مقالات وآراء سياسية

هل من الممكن تعديل وثيقة الدستور الانتقالي لسنة 2019 ؟(3)

محمد علي طه الملك

في خاتمة هذه المقالات الباحثة عن إجابة للسؤال أعلاه ، أتوقف عند النص الخاص بتشكيل لجنة التحقيق الوطنية المستقلة ، وحتى يحاط القارئ بمدلولات ما سوف أورده على النص من تعليق ، أورد منطوق النص كما جاء في الوثيقة الدستورية ، تقول المادة 8 الخاصة بمهام الفترة الانتقالية في الفقرة (16) :- ( تشكل لجنة تحقيق وطنية بدعم أفريقي عند الاقتضاء ، وفق تقدير اللجنة الوطنية ، لإجراء تحقيق شفاف ودقيق في الانتهاكات التي جرت في الثالث من يونيو 2019م ، والأحداث والوقائع التي تمت فيها انتهاكات لحقوق وكرامة المواطنين مدنيين أو عسكريين ، على أن تشكل اللجنة خلال شهر من تاريخ اعتماد رئيس الوزراء ، وأن يشمل أمر تشكيلها ضمانات لاستقلالها وتمتعها بكافة الصلاحيات للتحقيق وتحديد المدى الزمني لأعمالها ) إنتهى منطوق النص. أولاً : من حيث الصياغة لا أرى مسوقا لاضفاء صفتي الشفافية والدقة على التحقيق ، لأن هذه لغة إنشائية لا تتسق مع التحقيقات ذات الصبغة الجنائية ، وإن كان لا بد من صفة تلحق بالتحقيقات كان الأصوب وصفها بالعادلة ، أيضا هنالك إضافات في النص لا معن لها لكونها من المعلوم بالضرورة ، ومن باب المعلوم بالضرورة أن هذه الوثيقة لم تنشؤها جهة أجنبية ، بل نشأت نتيجة توافقات بين قوى عسكرية ومدنية سودانية ، ومن ثم فإن لجنة التحقيق التي سوف تشكل هي لجنة وطنية ، وتأكيد المؤكد تزيد ولزوم ما لا يلزم ، ولو لم تكن كذلك لأسبغ عليها تعريف تحقيق دولي أو إقليمي ، يلحظ أيضا تكرارا لمعن واحد مثال ذلك ـ القول بأن التحقيق للانتهاكات التي جرت في الثالث من يونيو 3019م ، ثم تكرار نفس المعنى في السطر الذي يلية ، وكأن لفظ الانتهاكات التي جرت في الثالث من يونيو لها معن مغاير عن تلك المعرفة بالأحداث والوقائع التي حاقت بالعسكريين والمدنيين !!.

ثانيا : لا تنص الفقرة 16 من المادة 8 عن الجهة المفوضة بتشكل لجنة التحقيق بطريقة مباشرة وواضحة ، بل تحدثت عن  تشكيلها خلال شهر من اعتمادها  تعين رئيس الوزراء ، فهل يفهم من النص أن رئيس الوزراء هو من يشكلها ؟ النص vague ، إذا فما هي الجهة المخوّلة بتشكيلها ؟ بما أن الفقرة 16 وردت ضمن الفصل الخاص بمهام الفترة الانتقالية تصبح الجهة المناط بها تشكيل اللجنة هي مجلس الوزراء وليس رئيس الوزراء بمفردة ذلك وفقا للمفهوم العام لنص المادة 16/ أ / التي كفلت لمجلس الوزراء تنفيذ مهام الفترة الانتقالية ، وتجدر الملاحظة هنا أن مجلس الوزراء عند ممارسة صلاحية تشكيل لجنة التحقيق ، ليس عليه الزام نصي مباشر بالرجوع لقوى الحرية والتغيير أو مشورتها اللهم إلا من باب أخلاقي فحسب.

