أخبار السودان

أيلولة جهاز تنظيم الاتصالات و البريد لوزارة الدفاع..!!

علق خبير الإتصالات و معد تقرير “الفساد في قطاع الاتصالات في السودان ١٩٨٩ – ٢٠١٧” المهندس/ عمار قاسم حمودة، على قرار المجلس العسكري بأيلولة جهاز تنظيم الاتصالات و البريد لوزارة الدفاع كاتباً:

ظهر للعلن قرار بتاريخ ١٥ أغسطس  ٢٠١٩ صادر عن المجلس العسكري الانتقالي  بأيلولة جهاز تنظيم الاتصالات و البريد لوزارة الدفاع ، الامر الذي أثار عاصفة سياسية و اهتماما عاما مستحقا في ظل الحكومة الانتقالية في السودان بعد نجاح ثورة ١٩ ديسمبر الشعبية ضد الحكم الشمولي.

أحاول في هذا المقال أن ألخص – بما لا يخل – أبعاد القرار و تأثيراته . و أتناوله في ثلاثة مستويات ، بعد مقدمة أراها ضرورية عن قطاع الاتصالات بالسودان ، و محاولة وضع حلول للإشكال القائم حاليا بعد استعراض المستويات الثلاث:

١- المستوى التنظيمي و الفني. 

٢- المستوى التشريعي و العدلي (القانوني).

٣- المستوى السياسي العام و الاشتباك العسكري – المدني حول الولاية السياسية على القطاع.

المستويين الاول و الثاني فيهما نوع من التخصصية نذكرهما باقتضاب  ، و يمكن ان يتجاوزهما الباحث عن الشأن السياسي العام و يقفز للمستوى الثالث الذي أوليه عناية اكبر لما له من تأثير في الفضاء العام و في مستقبل الحريات العامة و الحقوق المدنية و حقوق الانسان.

مقدمة عامة عن أهمية القطاع:

اولا يجب التنبيه الى ان القرار حدد جهاز تنظيم الاتصالات و البريد فقط ، إلا أن القطاع يشتمل على مكونات لا تقل أهمية عن جهاز تنظيم الاتصالات و البريد ، و لا ندري عن وضعها الحالي شيئا !! و تشمل بغير حصر : المركز القومي للمعلومات ( الحكومة الإلكترونية ) ، مركز النيل للبحوث التقنية ( تابع للأمن ) ، الخدمات البنكية عبر الموبايل او الانترنت او حتي البينية بين البنوك و البنك المركزي ، الهيئة القومية للمصادقة الرقمية ، السجل المدني و أنظمة وزارة الداخلية ، و غيرها . و من تعدادنا فقط للكيانات بالقطاع يتضح ان القطاع يمثل عصب الدولة و الحكومة و الاعمال الذي بدونه لا تتناغم مسيرة دولاب العمل بالدولة و بالمجتمع ككل . هذا فضلا عن الجانب المالي المتعلق بالتدفقات النقدية من ضرائب علي خدمات الاتصالات وغيرها.

ولمن أراد المزيد يمكن الاطلاع على تقريرنا عن ” الفساد و انعدام الشفافية في قطاع الاتصالات بالسودان ١٩٨٩ – ٢٠١٧ ” الصادر عن مبادرة الشفافية السودانية بمجموعة الديمقراطية اولا عبر الرابط :   http://www.democracyfirstgroup.org/wp-content/uploads/2017/11/Telecom-English.pdf

١- المستوى التنظيمي والفني:

النماذج العالمية الحالية لتنظيم قطاع الاتصالات تتجه نحو التخلي عن السيطرة الكاملة – التي تميزت بها الانظمة الشمولية و القابضة عسكريا و امنيا علي الدولة – الا في حدود ضيقة لضمان توزيع النطاقات و الترددات و ما في حكمها كجهة محايدة و مرجعية ، و تتبنى الدول الديمقراطية هذا الاتجاه بقوة.

