المذكورة , و هكذا تعتبرهذه التشريعات موروثاً بشرياً منذ حمورابى , فالدين لم يكن نُزلاً غريباً على البشرية إنما تقويماً وتنظيماً لسلوكهم الذى أنحرف فى فترة من الزمان, اذ لم يكن الإنسان يعانى من أخطاء خلقية بل خُلق فى أحسن تقويم  , بالتالى فى المجال التشريعى الإسلام فتح الباب للمسلمين ليضعوا منهجاً لا يتناقض مع الفروض الأخلاقية التى تعالج القضايا المتعلقة  بالزنا , السرقة , الربا و إلى الآخر , , و لا يتناقض مع الفروض التعبدية مثل الصلا ة الزكاة , الصوم , و الحج  و خلاف ذلك , و ذلك على ضوء الاية ﴿وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ  ﴾ قلا ضير فى خيارات الانسان التى يتبناها لأنشطته اليومية طالما إنها  لا تتناقض مع الشرائع  فيتشاور فيها مع الآخر.
المناهج التى تنظم حياة البشر تقوم على الفكر و هى لها خاصية الثبات و يظل العنصر البشرى و معطيات البيئة فى حالة تغير مستمر( تطور) , فالديانات السماوية أنزلت على هذا النسق لتنظيم حياة البشر . الثابت و المتغير فى الدين(الديانات السماوية ) يكوّنان منظومة من الخيارات و الطرائق التفسيرية و التوجيهية  ترتكز على النص و المعنى , و يظل النص كما هو ببعده الوعائى ثابتاً , بينما تستمر المعانى و الدلالات التى من أجلها صِيغت النصوص متغيرة  بتغير الزمان و المكان ما أمكن وفق متطلبات المقاصد الضرورية للبشر,مثلا النصوص الشعائرية أكثر ثباتاً فى المعنى من النصوص التشريعية , الفروض الإجرائية للصلاة و الصوم هى أثبت  فى قواعدها مع بعض الترخيص للمستحقين حتى تجاوزوا العُسر و الهفوات  فى حالات معينة ( السهو ,القضاء و الكفارة ) هى تنبى على مفهوم التكليف التفاضلى و إكساب الشخص مقدرة التدارك ( ما كلف الله نفسا الا وسعها) .
 أما النصوص التشريعية التى ترتبط بإدارة الرعية و التعامل مع الآخرين هى تقديرية , مثل الشورى ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾, من هنا تبرز اشكالية توقيف المعنى على النص  و التأويل, التوقيف على هذا الصعيد يقوم على التصور التنميطى القائم حصريا على النص مبدئا , بينما التأويل يقوم على معايرة  القرائن للوصول الى المقاصد المثالية المناط بها النص, فالتوقيف له خصوصية الفردية أمّا المعايرة تكتسب الخصوصية الجماعية بالتالى تمتاز بالاجماع التلقائى المتولد  عن العقل الجمعى, و هكذا تنتهى صلاحية النزعة الفردية أمام الإجماع  , مثال الآيتان الكريمتان :﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ ﴾ التكوير و ﴿وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ﴾ الطور: تفاسير تلك الآيتين عكست نوعين من التفاسير فى حقبتين مختلفتين , فى الحقبة السالفة كانت تفاسيريها غاية فى البساطة لأنها توقفت  على المعانى المعجمية لكلمتى ” سجرت و مسجور” و أنحصرت تلك العلوم التفسيرية على افراد بالأسم مثل الطبرى إبن كثير و القرطبى و الزمخشرى و الطبرى و خلافهم  هم  لا شك خدموا الإسلام بمجهوداتهم الجبارة.ولأغراض سياسية أوقف بعض السلاطين حرية الأجتهاد و أغلقوا الباب فى وجه المجتهدين بعد أن صنعت مجموعات كهنوتية لمباركة التفويض السماوى لهم و تمكينهم على رقاب العباد تسلطاً حتى بلغ الأمر مستوى التأله مثل حالة خالد بن عبدالله القسرى و هو حاكم قام بذبح الجعد بن درهم أسفل المنبر بعد صلاة عيد الأضحى مدعياً أن هذه أضحيته لأنه أراد أن يجتهد فى إعادة قراءة العلاقة ما بين النص والمعنى , ليس هذا بدين و لا إسلام .و لكن فى عصر النهضة العلمية الذى انتشرت فيه العلوم المختلفة تفتحت تلقائياً أبواب التفسير و القبول الجمعى لها , مثلا نجد التفاسير تجاوزت البعد الوعائى للنص الى مدلوله النهائى بالتالى الكلمتان ” سجرت ” و مسجور” فى  الآيتين  المذكورتين آنفاً ساهم فى تفسيرها المجتمع الكونى بدون تصانيف دينية , فثبت ان الماء يتكون من ذرة أكسجين و ذرتين هايدروجين , فالأكسجين مساعد للأشتعال و الهايدروجين مشتعل فى نفسه إذن ما رأيك إذا أجتمع الإثنان , فلا بدّ من الإنفجار و الحريق , فتشير الآيات إلى يوم القيامة التى تضمن تلك الأحوال ,هذا أصبح تفسير قطعى لا يختلف فيه المسلم و المسيحى و اليهودى , وهذا التوافق التلقائى كان سبب فى عمليات حوار الأديان و إعتناق الاسلام .
