مقالات وآراء سياسية

من قضايا الثورة

د. قاسم نسيم حماد حربة

تمر الثورة ببعض الأزمات الطبيعية، وهذه من سنن الثورات فلا يستصعبها الناس، منها بسبب ما ورثته من النظام السابق من انهيار اقتصادي، ومنها قروح أصابت جسد الدولة في عهد النظام السابق فتقيحت الآن، ومنها بأسبابٍ من بعض رجال الثورة أنفسهم فتحدث بعض الإرباك، فما ورثته حكومة الثورة من سابقتها قدرٌ بسببه حدث طلق الثورة نفسها فنصبر عليه لجلال منتوجه حتى تعالجه حكومة الثورة، وقل كهذا في التقيح، أما ما يحدثه بعض رجالات الثورة فهنَّات نراجعهم فيها حتى لا يموت طفلنا، وتتعبد السبيل أيسر، فمن الأقدار توالي أزمات الخبز والوقود، ومن التقيحات ما تسامعنا به من أحداث (أبيي) وما يرد إلينا من الشرق من دعوات انفصال آثرت ألاَّ استقصي تفاصيلها مخافة أن تحدث ندوباً في قلبي، أم الهنات هي ما يحدثه بعض رجالات الثورة بإثارتهم بعض القضايا التي تحتاج إلى مداخل وتوطيدات فكرية وملاينة اجتماعية، بصورة عارية، وصدق خشن، فتربك المشهد وتثير الناس، وذلك لفرط حساسيتها، وانبناء المفاهيم التراثية على ركنيتها، في وقت لا حاجة فيه إليها ملحة، كالحديث المنسوب عضوة المجلس السيادي عن (وجوب وقف العمل بالشريعة الاسلامية في السودان لأنه بلد متعدد الأديان) ونحو ذاك من بعضهم.

 

لقد مرَّ الإعلان الدستوري الذي يقوم مقام الدستور طيلة الفترة الانتقالية ولم ينص على الشريعة، بل ولا حتى على أن الإسلام هو دين الدولة، مستفيداً من الزخم الثوري في تمريره، فلماذا إذن نثير أمراً قُضي أمره ولا حاجة أخرى لإثارته الآن، وقت الاسترخاء الثوري وقائمة طويلة من قضايا الثورة لم تنجز على رأسها ورطة مادة تعيين رئيس القضاء، إذ أن هذا القول قد يربك المشهد، إذ يتخذه البعض مدخلاً لإثارة بلبلة وتفكيك لوحدة قوى الثورة، فتقود طائفة منهم حملة تقول بضرورة تعديل الدستور لافتآته أمر الإسلام والشريعة فندخل في جحر ضب لا نخرج منه أبدا، هذا مبعث خوفي منه إذن.

 

ومقالة عضوة السيادي هي امتداد لأقوال بعض نشطاء الثورة إبان الاعتصام، لكنهم كفوا عنها بعد أن بان لهم عدم المناسبة الزمنية، وخشية سوء استغلال حديثهم، لذا لا أرى من الحكمة تجديد هذه الأقوال الآن.

 

كلنا نسعى للإنقلاب الفكري، لكن الانقلاب الفكري لا يفرض بالقوة فيرتد علينا أسفا، وبين يديك دول الاتحاد السوفيتي التي تحررت منه إسلامية متشددة بعد قبوعها تحت حكم علماني آماداً لم يفلح في تغييرها بل زاد تزمتها الإسلامي بعد تحررها كالشيشان وما جاورها، لذا يتبع في هذا سبيل الإقناع والمحاورة، والسياسيون إنما يفلحون في الخطب، وتجييش المشاعر، وتنظيم الناس وسوقهم إلى إحداث الفعل السياسي أكثر، فنجاح الثورة ينبغي ألاَّ يغريهم كثيراً بالحديث عن قضايا التثوير الاجتماعي والفكري، فهما لا يصنعهم الساسة بل المفكرون، هذا ما حدث في أوربا من قبل إسبنوزا وفولتير وقائمة طويلة من المفكرين، فعلى الساسة أن يبعدوا عما لا رسوخ قدم لهم فيه -إلاَّ من تملك منهم الناصيتين، لكن حسبهم تهيئة المناخ للتغيير الفكري والاجتماعي ببسط الحريات والدفع بالمفكرين، وتوسيد السبيل لهم وتعد المنابر، والسودان غنيٌ بالمفكرين هؤلاء.