الكيان المنظم في معظم الدول يعامل معاملة جهة مستقلة ذات تبعية للجهاز التنفيذي في الانطمة البرلمانية او للسلطة السيادية في الانظمة الرئاسية  و هيئة مستقلة اتحادية في الانطمة الفيدرالية . تقلبت تبعية الهيئة في السودان لعدد من الجهات و الوزارات تبعا للتغيرات في بنية الأجسام و الوزارات الحكومية اسميا . فعليا خضعت الهيئة في السودان لسلطة حقيقية من جانب جهاز الأمن لدرجة ان وجود ضباط بالأمن في اداراتها كان أمراً عاديا ، و ان كانت شكليا تبدو في استقلالية ادارية ! و ذلك تحت عدة حجج ابرزها مسألة الامن السيبراني و الأمن القومي !!! يجب ان نتذكر ان أموراً ( تبدو فنية ) تم استعمالها كأسلحة معطلة بحجة المساس بالأمن القومي !!!! مثل قطع الانترنت بعد مجزرة اعتصام القيادة ي ٣ يونيو ٢٠١٩.

جدير بالذكر ان اجسام مهنية عدة لها إسهامات مكتوبة عن التصور الأمثل لهيكلة القطاع الان و مستقبلا و من اهمها ” المجموعة الاستشارية السودانية  للاتصالات و تقانة المعلومات ” SICTA.

٢- المستوى التشريعي و العدلي (القانوني):

من المهم الإشارة لطبيعة جهاز تنظيم الاتصالات و البريد حتى نتبين الوضع القانوني الملائم له. جهاز تنظيم الاتصالات و البريد جهة ذات ابعاد متعددة فهي ذات طابع تشريعي و تنظيمي مثل تخصيص ترددات لجهات او لأغراض بعينها . و هي كذلك جهة تنفيذية مسؤولة عن ضبط و متابعة الكثير من القرارات المتعلقة بخدمات الاتصالات . كما ان لها جانب فني بحت يتعلق بالمواصفات الفنية للأجهزة المستخدمة في الاتصالات بالسودان كمثال . هذا فضلا عن انها المشرف على تقديم خدمات الاتصالات و البيانات و البريد و غيرها . اما النقطة القانونية الأهم فهي في تحديد الجهات المخول لها التدخل و الاستفادة من الإمكانيات الفنية الكبيرة و الخطيرة بما فيها الوصول لمعلومات سرية و مراقبة و تتبع و تنصت و رصد وووو.

التطورات في قطاع الاتصالات و تقانة المعلومات في العادة  تتسارع بوتيرة اسرع من التطورات التشريعية و القانونية ، و هذه نقطة يجب الالتفات لها من جانب القانونيين خصوصا التشريعات الحافظة للحقوق في جهاز حساس يملك إمكانيات لكسر الخصوصية و السرية  بطريقة سهلة.

حرص المجلس العسكري على إعطاء قراره نوعا من الحماية القانونية  عندما اجازه قبل توقيع الوثيقة الدستورية.

٣- المستوى السياسي العام و الاشتباك العسكري – المدني حول الولاية السياسية على القطاع.

الانتقال من نظام رئاسي الي نظام برلماني عقد الكثير من الامور الإدارية . الخروج من الشمولية الي الديمقراطية تحدي كبير ، و اعتماد النظام البرلماني لم يكن خيار الجانب العسكري و لذلك اقتضى عمل الكثير من التدابير الاحترازية و التحصينية في فترة انفراد المجلس العسكري بالحكم.

(نتذكر ان مرجعية برلمانية الحكم أخذت الكثير من اللت و العجن ، و حاول العسكر التنصل منها بإعطاء المجلس السيادي صلاحيات أقرب الي صلاحيات الرئيس في النظام الرئاسي).

المراقبة ، التتبع ، التنصت ، التسجيل ، الرصد تحليل المعاملات و المكالمات ، الربط مع الأنشطة الرقمية البنوك و السجلات المالية ، السجل المدني و الشرطة  ، المصادقة الإلكترونية الحكومة الإلكترونية ، البنية التحتية الرقمية ، المخارج العالمية ، حظر مواقع التواصل بل و إغلاق الانترنت.. كل ذلك يجعل من الاتصالات جهة حساسة واجبة السيطرة عليها . اما اذا اضفنا كل ذلك الى المال و النفوذ السياسي الذي يضع الآخرين تحت الرصد مع الإمكانية الفنية للحصول على المعلومات و اختراق السرية و الخصوصية، فاننا ندرك لماذا يكون جهاز تنظيم الاتصالات محل صراع شديد خصوصا و انه كان اهم أداة لجهاز الأمن بغير جدال . و لذلك فان السيطرة على قطاع الاتصالات يمثل حجر زاوية لكل من يتطلع للسيطرة السياسية و لتأمين و حماية نظام الحكم أيا كان ، فضلا عن توفر المعلومات و الأموال المتدفقة بسلاسة و يسر  تفوق تدفق الضرائب الاخرى.