ثالثا : تنص الفقرة 16 / 8 أن يشمل أمر تشكيل لجنة التحقيق ضمانات لاستقلالها وتمتعها بكافة الصلاحيات للتحقيق وتحديد المدى الزمني لأعمالها ، ولم تفصل لنا المادة عن ماهية تلك الضمانات المطلوبة لتؤدي اللجنة مهامها باستقلالية ؟ أما صلاحيات التحقيق حول الجرائم وأي أنتهاكات لحقوق الإنسان بصفة عامة محكومة بقانون الإجراءات الجنائية لذا كان الأوفق أن يضاف للنص جملة ( وتمتعها بكافة صلاحيات التحقيق المكفولة في قانون الإجراءات الجنائية ) ، أخيرا يطلب النص تحديد مدى زمني للتحيق ، وهذا طلب خاطئ قد يدفع اللجنة إلى العجلة و ( الكلفتة) حتى لا تتجاوز مداها الزمني .

رابعا : الوثيقة لم تتحدث بصورة تفصيلية عن هياكل المؤسسات الولائية ،  ولم تشير إلى الغاء القوانين  المفصلة لذلك ،  واكتفت باعتبارها ضمن مستويات الحكم  التنفيذية  ،  و أن يبقى الحال على ما علية  وفق ما يتم اتخاذه من تدابير  ، وأن  يعتمد مجلس السيادة الولاة  بعد تعينهم  من  رئيس الوزراء ، ولم يأت ذكر لوزارء  في الأقاليم  إلا عرضا  في  الفصل الذي تحدث  عن إقرار الذمة  19/ 2  والأغرب  عندما  فصلت المادة 10  أجهزة الحكم في الفترة الانتقالية  سقط  ذكر للولايات !!.
انتقل الآن لنص المادة 70 التي أثير حولها نقاش وجدل بين قوى الحرية والتغيير والجبهة الثورية ، جاء نص المادة كما يلي :
( يتم إدراج اتفاقيات السلام الشامل التي توقع بين السلطة الانتقالية والحركات المسلحة في هذه الوثيقة الدستورية وفق احكامها ) انتهى النص.
لعل الوصول لهذه الصيغة تم بعد تجاذبات عديدة ، كانت تطالب فيها الجبهة الثورية إدارج اسمها في النص ، بجانب إضافة ما يفيد علو أو سيادة أحكام اتفاقية السلام على الوثيقة الدستورية حال وجود تعارض بينهما ، ويبدو أن هذه الطلبات لم تجد القبول من الطرف الآخر ، ثم عولج الخلاف بهذا النص ، النص بشكل عام لا غبار علية سوى ما جاء في خاتمته وهي عبارة ( وفق أحكامها ) ، علة هذه العبارة أنها بنيت على ضمير مستتر فبدت كأنها متطفلة على النص ، فإذا أردت معرفة مدلول العبارة وما ترمي إليه ، وجدت نفسك مستكا في سؤال حول ما إن كان الضمير المستتر في كلمة أحكامها عائد لأحكام اتفاقيات السلام الشامل ؟ أم احكام الوثيقة الدستورية ؟ هذا الإرباك في دلالة الكلمة دفع قادة الجبهة الثورية للقول بأن المقصود بها أحكام الوثيقة الدستورية ، وهو التفسير الأقرب للصواب لأن القول بأن دلالة الكلمة تعود لاتفاقات السلام الشامل ، يعني بالضرورة سيادة أحكامها على أحكام الوثيقة الدستورية ، وهذا ما رفضته قوى الحرية والتغيير، شخصيا لا تبدو لي أية ضرورة لإضافة هذه العبارة المربكة من الأساس ، فالنص بغيرها كامل وواضح فضلا عن ذلك ـ فإن اللجنة أو اللجان التي سوف تشكلها الحكومة لإجراء المفاوضات مع الحركات المسلحة ، تستمد صلاحياتها من الوثيقة الدستورية ، وإن كان لا بد من المزيد لدواعي الحرص ، كان بالإمكان النص في وثيقة تكليف اللجنة بأنها مقيدة بأحكام الوثيقة الدستورية وغير مفوضه بالخروج عليها .
بهذا التطواف حول ما انتجته بعض نصوص الوثيقة الدستورية من تعقيدات ، عرضت قدر جهدي المتواضع لجملة من التبريرات القابلة للمناقشة والتصويب ، غايتها الإجابة على السؤال المطروح في العنوان .
والله من وراء القصد.

 

محمد علي طه الملك

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى