أخبار السودان لحظة بلحظة

سطور من كتاب عمر البشير الأسود

0

أسقطت ثورة شعبية كاسحة وعارمة حكم المشير عمر البشير الذي جثم على الصدور ثلاثين من السنين العجاف، أهلك خلالها الزرع والضرع، وفي الخامس من أيلول (سبتمبر) الجاري تم الإعلان عن التشكيل الوزاري للحكومة الانتقالية، ورغم أن من أشعلوا الثورة وكانوا زندها وزنادها فعلوا ذلك بسبب قبح فعال البشير وزمرته في كل مجال، إلا أن ما تكشّف من تفاصيل سوءات ذلك النظام خلال الأيام القليلة الماضية، جعل كثيرا من السودانيين يتساءلون: كيف صبرنا على هؤلاء كل هذا الدهر؟

أداء هزيل

كان أداء البشير هزيلا ومخزيا أمام المحكمة التي يواجه فيها تهمة الثراء الحرام، وحيازة عملات أجنبية بما يخالف القانون الذي أصدره هو قبل شهور قلائل من سقوطه، فلتبرير احتفاظه بملايين اليوروات في خزينة في مسكنه الحكومي، قال إن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أرسل له 25 مليون يورو على متن طائرة خاصة، وإنه لم يضعها في حساب مصرفي حكومي حسب رغبة ابن سلمان، وذلك دون أن يشرح هل كانت النقود مزورة أم كانت ثمنا لصفقة مشبوهة، حتى يطلب المانح التستر عليها.

ثم حكى البشير للمحكمة كيف أنه وزع جانبا من ذلك المبلغ بسخاء على إحدى الجامعات، وقناة تلفزيونية وقوات الدعم السريع التي أوكل إليها أمر حراسة نظامه، ولم يخفِ الرجل أن تلك الهبات السخية لم تتم عبر القنوات الرسمية لحكومة ظل هو فيها الكل في الكل لثلاثة عقود، بل وزع بعضها عن طريق ابن خالته، ما يعني أنه كان يعتبر أن “جيب العائلة وجيب الحكومة واحد”

ولما سئل عن مصدر ثراء زوجته، قال إنها لا تملك سوى بيتين في ضاحية كافوري في الخرطوم بحري اقتنتهما بعد بيع سيارتها “الخاصة”، وهذه الضاحية كانت مزرعة ضخمة للألبان والماشية أقامها السوري عزيز كافوري، وكان والد البشير عاملا بسيطا فيها، ومع التوسع العمراني في المدينة تم إغلاق المزرعة وتوزيع أراضيها كقطع سكنية، تكالب عليها ذوو القدرات المالية العالية فتحولت إلى حي أرستقراطي لا يستطيع أكثر من 97% من أهل السودان إليه سبيلا.

وربما ولعقدة نفسية، حرص عمر البشير وإخوته (يخضعون حاليا للتحقيق حول الإثراء بالحرام)، على تخصيص أكثر أجزاء حي كافوري رقيّا إلى ضيعة خاصة بالعائلة، فشيدوا فيها الفيلات الضخمة الفخمة والأبراج والمدارس “التجارية” ومجمعا للتسوق جعلوا من فوقه مسجدا، ولك أن تتساءل كيف تسنى لهم الجمع بين مكان للتسوق والتسكع وآخر للعبادة والتقرب إلى الله، وهم من ظلوا يرفعون شعارات الحكم الإسلامي، وربما لم يسمعوا بالحديث الشريف الصحيح “أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا”.

ومن الواضح أن البشير لم يتحسب ليوم حساب في الدنيا، ومن ثَمَّ جاءت شهادته على نفسه أمام المحكمة غير مُحْكمة، ولو كان يعرف كلفة الأرض والعقار في حي كافوري لما قال إن زوجته اقتنت مسكنين فيها بعائد بيع سيارتها ما لم تكن تلك السيارة من راز بوينغ أو إيرباص.

وفي ندوة متلفزة قال أحد مدراء البنك المركزي في السودان إنهم رصدوا أن كبار مساعدي البشير يملكون 64 مليار دولار في البنوك الماليزية، وأضاف: “إن هذا المبلغ يفوق مديونية السودان الخارجية منذ فجر الاستقلال بتسعة مليارات دولار”.

جرائم تعذيب

في الأيام الأولى للثورة، تم اعتقال المعلم أحمد الخير في مدينة في الإقليم الشرقي في السودان، وبعد ساعات من اعتقاله كان قد مات، فخرج مدير الشرطة على الناس ببيان يقول فيه إن الوفاة حدثت نتيجة تسمم غذائي، ولما تسلم أهل المتوفى الجثمان أصروا على إخضاعه للتشريح من قبل طبيب شرعي، واتضح أنه مات نتيجة تعذيب مفرط.

لم يكن في ذلك ما يثير دهشة المواطنين، ففي أول شهور حكم البشير كان المعارضون يحتجزون خارج السجون ومخافر الشرطة، فيما كان معروفا وقتها ببيوت الأشباح، وفي أحدها توفي الطبيب علي فضل بعد أن هشم جلادوه جمجمته وأضلعه، وكتب طبيب حكومي في تقرير تشريح الجثمان أنه مات بحمى الملاريا.

ما أدهش المواطنين السودانيين وأدمى قلوبهم هو الإفادات التي قدمها الشهود الذين كانوا معتقلين مع أحمد الخير، وتعرضوا مثله لأبشع أنواع التعذيب، أمام المحكمة التي تنظر في أمر جلاديه هذه الأيام، ليس السادية المفرطة التي خضعوا بها للضرب بالعصي والخراطيم منتهية الصلاحية، والزحف في الهجير على الحصى ومخلفات البناء والإذلال بالتجريد من الملابس، بل ما قاله العسس حماة نظام البشير “الإسلامي”؛ فقد أبلغ أحد ضباط جهاز الأمن الذين شاركوا في التعذيب المعتقلين بأنه متخصص في مجال الاغتصاب، بينما قال آخر إنه “ملك الموت”.

والشاهد هو أن السودانيين لا يقابلون بالاستغراب ما يروى عن الكيفية التي تم بها تدمير الخطوط البحرية والجوية والسكك الحديدية والمشاريع الزراعية الكبرى على أيدي البشير وصحبه، فتلك أمور كانت معلومة منذ العشرية الأولى لهم في كراسي الحكم، ولكن ما يدهشهم ويثير غثيانهم هو التفاصيل الصغيرة مثل التي حملتها الأسطر أعلاه التي تكشف الخسة والوضاعة والعصمة من مكارم الأخلاق بين نفر حكموا البلاد ثلاثين سنة ظلوا خلالها يرددون: هي لله، لا للسلطة ولا للجاه.

عربي 21

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.