لماذا الايلولة لوزارة الدفاع؟؟

ليس هناك أي منطق اداري يبرر هذا القرار و حتى في اعتى الشموليات عندنا في السودان لم يتبع جهاز تنظيم الاتصالات لوزارة الدفاع . و لكن مجريات الامور و قرائن الأحوال تقول بان القرار جاء ضمن قرارات اخرى تم تنفيذها تحت عنوان ( اعادة هيكلة جهاز الامن الوطني ) ، الامر الذي تولاه المجلس العسكري منفردا قبل التوقيع على الاتفاق و الوثيقة الدستورية لحاجة في نفس يعقوب بلسان حال يقول : بيدي لا بيد عمرو . هذا يفسر حقيقة ان القرار تم ايّام اعادة هيكلة جهاز الأمن من جانب المجلس العسكري و ليس من الجانب المدني !!! تمت معاملة جهاز تنظيم الاتصالات و البريد  حسب وضعه الحقيقي و الفعلي اَي انه احد  مؤسسات جهاز الأمن و بالتالي اتوقع ان هناك قرارا مشابها صدر بخصوص مؤسسات اخرى مثل التصنيع الحربي الذي يبدو من الوهلة الاولى انه جهاز عسكري يتبع للجيش ، و الحقيقة غير ذلك . و لكن ما جرى يكشف عن المفهوم الكارثي ل ( اعادة هيكلة جهاز الامن ) من جانب المجلس العسكري ، مع ملاحظة ان هذا الامر هو الوحيد الذي تم تنفيذه – بشكل منفرد – من المجلس العسكري الانتقالي قبل التوقيع على الوثيقة الدستورية في خطوة استباقية قصد منها التمكين القانوني للسيطرة على قطاع الاتصالات و تعقيد مهمة الباحث عن حقيقة تجاوزات جهاز الامن سابقا و في السجلات الخاصة بفترة الاعتصام و فضه و ما يترتب على مثل هذه المعلومات الضرورية لاي تحقيق!

مقترحات حلول للوضع الحالي:

سياسياً:

– لابد ان تتوفر رغبة سياسية واضحة تجاه القطاع ككل و بالتالي تجاه وضعية جهاز تنظيم الاتصالات و البريد.

– تبني هيكلة واضحة يساهم فيها المختصون في المجال و القانونيون بشكل أساسي . و يجب دعمهم و الوقوف معهم بقوة حفظا للحقوق و منعا للاستهداف و الاستغلال.

– إصدار امر تنفيذي من رئيس الوزراء كفيل بمعالجة الامر حسب وجهة نظري و فهمي للوضع القانوني الحالي،،،

تنظيميا و إجرائياً:

– فصل الامور التشريعية و القانونية ( حقوق التواصل و الانترنت ) و الملاحقة او التدخل  القانوني عن الجهاز التنفيذي.

– التلاقي او التماهي بين الجهة القانونية و الجهة التنفيذية ذات القدرة الفنية على الحصول على معلومات ربما تصنف سرية او  ذات خصوصية يجعل من الهيئة بعبعا لكل شخص او كيان لذلك يجب العمل على تحقيق فصل السلطات.

عمار قاسم حمودة
[email protected]
لندن، ١٤ سبتمبر ٢٠١٩

‫3 تعليقات

  1. لابد من صدور قرار آلان بإلغاء قرار البرهان و حميدتي . ولابد من إيقاف العسكر من التدخل في إدارة البلاد. يفترض أن يكون هناك مجلس وزراء بصلاحيات لادارة للبلاد.
    العسكر لن يتخلوا عن السلطه إلا بقوة الثوار. تجمع المهنين يجب عليه أن يقود الثورة لغاياتها. يجب أن ننسي ما يسمي بالحرية والتغير لان الأحزاب لن تتفق وسوف تؤخر العمل الثوري . قوة الثورة وشبابها من كل السودان هي الوحيدة القادرة للمضي قدما في الوصول للهدف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..