 

أحزاب اليسار أسبق إلى الظهور في ساحة السياسة السودانية، لكن ظهر تقبل الناس للإسلاميين أكثر في انتخابات 1986 ، حيث احتلوا المركز الثالث، رغم أن خطاب اليسار أكثر تماسكاً، وخطاب الإسلاميين، أقرب إلى العاطفية وتغلب عليه الخطابية، كيف حدث هذا إذن، حدث هذا لأن الإسلاميين عزفوا على أشواق الناس الإسلامية ابتداءً، وبنوا على ما انتجه التراث وطرحه كمسلمات، ومعلوم أن ثورات الربيع العربي كلها أنتجت حكومات إسلامية ، وكان المنتظر أن تنتج حكومات أكثر ليبرالية، لأننا هكذا نفهم الثورة، فذات التبرير الذي سقته في تمدد الإسلاميين في انتخابات 1986 أقدمه تبريراً لاكتساح الإسلاميين ثورات الربيع العربي عقب 2011، وهناك مقولة سائدة تزعم بأن لو خير المجتمع العربي بين الشريعة والعلمانية لاختار الشريعة وهاجر وأقام في الغرب، هذه حقائق يجب أن لا نغفل عنها، ويجب أن نخضعها للتشريح.

 

رغم خروج السودان من تجربة إسلامية ربما لن تسمح لآخرين من بعد تنكب ذات السبيل، ورغم قساوة تلك  التجربة، وجب علينا أن ندع أمر التنوير للمفكرين ونوليه قدره، لكن أرى أن تكون الثورة الفكرية والاجتماعية من داخل تراثنا لا أن نستورد لها أفكاراً جاهزة نبتت في بيئات مغتربة عنا في الغرب حيث تختلف الثقافة والدين، وأن لا محل هنا لما عرف بالقطيعة الثقافية لأن الناس هنا تقدس الماضي وتحياه وتتنفسه، فليس أدلَّ على ذلك أن أدنى رجل منا تعليماً يستوعب بسهولة نصوص القرن السابع الميلادي وكأنها كتبت اليوم، ولكن الإنجليز اليوم مثلا لا يستطيعون فهم أشعار شكسبير الذي عاش في القرن السابع عشر، فنحن نعيش في الماضي، فلتكن ثورتنا لا ثورة على التراث إنما ثورة في التراث ومفاهيمه، لا سبيل سوى ذلك عندي، وإن أصررنا على الثورة على التراث جملة فسنجعل الوسطيين متزمتين وينقلب علينا ثوار الأمس أنفسهم، ومن يردد أن هذه الثورة ثورة وعي نقول له ربما أصاب الوعي طائفة من أبناء السودان لكن الغالبة لا زالوا في مكانهم يراوحون، وإن ثورة الوعي تحتاج للمحاضرة والندوة وتثوير المناهج المدرسية وأجهزة الإعلام، وكنت تنبهت إلى هذا من بدايات الألفية الثانية فقمت بصحبة صديقي الفنان التشكيلي علاء الدين أحمد (فرشة) بقيادة عمل تنويري انطلاقا من صالونه بالثورة الحارة 14 حيث كان صالونه جُنَّة لنا وحضناً دافئاً وأنساً امتد حلقاته وملتقياته حتى قيام هذه الثورة لم ينِ ولم يضجر صاحبه، بل كانت تباشرنا أسرته بالخدمة والبسمة والكرم فله التجلة ولأسرته الشكر على كريم الاستضافة والبذل، وقد تخرج من ذاك الصالون عشرات المتنورين الذين يستوعبون الآن كل التناقضات الحادثة، ويفكفكون التراث، ويصرفون نصوصه إلى ما يواكب العصر بلا معاضلة وهم يتبسمون، وهذا مثال للتنوير وأجزم أن هناك أمثلة عديدة أخرى لا أعلمها، والآن يجب أن تتسارع عجلات ذالك التنوير.

 

د. قاسم نسيم حماد حربة

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..