المقدمة اعلاه لا ترتبط بجدلية ” المجاز و التأويل ” التى تكلم عنها علماء الإسلام , لكن هى مدخل لمفهوم الجماعة فى الإسلام  و أثرها فى  إقامة المنهج الاسلامى, فى هذا السياق يعتبر الفرد هو المنطلق التفسيرى  لمفهوم الجماعة عند الاسلام على مستوى الشعائر و التشريع , بينما  يتراجع المعنى على مستوى الأخلاق , مثلاً يُستحب الصلاة فى جماعة حينها تسقط الأخطاء لدى المأمومين ( ليس مطلقاً) و تبقى عند الإمام فهو المحور الشخصى إذ تُعمم عنده الفائدة إلى الجماعة  وتقتصر الأخطاء إليه كفرد وحده, خاطب عز و جل  جماعة المسلمين فى عدد من المواضع جملة واحدة و أمرهم بفعل الخيرمثل الآيات ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ المائدة (2). ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً﴾ الأحزاب (7) و عدد من الآيات , من الناحية الأخرى فى حال المخالفات  الشرعية و الاخلاقية و أرتكاب المعاصى  تنتفى فيها الجماعة حيث يُحاسب كلٌ على حداه , و يتضح ذلك فى قوله تعالى ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْدا﴾ مريم (95)ً,  ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ…….﴾ فاطر (18).
الإجماع الشعبى  على الإمام ( الرئيس) إختياراً يشتمل على السكوت عن شروط الصحة , مثلاً إذا أدركتك و آخرين الصلاة فى الطريق, الإمام الذى يتقدم الجماعة لا تُطلب منه إجراء معاينة و إستفتاء كشرط من شروط صحة الصلاة هناك معالجات جاهزة لمداركة الأخطاء و الهفوات مثل سجود السهو و اتمام الصلاة لدى المتأخر , تم إحلال القياس هنا على الإمارة ( الدولة) لتقييم مسالة الزعامة فى الاسلام , عليه التوافق الشعبى على إمامِ او رئيس هو أمر لا ضير فيه طالما يندرج تحت مفهوم الإجماع  الشعبى , و يصح القياس بمفهوم المخالفة على سقوط الإمام و الأمير بكراهية المأمومين له فى المسجد و الإمارة ,او كراهية الشعب للحاكم لفساد حكمه , و يرتبط مع هذه المسألة ما قاله العلماء عن الحاكم الفاجر العادل خير من الحاكم التقى الضعيف لانه العدل يعم الشعب و التقوى تخص الحاكم . فقبول الإمام فى المسجد و الأمير فى القيادة  فى الغالب ناتج عن إستفتاء ظرفى لجماعة المامومين و الرعية و فيما بعد يصبح ذلك إجماع شرعى , و إلا إذا رفض  المامومون الأمام لإحدى الأسباب سقط الأمام تلقائباً , جماعة المصلين هى الوحدة الصغرى و النموذج الاول للسلطة الشرعية ,قبول الإمام ( رئيس الدولة ) كالاول يتقلد الحكم عن طريق القبول الشعبى و اشبه بالاستفتاء الظرفى ليس انقلابا بالبندقية , مفهوم الشورى يؤسس  مشروع دولة لا يقيدها شرط الا اذا كان مناقضا للتوجهات المنهجية الكلية فالشريعة الأسلامية فى المبتدأ هى تلك الأخلاق التى تنظم حياة البشرية و ترسخ التوافق فى المجتمعات. 
جاء الاسلام ثورةً على التطرف و هدايةً الضالين, و الممارسات السيئة مثل  وأد البنات , عبادة الاصنام , قتل النفس  الحرابة و قطع الطريق, الزنا ,و لتنفيذ تلك المهمة الأممية تبنى الاسلام منهجاً دعوياً كفيل بخرورج الأمة من تلك المهالك فلم يكن المنهج التكفيرى مدخلا لمخاطبة أهل جزيرة العرب و إلاّ لم يعتنقوا الاسلام , النزعة التكفيرية عند بعض الجماعات هى ظاهرة مرضية أكثر منها نمط دعوى , فالدعوة عندهم تتجاوز العناصر الحقيقية لموضوع الدعوة إلى مجالات أخرى فتصيبهم بالسوء مثل إبتهالات بعض الأئمة و الدعاة على اليهود و النصارى بدون وجود سبب منطقى يتوافق مع مناسبة الخطاب, كحال دولة الأنقاذ فى السودان التى جعلت من اليهود و النصارى هدفاً للسخط الإبتهالى بعد كل صلاة و تحفيز المخاطبة التخاصمية عليهم , فكان أوجب عليهم مقاطعة عبدة النار و البقر والساجدين للشمس من مقاطعة أهل الكتاب الذين  أحل الله طعامهم مصاهرتهم .
لقى خطاب الوزير نصر الدين مفرح الثورى هجوماً من بعض الجماعات ذات النزعة التطرفية لكونه دعى اليهود للعودة إلى السودان  ,هنا المسالة قد تربك المُغيّبين عن الحقائق والمبرمجين ذهنياً  للتفكير فى القضايا ذات الصبغة اليهودية, و كان قد أصبح أمر يهود السودان من القضايا المسكوت عنها حتى وصلت مرحلة أسحق من الدعارة و و الزنا , هؤلاء المغيبون يخلطون ما بين المواطنة و التدين و الإنتماء و ذلك أشبه بظاهرة الفصام التى تجعل صاحبها يعانى من الهزيان و الدوار, ما زال هناك العديد من اليهود متمسكون بالعادات السودانية فى بلادِ اعتبروها مهجراً ,و هذه الظاهرة موروثة منذ المهدية عندما أُجبر اليهود على إعتناق الأسلام و سُموا بالمسالمة , و بعد المهدية منهم من هاجر و منهم من أرتد إلى اليهودية , هذه الظروف نتج عنها مصاهرة ما بين الأشخاص ذات الاصل اليهودى و المسلمين و هم سودانيون أصليون أداروا الدولة لفترة من الزمان و سكنوا وسط الشعب  و لكن للأسباب المذكورة لاحقاً أخفوا الهوية اليهودية و خاصةً بعد الإنتفاضة الفلسطينية فى 1948, و كانت شركة  بنسيون و أصلان وجلاتكى هاتكى من راس مال يهودى   و ما زالت بعض أسماء أعمالهم تعمل فى السودان و قادة الدولة الإنقاذية يعلمون ذلك جيداً, لكن أوردوا  الشعب مصادر المعلومات الكاذبة لغرض التضليل و تزييف الحقائق و صرفهم عن القضايا الأساسية . عودة اليهود السودانيين ككتابيين إلى السودان أولى من بيع أرض الوطن للصينين عبدة النار و اللادينيين بالمفهوم الإسلامى .

عبدالرحمن صالح احمد( ابو عفيف)
نظرية الثورة و الثورة المضادة
رسائل الثورة (8)
14/9/219
[email protected]

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق